رواية كاملة
كانت مجرد بنت قاعدة في الكرسي 9 لحد ما الطيارين وقعوا، وفجأة صوت من اللاسلكي ناداها باسم حركي محدش في الطيارة المفروض يعرفه وساعتها كل اللي في الطيارة فهموا إن البنت الصغيرة اللي قاعدة جنبهم ممكن تكون آخر أمل ليهم.
أول إيد اترفعت في الرحلة رقم 2847، محدش خد باله منها في الأول.
افتكروها حركة عادية أو يمكن البنت نفسها اتلخبطت.
كانت مريم عبد الرحمن قاعدة في الكرسي 9A، شنطتها الصغيرة محشورة تحت الكرسي، وسماعاتها متعلقة حوالين رقبتها. عندها ستاشر سنة، لابسة كوتشي قديم، ووشها شاحب بالشكل اللي يخليك تحس إنها فهمت بدري قوي إن الخوف مش لازم يزعق عشان يخضّك.
حواليها كان فيه أكتر من سبعين راكب باصين لقدام، وكل واحد فيهم بيبص للتاني من غير ما يفهم إيه اللي حصل في السما.
الطيارة ما اتهزتش زي هزة المطبات الهوائية العادية.
لأ.
الطيارة وقعت لتحت.
وقعت بتقل مرعب كأن إيد خفية زقتها من السما وبعدين وقفتها في آخر لحظة.
صرخات اتسمعت في كل حتة.
شنط وقعت من فوق، وكوبايات اتقلبت، وواحدة ست فضلت تقول
يا رب يا رب استرها.
مضيف عدّى في الممر وشه متشدّد، وبعدها صوت قائد الطائرة جه في السماعات
لو فيه أي طيار معاه رخصة موجود بين الركاب، ياريت يضغط زر طلب المساعدة فورًا.
محدش اتحرك.
ولا لمبة واحدة نورت.
ثواني عدّت تقيلة.
وبعدين جت الرسالة التانية، والصوت المرة دي كان أوضح فيه التوتر
أي حد عنده خبرة في الطيران عسكرية، مدنية، طيران خاص، حتى تدريب على أجهزة المحاكاة يضغط زر النداء فورًا.
مريم بصّت للزر اللي فوق راسها.
إيدها فضلت معلقة في الهوا.
هي نفسها كانت مش مصدقة إنها بتفكر تعمل كده.
محدش في الطيارة كان يعرف إن جدها، اللواء متقاعد حسن عبد الرحمن، كان من سنين طويلة بيقعدها قدام جهاز محاكاة طيران في أوضة مقفولة في بيته، في الوقت اللي بنات في سنها كانوا بيخرجوا ويتفسحوا ويقعدوا مع أصحابهم.
هو كان يطفي لها موتور.
يعطّل لها الهيدروليك.
يدخل عليها رياح جانبية.
ويفاجئها بأعطال ورا بعضها.
وبعد كل ده كان يقول لها بنفس هدوئه
اعملي ال برضه متتوتريش.
من وهي عندها عشر سنين، كان بيقول لها جملة واحدة عمرها ما نسيتها
الطيار الشاطر مش اللي بيبان جامد وقت الخطر الطيار الشاطر هو اللي يعرف يعمل الصح والناس كلها حواليه بتنهار.
وهي في العشر سنين كانت بالعافية رجليها بتوصل للدواسات.
لكن دلوقتي، وهي عندها ستاشر سنة، كانت تقدر وهي مغمضة عينيها تحدد مكان أغلب مفاتيح وأنظمة الطيارة اللي اتدربت عليها بإيديها.
بس فيه مشكلة واحدة.
مريم مش طيارة.
معاهاش رخصة.
ما عندهاش خبرة طيران حقيقية.
ومحدش اداها حق تمسك طيارة ركاب.
وفوق كل ده
كان فيه أكتر من سبعين بني آدم مستنيين حد ينقذهم.
مريم افتكرت صوت جدها.
اعملي اللي بعده.
مدّت إيدها
وضغطت على الزر.
المضيف اللي وصل عند الصف التاسع حس براحة للحظة.
لكن أول ما شاف مين اللي ضغط
الراحة اختفت من وشه.
بنت صغيرة.
تيشيرت عليه رسمة طيارة.
إيديها بتترعش.
شعرها مربوط ديل حصان ومفكوك من كتر التوتر.
ووشها بيقول إنها لسه في سن المدرسة.
قال لها
إنتِ؟
مريم بلعت ريقها وقالت بسرعة
أنا فاهمة أنظمة الطيارات دي. اتدربت على ال. وجدي كان طيار عسكري وقعد يدرّبني على المحاكاة وإجراءات الطوارئ من وأنا عندي عشر سنين.
المضيف بص لها كأنه مستني حد يطلع ويقول له إن دي هزار.
بس محدش قام.
ولا حد قال كلمة.
كانت لحظة غريبة جدًا
لحظة كل الكبار فيها كانوا خايفين يعترفوا إن طفلة ممكن تكون أملهم الوحيد.
المضيف أخد نفس عميق وقال
تعالي معايا.
مريم قامت.
عدّت في الممر وسط عيون كل الركاب.
راجل من الصف التامن فتح عينه من الصدمة.
أم كانت حاضنة ابنها بقوة لدرجة إن الولد كان دافن وشه في صدرها.
اتنين شباب كانوا بياكلوا شيبسي سابوا الأكياس مفتوحة في إيديهم.
محدش كان بيتكلم.
صوت الموتور كان ثابت.
هادئ بشكل يخوف.
وفي كابينة القيادة، ريحة القهوة المحروقة كانت مختلطة بريحة العرق والمطهرات والبلاستيك.
الكابتن أحمد منصور كان واقع على جنب، وشه أبيض زي الورق.
والكابتن المساعد سلمى فؤاد كانت لسه واعية بالعافية.
كانت قدرت تبعد جسم الكابتن عن أجهزة التحكم، وتعلن حالة الطوارئ، وتتواصل مع برج المراقبة، وتحافظ على الطيارة في الجو لأطول وقت جسمها سمح لها.
لكن دلوقتي
كانت بتفقد وعيها.
إيديها باردة.
وشها شاحب.
وعينيها بالكاد مفتوحة.
طيارين مصابين.
طيارة ركاب بتنزل.
وفتاة عندها ستاشر سنة بتدخل مكان محدش كان يتخيل يشوفها فيه.
مريم قعدت على الكرسي.
قفلت الحزام.
لبست السماعة.
وحطت إيديها على رجليها عشان تمنع رعشتها.
جالها صوت برج المراقبة
اسمك؟
قالت
مريم عبد الرحمن.
سنك؟
سكتت لحظة.
ستاشر سنة.
الصمت اللي حصل بعدها كان تقيل.
خبرتك في الطيران؟
مريم ردت
تدريب محاكاة بس وإجراءات طوارئ وأنظمة Boeing.
وبعد ثواني، قالت جملة محدش توقع يسمعها من بنت في سنها
عايزة أكلم جدي.
المضيفة جريت على كرسي مريم وجابت موبايلها.
سلمى، رغم إنها كانت شبه غايبة عن الوعي، قدرت تفتح عينيها وتساعدهم يطلعوا رقم جدها.
المكالمة بدأت من شخص لشخص.
وكل ثانية كانت بتعدّي كانت الطيارة بتنزل أكتر.
الارتفاع بيقل.
والوقت بيخلص.
والناس في الكابينة بدأت تستوعب إن الموضوع مش عطل بسيط.
كان ممكن كلهم يموتوا.
وفجأة
اللاسلكي شوش.
صوت راجل دخل على الخط.
صوت هادي.
ثقيل.
وواثق.
وقال
النسر واحد اسمعيني كويس.
مريم اتجمدت مكانها.
عينها اتسعت.
بصت قدامها.
محدش في الطيارة كان فاهم.
لكن هي فهمت فورًا.
النسر واحد
ده مش اسمها.
ده الاسم الحركي اللي جدها كان بيناديها بيه وهي بتتدرب معاه.
اسم ما يعرفوش غيره هو وهي.
ولا حتى أهلها كانوا يعرفوه.
صوت جدها رجع من السماعة
مريم، ركزي معايا. متبصيش للطيارة كلها مرة واحدة. هنمشي خطوة خطوة.
مريم حاولت تاخد نفسها.
حاضر يا جدو.
اتأكدي الأول من الطيار الآلي.
مريم بدأت تنفذ.
الارتفاع؟
ثلاثة آلاف
السرعة؟
قالتها.
الاتجاه؟
قالتها.
وبعدين صوت جدها جه حازم
مريم خدي نفس.
مريم قفلت عينيها ثانية.
نَفَس طويل.
وبعدين فتحتهم.
أنا معاكي. متلمسيش أي حاجة إلا لما أقولك.
الطيارة بدأت تستجيب.
سرعة.
Flaps.
اتجاه.
نزول.
Trim.
Checklist.
كل خطوة ورا خطوة.
ورا باب الكابينة، أكتر من سبعين راكب كانوا ساكتين بشكل غريب.
حتى عربية الأكل اللي كانت واقفة في الممر كأنها سكتت معاهم.
أم كانت ماسكة إيد ابنها.
راجل كبير كان بيتمتم بدعاء.
واحد شاب كان بيبص في سقف الطيارة وهو مش قادر يصدق إن مصيرهم كله دلوقتي متعلق ببنت عندها ستاشر سنة.
جوا الكابينة، سلمى كانت بتتكلم بالعافية.
السرعة عالية شوية.
مريم عدّلت.
الطيارة بدأت تقرب من الأرض.
وبعدين ظهر المدرج.
خط أسود طويل وسط الأرض.
لكن في اللحظة دي، حصلت مشكلة جديدة.
الهواء الجانبي ضرب الطيارة.
جسم الطيارة اتحرك ناحية الشمال.
مريم حاولت تثبتها.
لكن مقدمة الطيارة بدأت تبعد عن خط المدرج.
المدرج كان بيجري قدامها بسرعة مرعبة.
سلمى همست
إحنا هنفقد الخط
مريم بصت قدامها.
إيديها عرقانة.
قلبها بيخبط.
وصوت جدها فجأة اتغير.
بقى أكثر حدة.
أقصر.
أوضح.
دلوقتي يا نسر واحد.
مريم مسكت أدوات التحكم بكل قوتها.
دلوقتي!
سحبت.
الطائرة قاومت إيديها.
المقدمة بدأت تطلع.
المدرج قرب
قرب أكتر
وأكتر
والعجلات بقت على بُعد لحظات من الأرض.
مريم سمعت صوت جدها للمرة الأخيرة
متبصيش للخوف بصي للمكان اللي عايزة توصلي له.
مريم ثبتت عينيها على المدرج.
وقبل ما العجل يلمس الأرض بثواني
سلمى لفت وشها ناحيتها.
بصت للبنت اللي كانت قاعدة مكانها.
وحاولت ترفع إيدها.
وبصوت ضعيف جدًا، بالكاد اتسمع، قالت
مريم
البنت بصت لها.
سلمى بلعت ريقها وقالت
إنتِ مش أول مرة تعملي كده صح؟
مريم اتجمدت.
لأن السؤال ما كانش عن الطيران.
كان عن حاجة أخطر بكتير
حاجة جدها أخفاها عنها سنين.
وحاجة لو اتكشفت دلوقتي
ممكن تغيّر حياة مريم للأبد.
مريم فضلت باصة لسلمى.
إنتِ مش أول مرة تعملي كده صح؟
الكلمة وقعت عليها كأنها صدمة كهربا.
أعمل إيه؟
سلمى حاولت تتكلم، لكن صوتها خرج ضعيف جدًا.
التحكم في طيارة حقيقية.
مريم ما ردتش.
مش لأنها مش