رواية كاملة
ولاد الجيران كانوا بينضفوا شارعنا كل يوم حد لحد ما شفت هما بيخبّوا إيه، والدم جمد في عروقي
بقالهم شهور، وأنا فاكرة إن الطفلين اللي ساكنين جنبي يمكن يكونوا أكتر طفلين مسؤولين في الشارع كله.
كل يوم حد الصبح، تقريبًا في نفس المعاد، كان الولد وأخته بيطلعوا من بيتهم وهما شايلين كيس زبالة أسود كبير بينهم.
يمشوا بالراحة على الرصيف، ويقفوا جنب صناديق البريد، ومداخل البيوت، والسياجات، وأحواض الزرع، ويلَمّوا أي زبالة مرمية في الطريق.
علب فاضية.
أغلفة حلويات.
زجاجات بلاستيك.
قصاصات ورق صغيرة.
ولا مرة سمعتهم بيشتكوا.
ولا مرة طلبوا فلوس من حد.
كانوا ببساطة بينضفوا الشارع ويرجعوا بيتهم في هدوء بعد ما يخلصوا.
بصراحة، كنت معجبة بيهم جدًا.
معظم الأطفال في سنهم كانوا يفضلوا يناموا لحد الضهر أو يفضلوا ماسكين الموبايل طول اليوم، لكن الاتنين دول كانوا باين عليهم فعلًا إنهم مصممين يخلو الشارع نضيف.
وفي يوم، قابلت أمهم وهي بتجيب الجواب من صندوق البريد، فقلت لها
إنتِ ربيتي ولادك تربية جميلة جدًا أكيد فخورة بيهم.
لسبب مش فاهمته وقتها، ملامحها اتغيرت فجأة.
ابتسمت ابتسامة متوترة وقالت
آه ربنا يخليهم.
وبعدين غيرت الموضوع بسرعة.
وقتها افتكرت إنها بس مكسوفة من المدح.
دلوقتي بتمنى لو كنت ركزت أكتر في رد فعلها.
الأحد اللي فات، الجو كان جميل جدًا، فقررت أقعد أشرب قهوتي على البلكونة.
بعد كام دقيقة، شفت الولدين بيظهروا في آخر الشارع، وشايلين كيس الزبالة الأسود المعتاد.
كل حاجة كانت طبيعية.
لمّوا علبة صودا فاضية جنب الرصيف.
جمعوا شوية أغلفة مرمية قدام بيت واحد من الجيران.
وقفوا شوية جنب سور نباتات مزروع.
وبعدين بدأوا يقربوا من بيتي.
ساعتها حاجة لفتت نظري.
الولد الصغير بدأ يبص وراه.
مرة.
وبعدين مرة تانية.
وبعدين مرة تالتة.
أخته تقدمت خطوة قدامه، ووقفت بينه وبين الشارع، كأنها بتحاول تتأكد إن محدش شايف هو بيعمل إيه.
أنا بطلت أشرب القهوة.
الولد نزل على الأرض جنب الشجيرة الكبيرة اللي موجودة تحت شباك أوضة المعيشة بتاعتي.
زق شوية ورق شجر بإيده.
وبعدين مد إيده في جيب الجاكيت بتاعه.
لكن بدل ما يلم زبالة
حط حاجة تحت الشجيرة.
وبعناية شديدة.
أخته همست له بحاجة.
الولد وقف بسرعة.
والاتنين مشيوا بعيد عن المكان.
والأغرب من كده إنهم عدّوا جنب كذا قطعة زبالة حقيقية كانت مرمية قدام مدخل بيتي
وملمسوش أي واحدة منها.
فضلت قاعدة مكاني من غير ما أتحرك.
براقبهم.
وبستنى.
ولا واحد فيهم بص وراه غير لما وصلوا آخر الشارع واختفوا عند الناصية.
الحاجة اللي سابوها تحت شباك أوضتي كانت صغيرة.
لكن كنت متأكدة من حاجة واحدة.
دي مش زبالة.
أول ما اختفوا، حطيت فنجان القهوة على الترابيزة ونزلت ناحية الشجيرة.
نزلت على ركبتي وزقيت ورق الشجر بعيد.
وفجأة صوابعي لمست حاجة ملفوفة في كيس بلاستيك شفاف.
سحبتها من مكانها.
وأول ما شفت اللي جواه
معدتي اتقلبت، والدم جمد في عروقي.
لأن ولاد الجيران ماكانوش بيقضوا كل يوم حد في تنظيف الشارع وبس.
كانوا بيعملوا حاجة تانية تمامًا وحاجة أنا ماكنتش مستعدة أكتشفها أبدًا.
حكايات_زيزي
رفعت الحاجة الملفوفة بإيدي وأنا حاسة إن صوابعي بتترعش.
في البداية، ماقدرتش أفهم هي إيه.
كانت قطعة قماش صغيرة، متسخة بالتراب، ومربوطة بخيط رفيع.
لكن تحت القماش كان فيه جسم صلب.
فتحت طرف الكيس بحذر شديد
ولما شفت اللي جواه، حسيت إن نفسي اتقطع.
كان مفتاحًا معدنيًا قديمًا.
مفتاح صغير، عليه علامة محفورة بشكل غريب.
لكن ده ماكانش أكتر حاجة خوفتني.
جنب المفتاح كان فيه ورقة مطوية أربع مرات.
فتحتها ببطء.
كانت مكتوبة بقلم رصاص، بخط طفل.
وفي أول سطر كان مكتوب
لو لقيتِ دي ماتدخليش البيت.
وقفت مكاني.
بصيت ناحية بيتي.
وبعدين بصيت ناحية بيت الجيران.
الشارع كان هادي بشكل مرعب.
حاولت أقنع نفسي إن الأطفال يمكن بيعملوا لعبة سخيفة، أو بيخفوا حاجات لبعض.
لكن قبل ما أطوي الورقة، لاحظت إن فيه سطر تاني مكتوب تحت التحذير.
قرأته مرة.
وبعدين مرة تانية.
وكان مكتوب
هو عارف إنك بتراقبينا.
اتجمدت.
رفعت عيني ناحية شباك بيتهم.
الستارة كانت مقفولة.
لكن كان واضح جدًا إن فيه ظل شخص واقف وراها.
حد كان بيراقبني.
رجعت خطوة لورا.
وفي نفس اللحظة
سمعت صوت باب بيتهم بيتفتح.
قلبي خبط في صدري.
حطيت الورقة والمفتاح بسرعة في جيبي، وقمت من جنب الشجيرة.
دخلت بيتي وقفلت الباب ورايا.
بعد ثواني، سمعت خطوات بتقرب من سور بيتي.
وبعدين سمعت صوت طفل.
كان صوت البنت.
قالت بصوت منخفض
قلت لك ماكانش لازم تسيبها هنا.
ورد عليها أخوها
ماكنتش عارف إنها هتلاقيها.
سكتوا لحظات.
ثم قالت البنت
دلوقتي هي عرفت.
جسمي كله اقشعر.
وبعدها سمعت صوت رجل بالغ من بعيد
عرفت إيه؟
سكت الطفلان تمامًا.
أنا قربت من الشباك من غير ما أعمل أي صوت.
ومن بين فتحة صغيرة في الستارة، شفت الرجل واقف قدامهما.
كان والدهم.
لكن الغريب
إنه كان ماسك نفس الكيس الأسود اللي كنت بشوف الولدين بيشيلوه كل يوم أحد.
فتح الكيس.
وأخرج منه شيئًا جعل الدم يهرب من وجهي.
كان فيه عشرات الأكياس الصغيرة الشفافة
وكل واحد منها كان عليه اسم مكتوب بخط واضح.
أسماء سكان الشارع.
واحد.
وراء التاني.
وبين الأسماء
شفت اسمي أنا.
وقبل ما أقدر أستوعب اللي شوفته، رفع الرجل رأسه فجأة ناحية شباكي.
وكأنه كان عارف بالضبط إني واقفة وراه.
ثم ابتسم.
وفي اللحظة دي
وصلتني رسالة على هاتفي من رقم مجهول.
فتحتها وأنا بالكاد قادرة أتنفس.
وكانت الرسالة عبارة عن خمس كلمات فقط
المفتاح اللي معاكي مش ليكي فضلت باصة للرسالة وأنا مش قادرة أستوعب.
المفتاح اللي معاكي مش ليكي.
مين بعت الرسالة؟
وإزاي عرف إن المفتاح معايا أصلًا؟
رفعت عيني ناحية الشباك مرة تانية.
الرجل اختفى.
والطفلين كمان.
الشارع رجع هادي كأن مفيش أي حاجة حصلت.
لكن أنا كنت متأكدة إن الهدوء ده مش طبيعي.
جريت على باب البيت وقفلت المزلاج.
وبعدين طلعت المفتاح من جيبي وحطيته على ترابيزة السفرة.
فضلت أبص له من بعيد.
كان مفتاحًا عاديًا تقريبًا، لكن العلامة المحفورة عليه كانت غريبة جدًا.
أخذت الورقة وفتحتها مرة أخرى.
في ظهرها كان فيه شيء ماخدتش بالي منه قبل كده.
رقم.
17
وتحته جملة صغيرة
اسألي عن البيت رقم 17.
حسيت بقشعريرة.
بصيت ناحية الشارع.
بيتنا كان رقم 15.
بيت الجيران كان رقم 16.
أما البيت رقم 17
فكان بيتًا مهجورًا من سنين، موجود في آخر الشارع.
صاحبه القديم اختفى فجأة، ومن وقتها محدش سكن فيه.
قلت لنفسي إن لازم أتصل بالشرطة.
لكن قبل ما ألمس موبايلي، سمعت صوت خبطة خفيفة على باب البيت.
خبطة واحدة.
وبعدين سكتة.
خبطة تانية.
وقفت مكاني.
ماقربتش من الباب.
وفجأة سمعت صوت الولد الصغير من الناحية التانية
لو سمحتي افتحي.
قلبي وجعني.
فتحت الباب بمقدار بسيط جدًا.
كان واقف لوحده.
وشه كان شاحب، وعينيه مليانة خوف.
بص وراه بسرعة، وبعدين قال
ماما قالتلي أقولك إنك ما تروحيش البيت رقم 17.
سألته
ليه؟
ما ردش.
بص على المفتاح اللي في إيدي.
وبص حواليه.
ثم قرب مني وهمس
لأن اللي بندفنه كل يوم حد مش زبالة.
اتسمرت مكاني.
قلت له
إنتوا بتدفنوا إيه؟
بدأ يرجع لورا.
لكن قبل ما يمشي، قال
إحنا مش اللي بنختار الأماكن.
أمال مين؟
رفع عينه ناحية بيتهم.
وقال
بابا.
وبمجرد ما قالها، سمعنا صوت عربية بتقف عند أول الشارع.
الولد اتخض جدًا.
وقال
اقفلي الباب!
قفلت الباب بسرعة.
ومن فتحة الستارة شفت عربية سوداء بتقف قدام البيت رقم 17.
نزل منها رجل غريب.
ماكانش والد الطفلين.
كان لابس جاكت أسود، ومسك في إيده ملف بني كبير.
وقف قدام البيت المهجور.
وبدل ما يدخل من الباب الرئيسي
اتجه مباشرة إلى الجانب الخلفي للبيت.
بعد ثواني، شفت والد الطفلين بيخرج من بيته.
اتجه ناحيته.
واتقابلوا عند سور البيت رقم 17.
فضلوا يتكلموا بصوت منخفض.
ثم فتح الرجل الغريب الملف.
وأخرج منه صورة.
رفعها قدام والد الطفلين.
والدي اتغيرت ملامحه فجأة.
حتى من بعيد قدرت أشوف الخوف في عينيه.
وبعدها
الرجل الغريب أشار ناحية بيتي.
نحوي أنا بالضبط.
والأغرب
إن والد الطفلين هز رأسه بالموافقة.
في اللحظة دي، رن هاتفي مرة