رواية كاملة

لمحة نيوز


أخرى.
رقم مجهول.
المرة دي ماكانتش رسالة.
كان اتصالًا.
رديت وأنا بحبس أنفاسي.
ماحدش اتكلم.
سمعت فقط صوت نفس متقطع.
ثم جاءني صوت امرأة هامس
لو عايزة تعرفي الحقيقة افتحي البيت رقم 17 قبلهم.
وقبل ما ألحق أسألها مين هي
الخط اتقفل.
وبصيت من الشباك مرة تانية.
الرجل الغريب كان واقف في منتصف الشارع.
وبيبتسم ناحيتي.
كأنه كان عارف إني سمعت كل كلمة ماقدرتش أتحرك من مكاني.
فضلت واقفة ورا الستارة، أحاول أقنع نفسي إن الرجل الغريب مش بيبص عليّا أنا تحديدًا.
لكن عينيه كانت ثابتة على شباكي.
ثواني
وبعدين رفع إيده.
وأشار بإصبعه ناحية الباب.
باب بيتي.
تراجعت فورًا.
وقتها سمعت صوت خبط شديد على الباب الخارجي.
مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
وبعدين صوت والد الطفلين من الخارج
ممكن نتكلم؟
ما رديتش.
قال بصوت أهدى
أنا عارف إنك لقيتي المفتاح.
جسمي كله اتشد.
إزاي عرف؟
وقبل ما أقرر أفتح أو أتصل بالشرطة، سمعت صوت ابنه من آخر الشارع
بابا!
الرجل اتلفت بسرعة.
الولد كان واقف بعيد، وأخته ماسكة إيده.
قال الولد بصوت مرتجف
هي ما تعرفش حاجة.
الأب صرخ
ادخلوا البيت!
لكن البنت ما تحركتش.
بصت ناحيتي، وبعدين قالت
هي لازم تعرف.
والدها اندفع ناحيتهم.
في اللحظة دي، أنا أخدت قرارًا.
لو فضلت في البيت، هافضل مجرد شخص بيراقب من الشباك.
لكن لو رحت البيت رقم 17
يمكن أفهم كل اللي بيحصل.
لبست جاكيت بسرعة، وحطيت المفتاح والورقة في جيبي، وخرجت من الباب الخلفي.
مشيت من الناحية التانية للشارع عشان محدش يشوفني.
وصلت للبيت رقم 17.
كان شكله أسوأ مما توقعت.
باب خشبي قديم، شبابيك مكسورة، وسور مغطى بالنباتات.
طلعت المفتاح.
إيدي كانت بتترعش.
دخلته في القفل.
الغريب إنه دخل بسهولة.
لفيته
تك.
الباب اتفتح.
دخلت.
كانت رائحة المكان خانقة، كأن البيت مقفول من سنين.
لكن على الأرض كان فيه شيء غريب.
آثار أقدام حديثة.
كتيرة.
اتجهت ناحية ممر ضيق في آخر البيت.
مشيت ببطء.
وفجأة سمعت صوت حركة فوقي.
رفعت رأسي.
السلم.
حد كان نازل.
اختبأت بسرعة خلف باب غرفة مفتوح.
سمعت خطوات.
خطوة
خطوة
خطوة
ثم توقف الشخص أمام الغرفة اللي أنا مستخبية فيها.
حبست نفسي.
مقبض الباب اتحرك.
لكن قبل ما الباب يتفتح
سمعت صوت البنت الصغيرة من الخارج
هي جوه.
اتجمدت.
الصمت استمر ثانيتين.
ثم جاء صوت والدها
أنتِ بتعملي إيه هنا؟!
بعدها سمعت صوت الرجل الغريب
سيبها.
ثم صوت آخر، امرأة.
نفس الصوت اللي اتصل بيا.
قالت
خلاص الوقت انتهى.
فتحت عيني على آخرهما.
لأنني عرفت صوتها.
كانت أم الطفلين.
وفجأة اتفتح الباب.
لكنها لم تدخل.
وقفت أمامي وهي تبكي.
وقالت
أنا آسفة بس لازم تشوفي اللي تحت.
وأشارت إلى أرضية الغرفة.
رفعت سجادة قديمة كانت موجودة تحت قدمي.
وكان تحتها باب صغير مخفي.
أخرجت المفتاح من جيبي.
نظرت إليّ وقالت
ده المفتاح اللي كانوا مستنيينه من سنين.
نزلت عيني على الباب.
وقبل ما أحطه في القفل، سألتها
إيه اللي تحت؟
وشها شحب.
وقالت
الحقيقة اللي بسببها ولادي بينضفوا الشارع كل يوم أحد.
ثم أضافت بصوت مكسور
ولو فتحنا الباب مفيش رجوع فضلت باصة للباب الصغير وأنا مش عارفة أقرر.
لكن في النهاية، ركعت قدامه.
دخلت المفتاح في القفل.
أم الطفلين كانت واقفة ورايا، ووالدهم والرجل الغريب واقفين عند باب الغرفة.
لفيت المفتاح.
تك.
انفتح الباب.
طلعت ريحة تراب ورطوبة، ونزلنا سلم ضيق تحت الأرض.
كل درجة كنت بنزلها كانت بتخليني أحس إننا داخلين على سر أكبر مما كنت متخيلة.
وصلنا لقبو واسع.
وفي أول لحظة، ما شفتش غير رفوف خشبية.
وعشرات الصناديق.
كل صندوق عليه رقم.
15.
16.
17.
وبعدين أرقام باقي بيوت الشارع.
قربت من صندوق رقم 15.
ده رقم بيتي.
مديت إيدي ناحيته، لكن أم الطفلين أمسكت إيدي.
قالت
استني.
فتحت صندوقًا آخر.
كان عليه اسم شخص من سكان الشارع.
جواه صور.
صور قديمة للشارع.
صور للبيوت.
صور لأصحاب البيوت.
وصور لأطفال.
سألتها
إنتوا بتراقبوا الناس؟
هزت رأسها وهي بتبكي.
مش إحنا.
ثم أشارت إلى زوجها.
هو.
زوجها انفعل
اسكتي!
لكن الرجل الغريب تدخل لأول مرة وقال
خلاص يا سامح. هي عرفت.
سامح؟
بصيت لوالد الطفلين.
كنت عايشة جنبهم بقالى شهور، لكن دي كانت أول مرة أعرف اسمه.
ثم اقتربت من صندوق بيتي.
قالت الأم
افتحيه.
فتحته.
ولقيت بداخله ظرفًا بنيًا.
طلعته.
كان مكتوب عليه تاريخ قديم جدًا.
منذ سبعة عشر عامًا.
فتحته.
وفي داخله صورة لطفلة صغيرة.
فضلت أبص للصورة.
الطفلة كانت واقفة أمام البيت رقم 17.
وفي ظهر الصورة جملة واحدة
لا تسمحوا لها أن تعرف الحقيقة قبل عيد ميلادها الثلاثين.
رفعت رأسي ببطء.
قلت
مين دي؟
الأم بدأت تبكي.
الرجل الغريب قرب مني.
وقال
إنتِ.
حسيت إن الأرض بتتحرك تحتي.
أنا؟
هز رأسه.
إنتِ اتولدتي هنا.
ضحكت من الصدمة.
مستحيل.
قال
أبوك وأمك الحقيقيين كانوا ساكنين في البيت رقم 17.
بصيت لأم الطفلين.
كانت منهارة.
ثم قالت
وأنا كنت شاهدة على اللي حصل.
سألتها
إيه اللي حصل؟
قبل ما ترد، سمعنا صوتًا قويًا فوقنا.
باب البيت اتقفل.
وبعده مباشرة
صوت خطوات نازلة على السلم.
الرجل الغريب رفع إصبعه على فمه.
حد جه.
الخطوات قربت.
خطوة
خطوة
خطوة
ثم توقف الشخص فوق الباب.
وفجأة سمعنا صوت رجل يقول
سامح أنا عارف إن المفتاح اتفتح.
والد الطفلين اتجمد.
أما أم الطفلين فمسكت إيدي بقوة وهمست
ده الشخص الوحيد اللي كنا بنحاول نهرب منه.
ثم جاء صوت المفتاح وهو بيدخل في باب القبو.
والأغرب
إن الصوت كان مألوفًا جدًا بالنسبة لي.
لدرجة إنني شعرت بقلبي بيقع من مكانه.
لأنني كنت أعرف صاحب الصوت.
كان الشخص اللي ربيته طول عمري على إنه أبي ما إن سمعت صوته حتى شعرت أن رجليّ لم تعودا تحملانني.
أبي.
الشخص الذي عشت معه ثلاثين سنة.
الشخص الذي كنت أظن أنه أكثر إنسان يعرفني في الدنيا.
كان واقفًا فوقنا.
لكن السؤال الذي كان يقتلني
إيه اللي جابه هنا؟
بصيت للرجل الغريب، فوجدته يشير لنا جميعًا أن نسكت.
مقبض باب القبو اتحرك.
مرة.
ثم مرة أخرى.
لكن الباب لم يفتح.
صوت أبي جاء من الخارج
أنا عارف إنك هنا.
كنت متأكدة أنه يقصدني.
ثم قال
لو فتحتي الباب يا بنتي هتعرفي حاجات كان لازم تفضلي جاهلاها.
اتنفض جسمي.
صرخت من مكاني
إنت عارف إني هنا؟
سكت.
ثم رد بهدوء غريب
أنا اللي خليت المفتاح يوصل لك.
الكل اتجمد.
بصيت للرجل الغريب.
وبعدين للأم.
وبعدين للطفلين.
ولا واحد فيهم كان مستوعب.
صرخت
ليه؟!
جاء صوته من خلف الباب
لأن الوقت خلص.
ثم ساد صمت طويل.
وأخيرًا، فتح الرجل الغريب الباب من الداخل.
دخل أبي.
لكن ملامحه كانت مختلفة.
لم أرَ الخوف في عينيه.
بل رأيت شيئًا أسوأ.
الاستسلام.
اقترب مني ببطء.
وقال
أنا مش أبوكي الحقيقي.
حسيت كأن أحدهم ضربني على رأسي.
تراجعت للخلف.
إنت بتقول إيه؟
قال
أنا ربيتك لكني مش أبوكي.
أم الطفلين غطت وجهها بيديها.
أما والد الطفلين فكان ينظر للأرض.
صرخت
وأبويا الحقيقي فين؟
أبي القديم لم يجب.
الرجل الغريب هو الذي تكلم
مات.
سألت بصوت مكسور
إمتى؟
قال
من سبعة وعشرين سنة.
سكت لحظة، ثم أضاف
لكن موتُه مش هو السر.
اقترب من أحد الصناديق.
فتح صندوقًا لم أرَه من قبل.
كان بداخله جهاز تسجيل قديم.
ضغط على زر التشغيل.
في البداية سمعت تشويشًا.
ثم جاء صوت رجل.
صوت متعب، لكنه واضح.
قال
لو التسجيل ده وصل لبنتي يبقى أنا فشلت.
اتسعت عيناي.
اقتربت من الجهاز.
كان صوت أبي الحقيقي.
يا بنتي لو سمعتي الكلام ده، اعرفي إن أمك ما ماتتش.
توقفت أنفاسي.
بصيت للجميع.
ثم عاد الصوت
هي عايشة.
صرخت
فين؟!
لكن التسجيل استمر.
وهي أقرب شخص ليكي مما تتخيلي.
انقطع التسجيل فجأة.
رفعت رأسي.
نظرت إلى أم الطفلين.
كانت تبكي بشدة.
لكنها لم تكن تنظر إليّ.
كانت تنظر إلى ابنتها الصغيرة.
الطفلة كانت واقفة في زاوية القبو، ودموعها نازلة على خدها.
ثم قالت جملة واحدة جعلت الجميع يصمت
ماما كفاية كذب.
الأم رفعت عينيها نحوها.
والطفلة اقتربت مني ببطء.
ثم أخرجت من جيبها صورة قديمة.
وضعتها في يدي.
نظرت إليها.
وفي الصورة كانت هناك امرأة شابة تحمل طفلة رضيعة.
المرأة كانت أم الطفلين.
أما الطفلة التي بين ذراعيها
فكانت أنا.
وقبل ما أقدر أتكلم، قالت الطفلة
دي مش أول مرة ماما تنقذك.
هي بتنقذك من يوم ما كنتِ طفلة.
ثم نظرت ناحية والدها وقالت
بس المرة دي هو عرف مكانك.
في اللحظة نفسها، سمعنا صوت سيارة تتوقف خارج البيت.
الرجل الغريب نظر لأبي.
وأبي قال
وصلوا.
سألت وأنا مرعوبة
مين؟
فتح أبي صندوقًا أخيرًا.
وأخرج منه ملفًا أسود.
وضعه أمامي.
وقال
الناس اللي كانوا بيخلّوا ولاد الجيران ينضفوا الشارع كل يوم أحد عشان يخفوا آثار حاجة مدفونة تحت بيوتكم.
ثم نظر في عيني مباشرة
وإنتِ آخر واحدة فاضل تعرف الحقيقة.
وفجأة
جاء صوت
 

تم نسخ الرابط