رواية كاملة
في العيادة الرئيسية لاستلام الأوراق والعيادات. أتمنى تخلوا الاستلام يتم بهدوء... عشان سمعة الدكتورة الشهيرة.
طلعت من أوضة الاجتماعات ورجعت لمكتبي.
قعدت على الكرسي الجلد، وبصيت من الشباك العالي على القاهرة كلها.
الشمس كانت طالعة، والنور مالي المكان.
الموبايل رن تاني... المرة دي كانت حماتي السابقة فاطمة.
فتحت الخط وسمعت صوتها وهو بيعيط وبيتوسل
ندى يا بنتي... الحقيني! أحمد في القسم! وسيلين طردته ورمت هدومه في الشارع! أرجوكي يا ندى يا بنتي افصحي عنه وتنازلي عن المحضر!
رديت بنبرة هادية ومستقيمة زي الألف
أهلاً يا حاجّة فاطمة... مش أنتِ إمبارح كنتِ بتقولي إني زي الجدار المايل، وإني دخلت بيتكم بشنطة هدومي وخرجت شحاتة؟ الجدار المايل ده يا حاجّة... وقع على ابنك، ومش هيقوم منه بالساهل.
وقفلت الخط في وشها.
أخدت بق قهوة هادي...
القصة لسه ما انتهتش... العيادات بقت تحت إيدي، وأحمد مستنيه محاكمة في السړقة، وسيلين بتحاول تنقذ نفسها من الإفلاس المحتوم.
بس الأهم من ده كله... إن ندى الغلبانة اختفت للأبد... وحل محلها ست بتعرف تاخد حقها بالقانون وبالتكتيك، ومن غير ما توسخ إيدها.
واللي جاي... أصعب بكثير!
الفصل الرابع والأخير
مرت تلات أسابيع على ليلة الفرح... تلات أسابيع كانوا كفيلين يقلبوا حياة كل واحد فينا رأساً على عقب.
الدنيا دي عجيبة أوي، اللي بيفتكر إنه ملكها بين يوم وليلة، ممكن يصحى يلاقيه مش لاقي اللقمة اللي يسد بيها جوعه. غرور الإنسان هو الفخ الحقيقي اللي بينصبه لنفسه، وما بيحتاجش حد يزقه فيه... هو بيقع بملء إرادته.
في خلال الأسابيع دي، كانت إمبراطورية سيلين فؤاد الكدابة بتتساقط زي أوراق الشجر في الخريف.
المفوض المالي والإداري اللي عينته من شركتي استلم إدارة الفروع الخمسة لعيادات التجميل. ولما بدأنا نفتح الدفاتر المتقفلة، ونراجع الحسابات القديمة اللي كانت سيلين ومحاسبها بيحاولوا يخفوها، اكتشفنا بلاوي سودة. العيادات ما كانتش بس مديونة، دي كانت بټغرق في قضايا إهمال طبي متتغطية بفلوس الرشاوي، ومحاولات تهرب ضريبي بملايين الجنيهات.
سيلين ما استحملتش الضغط. في خلال أسبوع واحد، رفع والدها راية الاستسلام. تنازلت لي عن حصتها الباقية في العيادات بالكامل مقابل إن شركتي
تتكفل بسداد الديون للبنك وتتولى التسويات القضائية، وتسحب
الشيكات المرفوعة ضدها في النيابة.
من أشهر دكتورة تجميل في مصر، لبنت بتدور على مكتب صغير في منطقة نائية تفتح فيه عيادة بسيطة بعيد عن الأضواء... الشو الإعلامي اللي كانت عايشة فيه انتهى، والناس اللي كانوا بيسقفولها في الفرح، هما أول ناس سحلوا اسمها على منصات التواصل الاجتماعي لما الخبر اتسرب.
أما أحمد...
أحمد كان حكايته حكاية ثانية خالص.
السقوط القاع
المحضر اللي قدمته ضده پتهمة سړقة الدهب وتبديد الحسابات المشتركة أخد مجراه القانوني بسرعة الصاروخ.
سيلين وطليقها الدكتور فؤاد ما اكتفوش بطرده رمياً بالكلاب من حياتهم، لا... دكتور فؤاد استغل نفوذه وقدم فيه بلاغ هو كمان پتهمة التزوير واستغلال النفوذ والڼصب، بعد ما اكتشف إن أحمد كان كاتب في سفيته الذاتية مؤهلات وخبرات وهمية عشان يوصل لبنته وياخد المنصب الإداري في المستشفى.
أحمد اتقبض عليه من شقة أمه، في فجر يوم أسود عليه.
الحجة فاطمة، اللي كانت إمبارح بتتفاخر بعز ابنها وبتاكل في لحمي قدام الناس، لفت على كل المعارف والأقارب عشان تلم فلوس الكفالة وتدفع ثمن الدهب اللي سرقه... محدش رضي يديها مليم واحد.
الناس اللي كانوا بيضحكوا معاها في القاعة وبيجاملوا ابنها، هما نفس الناس اللي قفلوا البيبان في وشها وقالولها ابنك حرامي ونصاب... ربنا يمهل ولا يهمل.
في اليوم اللي اتقرر فيه جلسة المعاينة والمواجهة في النيابة، الأستاذ نبيل اتصل بيا وقال
أستاذة ندى... أحمد ووالدته طالبين يقابلوكي في الاستراحة قبل ما يدخلوا لوكيل النيابة. المحامي بتاعه بيترجانا نعمل صلح في شق سړقة الدهب، ومستعدين يكتبوا إيصالات أمانة بالرقم كله.
حطيت القلم من إيدي، وبصيت من شباك مكتبي الجديد اللي بقى بيطل على أكبر ميادين التجمع.
عيادات سيلين سابقاً... بقت دلوقتي شبكة مؤسسة ندى السيد للرعاية والتجميل.
جاهزي العربة يا أستاذ نبيل... أنا جاية.
اللقاء الأخير في المحكمة
محكمة التجمع كانت زحمة، وصوت الخطوات والمحاميين مالي الطرقات الرخام.
كنت ماشية بخطوات واثقة، لابسة طقم رسمي أسود أنيق، حاطة نظارتي الشمسية على شعري، وورايا المحامي بتاعي واثنين من مساعديه شايلين الفايل القانوني.
أول ما وصلت الممر المؤدي لمكتب وكيل النيابة، شفتهم.
أحمد كان قاعد على الدكة الخشب، إيديه متكلبشة بالحديد، لابس ترنج رياضي مبهدل، ووشه دبلان، وعينيه حمرة من كثر العياط والسهر في التخشيبة. دقنه كانت طالعة ومبهدلة، والغرور اللي كان مالي وشه في الفرح اتخرط وبقى مكانه ذل وانكسار يرعب.
جنبه كانت الحجة فاطمة، قاعدة على الأرض تقريباً، طرحتها ملوية ووشها أسود من الهم.
أول ما أحمد شافني، قام وقف بسرعة، والكلابشات عملت صوت يرن في الممر
ندى! ندى أرجوكي!
العسكري زقه بقوة وقاله اقعد يا متهم! ممنوع الحركة!
أحمد قعد وهو بيبكي پهستيريا، والحجة فاطمة زحفت على ركبها تقريباً لحد ما وصلت عندي، ومسكت في أطراف بنطالي وهي بتنتحب
بوس إيدك يا ندى يا بنتي! ابوسي رجلك! سامحي أحمد! والله مظلوم... الشيطان غواه! أبوس إيدك يا بنتي ما تضيعيش مستقبله، ده ابني الوحيد! اعتبريني زي أمك الله يرحمها!
نفضت طريقي بهدوء وارتقاء، وبصيت ليها بنظرة حزن... مش حزن عليها، حزن على العقول اللي ما بتفوقش غير لما الساطور يقع على الرقبة.
رديت بصوت واطي ومستقر
أمي الله يرحمها ما كانتش بتاكل حرام يا حاجّة فاطمة... أمي الله يرحمها علمتني إن شرف البني آدم في كلمته وأمانته. وأنتِ اللي جيتي في الفرح وقلتي إن ابنك ربنا عوضه عن الفقر والشقاء اللي كان عايش فيه معايا... أديكي شايفه العز اللي وصله.
الحجة فاطمة غطت وشها بإيديها
وبكت بصوت عالي
أنا غلطت يا بنتي! أنا لساني كان عايز القطع! أنا كنت مخدوعة في الزيطة والدفوف! أرجوكي اعفي عنه... هنرجعلك كل مليم، والله هنبيع شقتي ونرجعلك حقك!
بصيت لأحمد، اللي رفع راسه وبصلي بعيون ملهاش رجاء
ندى... أنا آسف. والله العظيم أنا كنت غبي... سيلين وأبوها ضحكوا عليا، فهموني إنهم هيعملوني شركاء، وأنا صدقتهم. أنا بعت دهبك عشان أكمل التجهيزات اللي طلبوها مني... أنا اتعميت! سامحيني يا ندى... اديني فرصة واحدة أصلح اللي عملته، أنا مستعد أشتغل عندك خدام... بس بلاش السچن!
ابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها كمية مرارة وألم قدمت خلاص وتلاشت.
خدام يا أحمد؟ أنت عمرك ما هتعرف تخدم حد لأنك ما بتعرفش تحب غير نفسك. أنت ما اتعميتش من سيلين ولا من أبوه... أنت اتعميت من الطمع. أنت بصيت تحت رجليك وافتكرت إن الست الهادية البسيطة اللي كانت بتراعيك وبتحافظ على بيتك دي ضعيفة، وافتكرت إن السكوت هبل.
قربت منه خطوة، وشاورت على الكلبشات اللي في إيده
الكلبشات دي أنت اللي لبستها لنفسك يوم ما حطيت إيدك في خزنتي وسړقت تعبي وتعب أمي... ويوم ما وقفت في نص القاعة قدام مئات الناس تتباهى إن كشف عروستك الجديدة أغلى من مرتب السنة بتاعي.
أحمد نزل راسه في الأرض، والدموع نازلة على خدوده بغير حساب
أنا مستاهل... أنا عارف إني حقېر ومستاهل... بس بلاش السچن يا ندى، بلاش الضياع.
الأستاذ نبيل اتدخل وقالي
أستاذة ندى...
وكيل النيابة منتظرنا جوه عشان نوقع التنازل لو حضرتك مقتنعة، أو نثبت أقوالنا ونحيل القضية للجنايات فوراً.
سكت لحظة. الممر كله كان ساكت، والحجة فاطمة معلقة عينها على شفايفي مستنية الكلمة اللي هتحدد مصير ابنها.
أخدت نفس عميق، وقولت بوضوح
أنا مش هتنازل يا أستاذ نبيل.
الحجة فاطمة صړخت يا لهوي!
كملت كلامي وأنا ببص لأحمد في عينيه مباشرة
الدهب والفلوس
اللي اتسرقوا قيمتهم هتتحصل بالقانون من الشقة اللي باسمك، ومن أي أصول حيلتك. إنما حق كرامتي وحق الأيام اللي ضاعت في القهر، ده ملوش ثمن بالفلوس... القانون يا أحمد هو اللي هيقول كلمته، عشان تتأكد إن ندى الغلبانة بتعرف تاخد حقها للآخر.
التفتت ومديت ظهري ليهم، ومشيت ناحية مكتب وكيل النيابة.
صوت صړاخ فاطمة وعياط أحمد كان يرن ورايا، بس المرة دي... قلبي ما اتعصرش ولا نقطة واحدة. الشعور الوحيد اللي كان جواه هو الحرية.
بناء الإمبراطورية الحقيقية
مرت ست شهور على اليوم ده.
الحكم صدر على أحمد بالسجن ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ في قضية السړقة والتزوير، غير التعويض المالي الضخم اللي اتفرض عليه، واللذة اللي اضطرت أمه تبيع شقتها عشان تدفع جزء منه وتهرب من القضايا الثانية.
أما سيلين، فساب مصر كلها وسافرت لبلد عربي تشتغل في مركز تجميل صغير كاستشارية برواتب عادية، بعد ما اتقفلت في وشها كل الأبواب وتلاشت شهرتها المزيفة.
وفي نفس الوقت... كانت مؤسسة ندى السيد للحلول الاستثمارية والرعاية الطبية بتكبر وتتوسع.
العيادات اللي استحوذت عليها أعدت هيكلتها بالكامل. غيرت الإدارة الفاسدة، وجبت أكفاء الأطباء والجراحين اللي بجد، وعملت نظام خصومات وتخفيضات للحالات غير القادمة، وخليت العمل الخيري جزء أساسي من نشاط الشركة.
في يوم دافي من أيام الربيع، كنت واقفة في الصالة الرئيسية للفرع الجديد بتاعنا في الشيخ زايد.
المكان كان منور بالنور الطبيعي، الورد البلدي الحقيقي مالي الفازات، والأنوار هادية ومريحة. ما كانش فيه ثريات كريستال ضخمة ولا شو إعلامي مزيف... كان فيه بس شغل حقيقي، وأرقام مظبوطة، وناس داخلة وخارجة بابتسامة راضية.
كنت لابسة فستان بيج أنيق، ومربطة شعري بهدوء،
وماسكة في إيدي التقرير المالي للربع السنوي الأول.
مساعدتي الشخصية قربت مني وقالت بابتسامة
أستاذة ندى... قناة فضائية كبيرة طالبة تعمل مع حضرتك لقاء في برنامج سيدات الأعمال الرائدات، ومصممين ييجوا يصورا هنا في الفرع الرئيسي.
ابتسمت وقولت
اعتذري لهم يا ياسمين بهدوء.
استغربت ياسمين وقالت
اعتذر؟ بس ده شو إعلامي ممتاز للشركة يا فندم! ده غير إنهم هيدوكِ فقرة كاملة تتكلمي فيها عن نجاحك!
رديت عليها وأنا ببص على حركة العمال والأطباء في المكان بثقة ورضا
الشاطر يا ياسمين مش اللي يعمل شو عشان يثبت للناس إنه ناجح... الشاطر هو اللي شغله ونجاحه يفرضوا نفسهم على الواقع من غير ما يحتاج يتكلم. الأرقام والحقيقة هما اللي بيتكلموا... مش الميكروفونات.
رسالة أخيره
قعدت على مكتبي في نهاية اليوم، فتحت أجندتي الخاصة، وكتبت فيها الكلمات الأخيره في الصفحة اللي كنت بدأتها من سنتين
كنت فاكرة إن الطلاق هو النهاية... وإن الخېانة هتكسرني للأبد. بس اكتشفت إن بعض الصدمات ما بتجيش عشان تدمرنا، بتجي صحينا. بتجي عشان تشيل الغشاوة من على عينينا ونشوف قيمتنا الحقيقية.
أحمد واهله افتكروا إن السكوت ضعف، وإن البساطة قلة طموح. وما فهموش إن الست اللي بتعرف تبني نفسها في صمت، هي نفس الست اللي تقدر تهد قصور النفاق بتاعتهم بكلمة واحدة وبقانون محكم.
النهاردة... أنا مش بس استرديت حقي وفلوسي... أنا استرديت نفسي. وعرفت إن أعظم اڼتقام مش إنك ټؤذي اللي أذاك... أعظم اڼتقام إنك تنجح، وتكبر، وتعيش مرتاح البال، وتسيبه هو يغرق في مستنقع أعماله.
قفلت الأجندة، وحطيتها في درج المكتب.
بصيت للموبايل اللي كان محطوط قدامي... ما بقاش فيه مكالمات مزعجة، ولا رسائل ټهديد، ولا دموع.
كان فيه بس رسالة واحدة من الأستاذ نبيل
تم إيداع الدفعة الأخيرة من التعويض في حسابك البنكي... وكل الملفات اتفلت رسمياً.
مسحت الرسالة، وقمت وقفت قدام الشباك.
القاهرة كانت بتنور بشوارعها وبيوتها في وقت الغروب.
أخدت نفس عميق... نفس حر، صافي، ملوش طعم الخېانة ولا ريحة الذل.
ابتسمت للغد، وأنا عارفة تماماً إن الصفحة القديمة اتقفلت للأبد... وإن القصة الحقيقية... يلا تبدأ دلوقتي.
تمت بحمد الله
حكايات_مني_السيد