رواية كاملة
ارتطام قوي من فوقنا.
ثم صوت أكثر من شخص يقتحمون البيت.
والأم أمسكت بيدي وقالت
لو عايزة تخرجي من هنا عايشة لازم تثقي فيا.
لكن قبل أن تتحرك، انطفأت أنوار القبو.
وفي الظلام
سمعت صوت شخص يهمس بجوار أذني
متصدقيش أي حد هنا تجمدت في مكاني.
الصوت كان قريبًا جدًا من أذني.
لكن في الظلام، ماقدرتش أعرف مين اللي قال الجملة.
أم الطفلين كانت ماسكة إيدي من ناحية.
والرجل الغريب واقف قدامي.
وأبي كان بجوار الباب.
وفجأة سمعت صوت ارتطام فوقنا، وبعده صوت زجاج بيتكسر.
ثم صرخ أحدهم
فتشوا البيت كله!
بدأت خطوات تنزل السلم.
واحدة
اثنتين
ثلاثة
الرجل الغريب أشار لنا ناحية جدار في آخر القبو.
ضغط على حجر صغير.
وفجأة تحرك جزء من الحائط، وظهر ممر ضيق.
قال
من هنا!
دخلت بسرعة، لكن قبل ما أدخل، سمعت أبي يقول
خدي الملف.
أمسكته.
ثم نظر إليّ نظرة غريبة وقال
ومتبصيش جواه إلا لما تبقي في مكان آمن.
دخلنا الممر.
وفي اللحظة التي أغلق فيها الرجل الغريب الباب السري، سمعنا أصوات أشخاص دخلوا القبو.
فتشوا الصناديق!
دوروا على البنت!
قلبي كان بيخبط بعنف.
مشينا في الظلام لمسافة طويلة، لحد ما خرجنا من فتحة خلف البيت رقم 17.
كنت فاكرة إننا هنكون بأمان.
لكن أول ما خرجت
لقيت عربية واقفة في الناحية المقابلة.
الباب الخلفي اتفتح.
والشخص اللي نزل منها كان آخر شخص توقعت أشوفه.
أخي.
أخي الذي كنت أظن أنه مسافر منذ أسبوعين.
وقف أمامي، وبص للملف اللي في إيدي.
ثم قال
إنتِ فتحتيه؟
قلت
إنت عارف؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
أنا اللي كنت ببعت لك الرسائل.
اتراجعت خطوة.
أم الطفلين قالت بسرعة
ما تسمعيش كلامه.
أخي بص لها وقال
لسه بتكملي الكذبة؟
ثم أخرج هاتفه.
فتح صورة.
كانت صورة لي وأنا طفلة.
لكن خلفي كان واقف رجل لم أعرفه.
قال أخي
ده أبوكي الحقيقي.
اقتربت من الهاتف.
وفي اللحظة التي رأيت فيها وجه الرجل
شعرت بدوار شديد.
لأني كنت قد رأيت هذا الوجه من قبل.
ليس في صورة قديمة.
ولا في حلم.
بل في صورة معلقة في بيتنا طوال سنوات.
صورة كنت أظن أنها لرجل غريب من أقارب أبي.
قلت بصوت مرتجف
مين ده؟
أخي لم يرد.
فتح الملف الأسود الذي كنت أحمله.
وقال
إنتِ لازم تعرفي ليه كل الناس دي كانوا بيخفوا الحقيقة عنك.
فتح أول ورقة.
كانت شهادة ميلاد.
لكن الاسم الموجود فيها لم يكن اسمي.
كان اسمًا آخر تمامًا.
وتحت خانة الأب
كان اسم الرجل الموجود في الصورة.
أما خانة الأم
فكانت فارغة.
قلت
فين اسم أمي؟
أخي قلب الورقة.
وكان هناك ختم أحمر كبير.
مفقودة.
بدأت أقرأ السطور التالية.
وفي آخر الصفحة، كان هناك عنوان واحد
مستشفى الرحمة قسم الأطفال.
رفعت رأسي.
سألت
إيه علاقة المستشفى؟
أخي بص ناحية أم الطفلين.
ثم قال
لأنك ما اتخطفتِش من أهلك.
سكت لحظة.
إنتِ اتبدلتي بطفلة تانية.
شعرت أن الدنيا كلها تدور حولي.
قلت
طفلة تانية؟
هز رأسه.
والطفلة دي
توقف.
ثم أشار إلى البنت الصغيرة الواقفة بجوار أمها.
هي بنتك.
صرخت
إيه؟!
البنت نفسها بدأت تبكي.
لكن أخي أكمل
وإنتِ مش أختي.
ساد الصمت.
ثم قال الجملة التي حطمت كل شيء
أنا أخو الطفلة اللي اتبدلت بيكي.
وفجأة، سمعنا صوت سيارات تقترب من آخر الشارع.
الرجل الغريب رفع رأسه وقال
لازم نمشي فورًا.
لكن أم الطفلين رفضت.
قالت
مش قبل ما تعرف.
نظرت إليها.
سألتها
أعرف إيه؟
أخرجت شيئًا صغيرًا من جيبها.
سوارًا فضيًا للأطفال.
وضعته في كفي.
كان محفورًا عليه تاريخ ميلادي.
وتحت التاريخ
ثلاث كلمات فقط
الطفلة لم تمت.
رفعت عيني إليها.
مين الطفلة؟
وقبل ما تجاوب
وصلت سيارة سوداء أمامنا.
ونزل منها رجل مسن.
أول ما شافني، توقف مكانه.
ثم وضع يده على صدره، وكأنه رأى شبحًا.
وقال بصوت مرتجف
مستحيل
اقترب مني خطوة.
ثم قال
أنا كنت موجود يوم تبديل الأطفال.
وسكت لحظة.
وأنا الوحيد اللي يعرف مين كانت أمك الحقيقية.
لكن قبل أن يكمل
دوّى صوت طلقة في الهواء.
وسقط الملف من إيدي.
وعندما انحنيت لألتقطه
وجدت ورقة واحدة قد سقطت منه.
كانت تحمل اسمًا واحدًا.
اسم المرأة التي كنت أظن أنها أمي ثبتُّ عيني على الاسم المكتوب في الورقة.
نادية محمود.
اسم أمي.
أو بالأصح المرأة التي ربتني طوال حياتي.
رفعت رأسي ناحية الرجل العجوز.
قلت بصوت مخنوق
دي أمي.
هز رأسه ببطء.
كانت بتشتغل في المستشفى وقتها.
كانت ممرضة؟
أيوه.
سكت قليلًا، ثم قال
لكنها ما كانتش هي اللي بدلت الأطفال.
شعرت بصدمة جديدة.
أمال مين؟
قبل أن يرد، سمعنا صوت حركة خلفنا.
أخي أمسك بذراعي وقال
لازم نمشي.
لكنني نزعت يدي منه.
مش هتحرك خطوة قبل ما أفهم.
الرجل العجوز نظر حوله بخوف.
لو فضلنا هنا، مش هتسمعي الحقيقة كلها.
ثم أشار إلى سيارة قديمة كانت متوقفة بعيدًا.
ركبنا جميعًا.
طوال الطريق، لم يتكلم أحد.
كنت ممسكة بالسوار والورقة في إيدي.
وعقلي لا يتوقف عن الأسئلة.
من أمي الحقيقية؟
من هي الطفلة التي تم تبديلها؟
ولماذا كان بيت رقم 17 مرتبطًا بكل هذا؟
بعد حوالي عشرين دقيقة، توقفت السيارة أمام مبنى قديم مهجور.
نزل الرجل العجوز وقال
هنا بدأت الحكاية.
دخلنا إلى غرفة صغيرة في الطابق الأرضي.
أخرج مفتاحًا من جيبه، وفتح خزانة حديدية قديمة.
من داخلها أخرج ملفًا ضخمًا.
وضعه أمامي.
ده سجل المستشفى الأصلي.
فتح الصفحة الأولى.
كان هناك تاريخ ميلادي.
وتحته اسم طفلة.
طفلة رقم 31.
قلب الصفحة.
ثم قال
في نفس اليوم، اتولدت طفلة تانية.
توقفت أنفاسي.
مين؟
أشار إلى السطر التالي.
كان الاسم مشطوبًا بقوة.
لكن تحته كان هناك رقم ملف.
32.
قال
الطفلتان اتولدوا في نفس الساعة تقريبًا.
سألته
وإيه اللي حصل؟
نظر إليّ طويلًا.
حصلت كارثة.
ثم أخرج صورة قديمة من الملف.
كانت صورة لامرأتين داخل المستشفى.
إحداهما كانت أمي التي ربتني.
والمرأة الثانية
لم أعرفها.
لكن أخي بمجرد أن رآها، شهق.
دي
بصيت له.
إنت تعرفها؟
هز رأسه ببطء.
دي أمي.
تجمدت.
أمك؟
أشار إلى المرأة في الصورة.
أيوه.
ثم نظر إليّ.
وده معناه إننا مش إخوات لكننا كنا مرتبطين من أول يوم في حياتنا.
الرجل العجوز تدخل
لا.
سكت الجميع.
ثم قال
إنتوا مرتبطين بأكتر من كده.
فتح صفحة أخيرة في الملف.
كانت فيها ملاحظات بخط اليد.
قرأت أول سطر
الطفلة رقم 31 لا تنتمي إلى العائلة المسجلة.
ثم السطر الثاني
الطفلة رقم 32 تم تسجيلها تحت اسم مختلف.
ثم في أسفل الصفحة
التبديل كان متعمدًا.
حسيت ببرودة تسري في جسمي.
قلت
مين اللي عمل كده؟
الرجل العجوز لم يرد.
فصرخت
مين؟!
رفع عينيه وقال
والدك الحقيقي.
سكت لحظة.
ثم أضاف
هو اللي طلب تبديل الطفلتين.
لم أفهم.
ليه أب يعمل كده؟
نظر إليّ بحزن.
لأن الطفلة اللي كانت مفروض تكون ابنته كانت مهددة.
مهددة من مين؟
قبل ما يجاوب، سمعنا صوت باب المبنى بيتفتح.
كلنا سكتنا.
خطوات بدأت تقترب من الممر.
أخي أطفأ النور.
الرجل العجوز همس
حد لحقنا.
الخطوات اقتربت.
ثم توقف الشخص أمام الغرفة.
مقبض الباب بدأ يتحرك.
وفجأة
دخلت امرأة.
كانت ترتدي معطفًا أسود.
رفعت وجهها نحونا.
وأول ما شافتني
انهارت دموعها.
قالت
سامحوني.
ثم نظرت إليّ مباشرة وقالت
أنا أمك الحقيقية أكيد، دي النهاية
وقفت المرأة أمامي وهي تبكي.
كنت أبص لوشها، أحاول ألاقي أي ملامح أعرفها.
لكن رغم مرور ثلاثين سنة، كان فيه شيء غريب في عينيها.
شيء جعل قلبي يصدقها قبل عقلي.
قلت
إنتِ أمي؟
هزت رأسها.
أيوه.
ثم بدأت تحكي.
في يوم ولادتي، اكتشفت أن زوجها كان متورطًا مع مجموعة بتخفي مستندات وأموال مسروقة داخل البيت رقم 17. وعندما حاولت تهدد بكشف الحقيقة، هددوها بقتل طفلتها.
كان والدِي الحقيقي يعرف أن الخطر اقترب مني.
فطلب من الممرضة نادية أن تبدل سجلاتي، وتخرجني من المستشفى باسم عائلة أخرى.
لكن الخطة انقلبت إلى كارثة.
والدِي قُتل بعد أيام.
وأمي اختفت، بعدما أجبرها رجال المجموعة على الهرب.
أما نادية، فاختارت تربيتي وكأنني ابنتها حتى لا يصلوا إليّ.
وعندما كبرت، ظلوا يراقبونني.
أما أطفال الجيران
فلم يكونوا ينظفون الشارع فعلًا.
كان والدهم يجبرهم على جمع الأشياء الصغيرة التي كان رجال المجموعة يتركونها في الشوارع، ثم إخفائها في أماكن محددة.
لكن في السنوات الأخيرة، بدأ الطفلان يفهمان أن ما يحدث خطير.
فبدلًا من تنفيذ الأوامر، بدأوا يتركون لي إشارات.
وكان المفتاح أول إشارة حقيقية.
سألت أمي
طيب ليه أنا؟ ليه كل ده حصل بسببي؟
بكت وقالت
لأن أبوكي الحقيقي خبّى الدليل الوحيد اللي يقدر يوقعهم.
رفعت عيني.
فين الدليل؟
أشارت إلى الملف.
فتحت آخر صفحة.
كان فيها رسم للشارع كله.
وتحت كل بيت علامة.
أما بيتنا
فكان تحته رقم واحد
17.
فهمت فجأة.
كل شيء كان تحت الشارع.
الملفات،