رواية كاملة
المحتويات
behind pixels!
العودة للقاعة
رجعت القاعة بابتسامة هادية جدًا.
المزيكا كانت بدأت تعلى، والناس بدأت تتجمع حولين المسرح عشان يقطعوا التورتة السبع أدوار.
حماتي السابقة، الحجة فاطمة، كانت واقفة وسط شوية ستات من قرايبها، وبتتكلم بصوت عالي وهي متقصدة تبصلي
ربنا عوضه على صبره خير... العز عز يا جماعة، مش الشقاء والفقر اللي كان عايش فيه! البنت سيلين دي من بيت طاهر وناس أكابر، مش زي ناس دخلوا بيتنا بشنطة هدومهم وخرجوا منها وهم شحاذين!
واحدة من قرايبها ردت بصوت واطي
بس ندى كانت هادية وست بيت يا حاجّة... وما شفناش منها حاجة وحشة.
نفخت الحجة فاطمة وقالت بتهكم
هادية إيه ونيلة إيه! الهادئة دي كانت زي الجدار المايل، لا ليها حس ولا خبر ولا طموح... أحمد كان يرجع يلاقيها قاعدة تحسب في أوراق وأرقام زي الصرافين، لا بتعرف تلبس ولا تتأنق... بصوا سيلين لابسة إيه اليوم! الفستان لوحده بميات الألوف!
سمعت كل كلمة، وما تهزتش فيا شعرة. بالعكس، أخدت نفس عميق وابتسمت.
الجهل بالشيء ساعات بيبقى نعمة للضحېة، وعذاب للظالم لما يفوق على الحقيقة.
اتحركت بخطوات ثابتة ورايحة ناحية الترابيزة الرئيسية.
القاعة كانت زحمة، والناس مشغولين بالتقاط الصور والفيديوهات للعروسين.
أحمد كان واقف جنب سيلين، ماسك إيدها وبيضحك مع المصور. أول ما شافني بقرب من الممر الرئيسي، ابتسامته اختفت شوية، وحسيت بنظرة قلق خطفت في عينه،
لكنه بسرعة استجمع شجاعته المغشوشة وسند إيده على وسطه.
سيلين لاحظت نظراته، فالتفتت وبصتلي من فوق لتحت بصلف، وقالت بصوت ناعم ومستفز وصلت نبرته للناس اللي واقفين قريب
أوه... دي مدام ندى؟ أهلاً يا حبيبتي... أحمد قال لي إنك جيتي. بصراحة استغربت، بس كويس إنك جيتي عشان تشوفي بنفسك إن الحياة بتكمل... وأن كل واحد بياخد اللي شبهه في الآخر.
الضحكات الخفيفة اتكررت تاني من الناس المحيطين بيها.
والدها وقف جنبها وهو حاطط إيده في جيبه، وبصلي بنظرة كلها استعلاء
أهلاً يا بنتي... يا مرحب. أحمد ابننا دلوقتي، وربنا يوفق الجميع.
أنا ما ارتبكتش.
مديت إيدي بثبات وربتت على طرف الشال الأسود اللي كنت لابساه على فستاني الكحلي البسيط، وقولت بصوت واضح ونبرة هادية جداً، بس مسموعة لكل الترابيزات اللي حوالينا
ألف مبروك يا أحمد... ألف مبروك يا دكتورة سيلين. حقيقي فرح فخم، والورد جميل جداً... للأسف الشديد الورد الطبيعي ده بيبتدي يدبل بسرعة أول ما الشمس تطلع... واليوم بيخلص.
أحمد حواجبو اتعقدت وقالي بضيق
يقصد إيه كلامك ده يا ندى؟ جاية تنكدي علينا ولا إيه؟ لو جاية عشان أكل وشرب اتفضلي ارجعي مكانك، إحنا مش فاضيين للألغاز بتاعتك دي!
سيلين ضحكت بصوت رنان وقالت وهي بتبص لأحمد
سيبها يا أحمد... الغيرة ساعات بتخلي الناس تقول كلام مش مفهوم. طبيعي واحدة في موقفها تحس بكده لما تشوف الشياكة والعز ده كله.
قربت من سيلين خطوتين، وبصيت في عينها مباشرة. الابتسامة اللي على وشي كانت أهدى من أي وقت فات.
وقوليلها بنبرة واطية بس حادة زي الموس
الغيرة؟ لا يا دكتورة... الغيرة دي للي بيحس إنه خسر حاجة قيمة. إنما أنا؟ أنا جيت بنفسي عشان أشوف بنفسي المكان اللي هتروح ليه فلوسي.
سيلين ضحكت باستهزاء
فلوسك؟ فلوس إيه يا شاطرة؟ أنتِ حيلتك حاجة؟ أحمد قال لي إنك طالعة من الجوازة دي معندكيش حتى حق إيجار شقة!
بصيت لأحمد، اللي وشه بدأ يصفر تدريجيًا. هو كان عارف كويس إن ندى المترددة الخاېفة بتاعة زمان مش هي الست اللي واقفة قدامه دلوقتي. النظرة اللي في عيني كانت نظرة شخص بيمتلك اللعبة كلها.
قولت وأنا بلف عشان أمشي
سؤال بسيط يا دكتورة... قبل ما تقطعي التورتة. أنتِ عمرك ما سألتي نفسك مين المستثمر اللي شال عياداتك من طين الإفلاس قبل تلات سنين؟ المستثمر اللي رفض يكتب اسمه في الجرايد واكتفى بالحرفين الأولانيين في العقد؟
سيلين اتجمدت في مكانها لحظة، وعينها اتسعت.
والدها اتعدل في وقفته وبصلي باهتمام مفاجئ
أنتِ تعرفي حاجة عن مجموعة N S للاستثمار؟
ابتسمت وقولت بانتصار هادي
أنا مش بس أعرفها... أنا صاحبتها يا دكتور فؤاد. N S اختصار ندى السيد.
القاعة حوالينا كأن الصوت فيها اتشفط في ثانية.
أحمد بصلي بذهول وهو مش مصدق، وشفايفه كانت بتترعش
أنتِ... أنتِ بتكدبي! أنتِ مچنونة ولا إيه؟ أنتِ حتة مراجعة حسابات
مفلسة!
طلعت من شنطتي كارت أسود شيك جدًا، حطيته بهدوء على أطراف الترابيزة الرئيسية جنب كاسات العصير، وقولت
الصبح الساعة تسعة بالظبط... المحامي بتاعي هيشرفكم في العيادة وفي السويت بتاعكم هنا. الأرصدة اتجمدت من الساعة تسعة بالليل يا دكتورة... وال 20 مليون جنيه مطلوب سدادهم في خلال 48 ساعة، أو الاستحواذ الكامل على العيادات والأصول هيبدأ فورًا.
بصيت لأحمد وقربت منه خطوة واحدة، وقولت بصوت واطي جداً عشان هو بس اللي يسمعه
الدهب اللي سرقته من خزنتي يا أحمد... والفلوس اللي خانتني فيها... والظلم اللي عشته معاك... كلفوك كتير أوي. أنت فاكر إنك اتجوزت بنت رئيس المستشفى عشان تترقى؟ أنت في الحقيقة اتجوزت الضحېة اللي هتدفعلك حساب كل اللي عملته.
التفتت ومشيت بخطوات متزنة، كعبي كان بيرن على الرخام بثقة ټرعب.
ورايا، بدأت الأصوات تعلى.
سمعت صوت سيلين وهي بتصرخ في أحمد يعني إيه؟ الفلوس دي كانت بتاعتها هي؟ أنتضحكت عليا يا أحمد؟!
وصوت أحمد وهو بيحاول يبرر بتهتة وړعب والله العظيم بتكدب! دي مچنونة! استني بس يا سيلين... يا عمي أفهمك!
وصوت الحجة فاطمة وهي بتزعق ومش فاهمة حاجة من اللي بيحصل حولين الترابيزة.
خرجت من باب القاعة الرئيسي، المش مش جنب باب الخدمة المرة دي.
النسمة الهادية بتاعة الليل ضړبت في وشي أول ما خرجت للشارع.
ركبت عربيتي اللي كانت مركونة بعيد عن العيون، أخدت نفس عميق وابتسمت من قلبي لأول مرة من سنتين.
المعركة يلا بدأت... وهم ما عندهمش أدنى فكرة عن اللي مستنيهم الصبح.
يتبع
حكايات مني السيد
الفصل الثالث
قعدت في عربيتي ورا الدركسيون، حطيت إيدي الاثنين عليه، وأخدت نفس عميق وطلعت زفير طويل كأني بخرج معاه كل سنين القهر والۏجع اللي عشتهم.
أنوار الفندق الضخمة كانت عاكسة على الإزاز القدامي، ومن المراية الجانبية كنت شايفه الخبصة والهرجلة اللي بدأت تدب في المدخل الرئيسي. ناس طالعة تجري، ووالد سيلين واقف بيتكلم في التليفون بانفعال واضح، وأحمد واقف جنبه بيشوح بإيديه وشكله زي اللي اتكب عليه مية ساقعة في عز التلج.
دورت العربة، وشغلت كاسيت خفيف، واتحركت بهدوء وسط زحمة الشارع.
أنا مش من الستات اللي بتفرح في الخړاب، ولا عمري كنت بشعة أو بحب الإيذاء... بس فيه فرق كبير أوي بين الاڼتقام الشرير، وبين إنك تسترد حقك وتعلّم اللي ظلمك إن الدنيا تدور، وإن السكوت اللي افتكره ضعف كان مجرد استراحة محارب بيجهز عدته صح.
وصلت شقتي الهادية في المعادي. الشقة دي اللي اشتريتها من شغلي وتعبي بعيد عن عين أحمد وعيلته، شقة بسيطة، دافية، وفيها مكتبي الصغير اللي شهد على ليالي طويلة من السهر والمراجعة والتدقيق في الأرقام والعقود.
أول ما دخلت، قلعت الجزمة الكعب، ورميت الشال على الكنبة، ودخلت المطبخ عملت لنفسي فنجان قهوة مضبوط.
الموبايل ما بطلش زن.
رقم أحمد كان بينور على الشاشة كل دقيقتين.
وبعديه رقم حماتي السابقة فاطمة.
وبعدهم أرقام غريبة ما أعرفهاش، غالباً
متابعة القراءة