لقيت توام
لقيت توأم رُضّع في سلة قدام بابي وربيتهم 20 سنة لكن لما رجعوا بالسلة نفسها وقالوا ماما، إحنا عرفنا مين سابنا عندك وليه اختارك إنتِ اكتشفت سر قلب حياتي كلها!كنت طول عمري تقريبًا مقتنعة إني عمري ما هبقى أم. لحد ما في يوم لقيت ولدين توأم حديثي الولادة قدام باب بيتي. اتبنيتهم، وربيتهم كأنهم ولادي، وبنيت حياتي كلها عليهم.
بعد 20 سنة، رجعوا بيتي وهما شايلين نفس السلة الخوص اللي اتسابوا فيها، وقالولي
ماما في حاجة عمرنا ما حكيناها لك.
كنت عندي 31 سنة لما جوازي انتهى.
جوزي كان بقاله سنين مش قادر يتقبل حقيقة إني قصيرة القامة، وكان شايف إن ده ممكن يأثر على مستقبلنا.
وفي الآخر، خد قراره.
قال لي في ليلة
أنا عايز أخلف عايز عيلة طبيعية.
هو ما قالهاش بطريقة قاسية.
وده بطريقة ما خلّى الكلام يوجعني أكتر.
بعدها بأسابيع قليلة، ساب البيت ومشي.
عدّى شهور وأنا بعيش يوم بيوم، ومقتنعة إن الأمومة مش مكتوبالي.
لحد ما سمعت خبط على الباب.
كان الصبح بدري وأنا بعمل القهوة.
حد خبط خبطتين على باب الشقة.
فتحت الباب، ملقتش حد.
خرجت على السلم وبصيت ناحية الشارع.
مفيش حد.
وفجأة سمعت صوت صغير عند رجلي.
صوت طفل بيعيط.
جنب السلم كانت فيه سلة خوص قديمة.
جواها ولدين حديثي الولادة، ملفوفين كويس في بطانية زرقا فاتحة.
في اللحظة دي، بصراحة، افتكرت إني بحلم.
لكن واحد منهم بدأ يعيط بصوت أعلى.
مسكت موبايلي واتصلت بالشرطة.
الضباط فتشوا المنطقة.
اتواصلوا مع المستشفيات.
راجعوا بلاغات الأطفال المفقودين.
لكن محدش ظهر وقال إن الولدين دول ولاده.
دخلوا رعاية مؤقتة، والتحقيقات فضلت مستمرة.
حاولت أرجع لحياتي الطبيعية.
بس مقدرتش.
كل ليلة كنت بفكر هما بيناموا فين.
يا ترى خايفين؟
يا ترى لما بيعيطوا، حد بيشيلهم ويحاوطهم؟
في الآخر، اتصلت بالأخصائية الاجتماعية المسؤولة عن قضيتهم.
وسمحت لي إني أزورهم.
أول مرة شلت واحد منهم تاني، حاجة جوايا اتغيرت.
فضلت أزورهم.
وبعدها بقيت أساعد في إطعامهم.
حفظت مواعيد نومهم وأكلهم.
وبقيت أعرف تعبيرات وشوشهم الصغيرة من غير ما يتكلموا.
ولما إجراءات التبني بقت ممكنة، مكنش فيه أي سؤال في دماغي.
أنا كنت عايزاهم.
الإجراءات أخدت شهور.
مقابلات، ومعاينات للبيت، وأوراق، وجلسات في المحكمة.
لحد ما في يوم، القاضي وقّع آخر ورقة.
وقالت لي
مبروك من النهارده إنتِ أمهم رسمي.
عيطت قبل حتى ما أوصل لدرجات المحكمة.
سميتهم يوسف وآدم.
ومن اليوم ده، الولدين دول ادوني الحياة اللي كنت فاكرة إني مستحيل أعيشها.
كانت فيه ليالي من غير نوم.
ومطبخ كله فوضى.
وتورت أعياد ميلاد بتطلع مائلة.
ومشاريع مدرسة بتتعمل الساعة 12 بالليل.
وألعاب مكسورة.
وسخونية.
ومباريات كرة.
وأول مواعيد غرامية.
وخناقات بسبب مواعيد الرجوع للبيت.
وبعدين جه التخرج.
والجامعة.
وبعدها بقليل، بقوا شابين مسؤولين وواثقين في نفسهم.
وفي كل السنين دي، عمري ما ندمت لحظة إني بقيت أمهم.
لحد ما بعد 20 سنة من اليوم اللي لقيتهم فيه، رجعوا البيت فجأة.
كان يوم جمعة بالليل.
عملت العشا، لكن من أول ما قعدوا، حسيت إن فيه حاجة غريبة.
يوسف بالكاد لمس أكله.
وآدم كان كل شوية يبص ناحية طرقة الشقة.
كل ما أسألهم في إيه، يبصوا لبعض من غير ما يردوا.
لحد ما يوسف زق طبقه بعيد عنه وقال
ماما إحنا لازم نقولك حاجة.
قلبي انقبض.
قلت بسرعة
إنتوا في مشكلة؟
لأ.
حد فيكم تعبان؟
لأ.
فضل يفرك إيديه في بعض بتوتر.
وقال
إحنا لقينا حاجة.
قبل ما أسأله إيه، آدم قام وخرج من الأوضة.
وبعد دقيقة رجع وهو شايل حاجة كبيرة ومغطّيها ببطانية قديمة.
حطها بحرص على السفرة.
وبعدين شال البطانية.
نفسي اتقطع.
قدامي كانت فيه سلة خوص.
بطانتها الداخلية لونها بهت.
جزء من المقبض كان مكسور.
وكان فيه بقعة غامقة صغيرة في القاع.
عرفتها فورًا.
كنت أعرف كل تفصيلة فيها.
دي كانت نفس السلة اللي لقيت يوسف وآدم جواها قدام باب بيتي.
بصيت لهم وأنا مش قادرة أتكلم.
وسألت
إنتوا جبتوا السلة دي منين؟
آدم بص بعيد.
وعيون يوسف املت بالدموع.
وقال
لقيناها من كام شهر.
فين؟
سكتوا.
إيدي بدأت تترعش.
وأخيرًا يوسف مد إيده ناحيتي.
وقال
ماما قبل ما نحكيلك، لازم تفهمي حاجة.
سحبت إيدي منه.
وقلت
احكوا لي بس.
بلع ريقه وقال
إحنا بدأنا ندور على أصلنا.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
هما كانوا عارفين طول عمرهم إنهم متبنيين.
وأنا عمري ما خبيت عليهم الحقيقة.
لكن عمري ما تخيلت إن بحثهم هيكشف حاجة مرتبطة باليوم اللي لقيتهم فيه.
آدم قعد جنب أخوه وقال
إحنا لقينا شخص كان عارف موضوع السلة.
بصيت لهم وأنا بالكاد قادرة أتكلم.
مين؟
يوسف بص في عيني مباشرة، وقال بصوت واطي
ماما بالله عليكِ متكرهيش اللي إحنا خبيناه عنك.
في اللحظة دي فهمت إن الموضوع مش مجرد إنهم اكتشفوا عيلتهم الحقيقية.
هما اكتشفوا سر سبب تركهم قدام باب بيتي.
سر فضل مستخبي لمدة 20 سنة.
ولما أخيرًا قالولي مين اللي حط السلة قدام بابي وليه اختارني أنا بالذات
اكتشفت إن لقائي بيوسف وآدم ما كانش صدفة أبدًا.
حكايات_زيزي
يوسف مدّ إيده وحط قدامي ظرف بني قديم.
قال
ده أول دليل.
بصيت للظرف، لكن إيدي ما اتحركتش.
افتحيه يا ماما.
فتحت الظرف ببطء.
جواه كانت صورة قديمة جدًا.
الصورة كانت لست واقفة قدام نفس العمارة اللي كنت ساكنة فيها وقتها.
وللحظة، افتكرت إن الصورة عادية.
لكن لما قربتها من عيني، الدم اتجمد في عروقي.
الست دي كانت واقفة جنب باب شقتي.
وفي إيدها
نفس السلة.
نفس السلة اللي لقيت فيها الولدين.
رفعت عيني ناحية يوسف.
مين دي؟
قال
إحنا لسه مش متأكدين.
آدم أخرج ورقة تانية.
لكن لقينا اسمها.
قرأته بصوت منخفض.
سعاد محمود.
الاسم مرّ على أذني كأنه شيء قديم جدًا.
غمضت عيني وأنا بحاول أفتكر.
وفجأة
افتكرت.
قبل عشرين سنة، بعد ما لقيتكم بأيام قليلة، كانت فيه ست كبيرة بتبيع خضار في أول الشارع.
كانت كل ما تشوفني وأنا خارجة معاكم، تبصلي بطريقة غريبة.
وفي يوم وقفتني وقالت
خلي بالك من الولدين دول مش كل اللي بيحصل قدام عينك بيكون صدفة.
وقتها افتكرت إنها مجرد ست بتحب الكلام.
لكن دلوقتي
الكلام رجع في دماغي حرفيًا.
قلت
إنتوا قابلتوها؟
يوسف هز رأسه.
هي ماتت من سبع سنين.
سكت.
آدم قال
لكن قبل ما تموت، سابت صندوق عند واحدة قريبتها.
وصندوق إيه؟
بص يوسف لأخوه.
وبعدين قال
الصندوق كان فيه حاجة تخصنا.
بدأت أنفاسي تتسارع.
إيه؟
آدم فتح حقيبته وأخرج ملف بلاستيك شفاف.
جواه ورقة مطوية.
فتحها قدامي.
كانت شهادة ميلاد قديمة.
لكن الاسم الموجود فيها لم يكن اسمي.
ولا كان اسم الشخص اللي أنجبهم.
كان فيه اسم امرأة أخرى.
والأغرب من كده
إن خانة عنوان الأم كانت تحمل عنوان شقتي.
نفس العنوان.
نفس رقم العمارة.
نفس الدور.
بصيت للورقة وأنا مش فاهمة.
قلت
ده مستحيل.
يوسف رد
إحنا قلنا نفس الكلام.
يعني إيه؟
قال
يعني حد سجّلنا قبل ما نوصلك.
وقفت من مكاني.
إنتوا عايزين تقولوا إنكم كنتوا معروفين قبل ما تتحطوا قدام بابي؟
آدم قال
أيوه.
وليه؟
سكت.
ثم أخرج هاتفه.
عشان كده إحنا روحنا للمكان اللي كانت فيه السلة أول مرة.
اتسمرت في مكاني.
مكان إيه؟
العمارة القديمة.
قلت بسرعة
بس العمارة اتهدت من سنين!
يوسف ابتسم ابتسامة حزينة.
عارفين.
ثم قال
وعشان كده الموضوع بقى أغرب.
فتح آدم صورة على هاتفه.
كانت صورة لباب حديد صدئ.
وتحت الصورة مكتوب عنوان قديم.
العنوان كان لعمارة كنت أعرفها جيدًا.
عمارة قريبة جدًا من المكان اللي عشت فيه وأنا صغيرة.
قربت الهاتف من عيني.
وفجأة
عرفت الباب.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
قلت
إنتوا دخلتوا هناك؟
يوسف قال
دخلنا.
ولقيتوا إيه؟
بص لبعضه مع أخوه.
ثم قال
لقينا أوضة مقفولة.
وبعدين؟
فتحناها.
سكت لحظات.
وكان جواها صور.
قلبي بدأ يخبط بعنف.
صور لمين؟
يوسف قال
ليكِ.
ما قدرتش أرد.
ضحك آدم بتوتر وقال
مش صورة واحدة يا ماما.
ثم فتح معرض الصور.
كانت هناك صورة لي وأنا طفلة.
صورة قديمة جدًا.
ثم صورة أخرى لوالدي.
ثم صورة لوالدتي.
ثم صورة لبيت عائلتي القديم.
وبين الصور كلها
كانت هناك صورة للسلة.
نفسها.
لكنها كانت موجودة في الصورة قبل ما ألتقي بكم بسنوات.
حطيت إيدي على فمي.
مين كان بيصور ده كله؟
يوسف قال
ده السؤال اللي إحنا ما عرفناش إجابته.
ثم سحب من حقيبته ورقة صغيرة.
لكن لقينا اسم الشخص اللي كان محتفظ بالصور.
نظرت للورقة.
كان عليها اسم واحد.
قرأته مرة.
ومرتين.
وثلاثة.
وفجأة شعرت أنني فقدت القدرة على التنفس.
لأن الاسم
كان اسم شخص من عائلتي.
شخص كنت أعتقد أنه مات من زمن طويل.
قلت بصوت مرتجف
ده مستحيل
يوسف اقترب مني وقال
إحنا كمان قلنا كده.
الشخص ده مات.
آدم هز رأسه.
دي كانت المعلومة اللي اتقالت لنا.
يعني إيه كانت؟
سكت آدم.
ثم قال
لأننا لقيناه.
سقطت الكلمة بيننا كأنها قنبلة.
بصيت له.
لقيتوه؟
يوسف قال
أيوه يا ماما.
فين؟
لم يرد.
يوسف فين؟
اقترب مني، وأمسك إيدي.
وقال
هو اللي طلب يقابلنا.
تجمدت.
وإنتوا قابلتوه من غير ما تقولولي؟
يوسف نزل عينيه.
كنا خايفين.
من إيه؟
رفع عينيه وقال
من الحقيقة.
ثم أضاف
لأنه أول ما شافنا ما سألناش إحنا مين.
سكت لحظة.
قال لنا جملة واحدة.
شعرت بقلبي يتوقف.
قال إيه؟
يوسف بص ناحية السلة.
ثم قال
قال كنت عارف إنكم هترجعوا للسلة يومًا ما.
لم أستطع الكلام.
آدم أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا.
ووضعه على الطاولة.
وده المفتاح اللي اداهولنا.
نظرت إليه.
مفتاح إيه؟
قال
قال لنا إنك إنتِ الوحيدة اللي تقدري تفتحي الباب.
أي باب؟
يوسف قال
باب المكان اللي بدأت فيه الحكاية كلها.
وقبل ما أستوعب كلامه، رن جرس الباب.
مرة.
ثم مرة ثانية.
ثم سمعنا صوت رجل من خلف الباب يقول
أنا عارف إنكوا جوه.
تبادل يوسف وآدم النظرات.
أما أنا
فكنت واقفة في منتصف الصالة، أحدق في الباب، وأنا لأول مرة في حياتي أشعر أن اليوم الذي اعتقدت أنه كان بداية أمومتي
ربما لم يكن البداية أصلًا.
وربما الشخص الواقف خلف الباب
كان يعرف الحقيقة من أول يوم فضلنا ساكتين.
جرس الباب رن للمرة التالتة.
الرجل قال من الخارج
افتحي يا مدام أنا مش جاي أؤذي حد.
بصيت ليوسف وآدم.
يوسف قرب مني وقال
ماما، لو مش عايزة تفتحي، مش لازم.
لكن حاجة جوايا كانت بتقول إن اللحظة دي مستنياني من عشرين سنة.
مشيت ناحية الباب.
حطيت إيدي على المقبض.
وقبل ما أفتحه، سألت
مين؟
جاء الرد
اسمي فؤاد.
اتجمدت.
الاسم ده
كان مكتوب على الورقة.
فتحت الباب بحذر.
كان قدامي رجل في أواخر الستينات، شعره أبيض وملامحه مرهقة، وفي إيده ملف أسود قديم.
أول ما شافني، عينيه اتغيرت.
قال
إنتِ لسه زي ما إنتِ.
قلت
إنت تعرفني؟
ابتسم بحزن.
أنا عارفك من قبل ما تعرفي إنك هتبقي أم.
الجملة دي خلتني أتراجع خطوة.
دخل فؤاد، لكنه وقف عند الباب.
بص للسلة الموجودة على السفرة، وقال
كنت متأكد إن السلة هترجع هنا.
يوسف سأله
إنت اللي سبتنا؟
فؤاد رفع عينيه له.
لأ.
إذن مين؟
سكت.
وبعدين قال
الشخص اللي سابكم كان خايف.
قلت بعصبية
خايف من إيه؟ وليه أنا؟ ليه اتحط طفلين قدام بابي أنا؟
فؤاد فتح الملف.
وأخرج ورقة قديمة.
لأن والدتك كانت تعرف إنك هتكوني أحن شخص ممكن يستقبلهم.
اتسمرت مكاني.
أمي؟
هز رأسه.
أيوه.
ضحكت من الصدمة.
أمي ماتت قبل ما أعرف أي حاجة عن الموضوع!
قال
وعشان كده ما قدرتيش تعرفي.
بدأت أبكي.
إنت بتقول إن أمي كانت عارفة؟
رد
كانت عارفة إن فيه طفلين هيتولدوا وإن حياتهم هتكون في خطر.
يوسف اقترب منه.
خطر من مين؟
فؤاد لم يرد فورًا.
ثم قال
من عيلتهم.
ساد الصمت.
آدم قال
يعني حد من عيلتنا كان عايز يتخلص مننا؟
مش بالمعنى ده.
أمال إيه؟
فؤاد وضع الورقة على الطاولة.
كان فيه خلاف كبير على ميراث.
بصيت له باستغراب.
إيه علاقة طفلين بالميراث؟
قال
علاقة كبيرة.
ثم أخرج صورة لرجل شاب.
ووضعها أمام يوسف وآدم.
الولدان بصوا للصورة.
ثم لبعض.
وقال يوسف
ده مين؟
فؤاد رد
والدكم.
قلبي اتقبض.
والدهم؟
أيوه.
آدم أمسك الصورة.
بس إحنا ما نعرفش عنه أي حاجة.
فؤاد قال
لأنكم ما كانش المفروض تعرفوا.
سألته
هو فين؟
فؤاد سكت.
ثم قال
مش عايش.
يوسف بص للصورة طويلًا.
إمتى مات؟
بعد ولادتكم بأيام.
آدم رفع رأسه بسرعة.
إزاي؟
فؤاد قال
وده الجزء اللي محدش كان عايزكم تعرفوه.
ثم نظر لي مباشرة.
لأن موت أبوكم هو السبب الحقيقي اللي خلاكم تتسابوا قدام بابك.
قلت
بس ليه أنا؟
فؤاد فتح آخر ورقة في الملف.
كانت رسالة بخط يد أمي.
عرفت خطها فورًا.
إيدي بدأت ترتعش.
قرأتها بصوت منخفض
لو وصل اليوم اللي اضطرينا فيه نحمي الطفلين، خليهم يروحوا لها.
توقفت.
فؤاد قال
كملي.
رجعت للرسالة.
وكان السطر التالي
هي لا تعرف الحقيقة لكن قلبها هيعرف.
دموعي نزلت.
وفي آخر الرسالة كان فيه سطر واحد فقط.
ولو سألت يومًا لماذا اختارتها السلة قولوا لها إنني اخترتها قبل أن تولد.
رفعت عيني لفؤاد.
يعني إيه الكلام ده؟
فؤاد لم يجب.
يوسف قال
ماما بصي ورا الرسالة.
قلبت الورقة.
كان فيه عنوان صغير مكتوب بالقلم.
عنوان بيتنا القديم.
وتحته تاريخ.
التاريخ كان قبل ولادتي بأشهر.
شهقت.
أمي كانت بتجهز لكل ده قبل ما أنا أتجوز أصلًا.
فؤاد قال
أكتر من كده.
ثم أخرج صورة أخيرة.
صورة قديمة جدًا.
كانت لأمي وهي واقفة بجانب امرأة أخرى.
والمرأة دي كانت تحمل طفلين صغيرين.
بصيت للصورة.
ثم بصيت لفؤاد.
مين الست دي؟
قال
دي أم الطفلين.
سكت لحظة.
ثم أضاف
وهي لسه عايشة.
اتسعت عيني.
يوسف وقف فجأة.
فين؟
فؤاد رد
في مكان قريب.
آدم قال
إنت عارف مكانها؟
هز رأسه.
أيوه.
قلت
خدنا لها.
لكن فؤاد هز رأسه.
مش دلوقتي.
ليه؟
اقترب مني وقال بصوت منخفض
لأنها لو عرفت إنكم وصلتوا للحقيقة ممكن تهرب.
يوسف قال
ليه تهرب؟
فؤاد نظر إليهم.
ثم قال
لأنها هي اللي طلبت من أمك تخفيكم.
ساد الصمت.
وبينما كنت أحاول استيعاب كل شيء، رن هاتف فؤاد.
بص للشاشة.
تغير وجهه فجأة.
رد.
لم يتكلم.
فقط استمع.
ثم أغلق الهاتف.
سألته
مين؟
رفع عيني نحوي.
وقال
هي عرفت إنكم عرفتم.
ثم نظر للسلة.
وعشان كده لازم نخرج من البيت قبل ما توصل.
وفي نفس اللحظة
سمعنا صوت سيارة توقفت أمام العمارة.
ثم صوت باب سيارة اتقفل بعنف.
وبعدها مباشرة
بدأ شخص يطلع السلم.
خطوة
خطوة
خطوة
وفؤاد همس
متفتحوش الباب.
لكن الشخص وصل أمام شقتنا
وطرق ثلاث طرقات هادئة.
ثم قال بصوت امرأة
أنا جاية آخد ولادي اتجمدنا كلنا.
صوت المرأة من ورا الباب كان هادي بشكل يخوف.
أنا جاية آخد ولادي.
يوسف بص لآدم.
وآدم بص لي.
أما فؤاد فكان واقف جنب الحيطة ووشه شاحب.
قربت منه وهمست
دي أمهم؟
هز رأسه ببطء.
أيوه.
قرب يوسف من الباب وقال
إنتِ مين؟
جاء صوتها
أنا اللي كنت فاكرة إنكم ماتوا.
يوسف اتراجع خطوة.
أما أنا فحسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
قلت
لو إنتِ أمهم ليه سيبتيهم؟
الصوت من الخارج سكت فترة طويلة.
ثم قالت
لأني لو ما سيبتهمش كانوا هيموتوا.
فؤاد رفع إيده يمنعني من فتح الباب.
لكن المرأة قالت
اسألي فؤاد عن اللي حصل لوالدهم.
بصيت لفؤاد.
قلت
إنت قلت لي إنه مات.
قال
وده صحيح.
المرأة من الخارج ردت
لكنهم ما قالوش لك إزاي.
سكتنا.
ثم سمعت صوت مفتاح بيتحرك في قفل الباب.
فؤاد اتوتر.
قال بسرعة
هي معاها نسخة من المفتاح.
بصيت له.
إنت اديتها المفتاح؟
هز رأسه.
لأ.
المفتاح لف في القفل.
لكن الباب ما اتفتحش.
كنت أنا اللي قافلاه من الداخل بالمزلاج.
المرأة قالت
لو فتحتي هقول لك كل حاجة.
يوسف قال
وإحنا مش هنفتح غير لما نعرف اسمك.
جاء الرد
اسمي نادية.
آدم شهق.
نادية؟
بصيت له.
إنت تعرف الاسم ده؟
قال
ده الاسم اللي كان مكتوب في شهادة الميلاد القديمة.
قلبي دق بسرعة.
يعني المرأة اللي وراء الباب
هي فعلًا أمهم.
فتحت الباب قليلًا.
ظهرت امرأة في منتصف الخمسينات تقريبًا.
كانت ملامحها متعبة، وعينيها مليانة دموع.
أول ما شافت يوسف وآدم
وقفت مكانها.
لم تتحرك.
وكأن عشرين سنة كاملة اختفت في لحظة.
يوسف قال
إنتِ أمي؟
نادية غطت فمها بيدها.
ثم هزت رأسها.
أيوه.
آدم قال
ليه؟
لم تفهم السؤال.
قال
ليه سبتينا؟
انهارت دموعها.
أنا ما كنتش عايزة أسيبكم.
دخلت الشقة ببطء.
أنا كنت عايزة أحميكم.
قلت
تحميهم من مين؟
نادية نظرت لفؤاد.
هو عارف.
فؤاد قال
قولي لهم بنفسك.
جلست نادية على الكرسي.
ثم قالت
أبوكم قبل ما يموت اكتشف إن فيه حد من العيلة بيحاول يستولي على كل حاجة.
يوسف سأل
يعني إيه كل حاجة؟
أرض وبيت وحسابات.
آدم قال
وإحنا كنا جزء من الخطة؟
نادية هزت رأسها.
وجودكم كان هيغير كل شيء.
قلت
لكن ده مش سبب يخلي أطفال يتسابوا.
نادية بصت لي.
أنا كنت محتاجة حد أثق فيه.
ثم أشارت لي.
وأمك قالت لي إنك إنتِ الشخص الوحيد.
اتسمرت.
أمي؟
أيوه.
كانت تعرفك؟
قالت
كانت تعرفني قبل ما تتجوزي.
ثم فتحت حقيبتها وأخرجت صورة.
كانت صورة لأمي ونادية معًا.
لكن هذه المرة
كان فيه شخص ثالث في الصورة.
رجل شاب.
نظرت للصورة جيدًا.
وشعرت أن قلبي توقف.
قلت
ده
نادية أكملت
أبوك.
رفعت عيني إليها.
أبويا؟
هزت رأسها.
أيوه.
الصورة كانت تجمع أبي، وأمي، ونادية.
لكن التاريخ المكتوب خلفها كان قبل زواج أبي وأمي.
بدأت أشعر بدوار.
أنا مش فاهمة.
نادية قالت
وعشان تفهمي لازم تعرفي حاجة محدش قالها لك.
ثم