بيتي جديد
أنا مش رايحة في حتة يا ماما.
ماما اتصدمت، وبصتلي باستنكار أنتِ بتقولي إيه يا بت أنتِ؟ أنتِ هتفضل عايشة مع الناس دول وتسيبي أمك وأختك؟ رديت عليها بصوت نابع من أعمق نقطة في وجعي أمي؟ أمي اللي كانت طول الوقت بتقلل مني؟ أمي اللي سابت أختي تفتش في حاجتي وتتحكم فيا كإني خدامة؟ أمي اللي لما أختي سرقت، بدل ما تربيها وتصلحها، جيت تصرخ وتدعمها في الباطل وتبتز بابا؟
نور بصتلي بصدمة وقالت مريم.. أنتِ بتتكلمي معايا أنا وماما كده؟ قلت لنور وأنا بصلها بجمود اه يا نور.. بتكلم كده لأنك طلعتي أكتر واحدة بتكرهيني. أنتِ ما كنتيش خايفة عليا من مرات الأب.. أنتِ كنتِ خايفة أكون مبسوطة! أنتِ كنتِ عاوزاني أيفضل تحت رجليكي، أستحمل نكدك وعصبيتك وأمسح وراكي. بس خلاص.. زمان مريم اللي بتسكت وبتستحمل أي حاجة انتهى.
ماما بصت لبابا وقالت بقلة حيلة ومكر شايف بنتك؟ شايف التربية؟ شفت إزاي قستها عليا؟ بابا رد بمنتهى الثقة وهو بيحط إيده على كتفي مريم ما بقستش على حد.. مريم كبرت وفهمت. وشافت مين اللي يصونها ومين اللي يبيعها عشان شوية حقد. اتفضلوا امشوا من هنا.. وما أشوفش وش واحدة فيكم تقرب من الباب ده تاني، وإلا التسجيلات هتروح القسم فوراً.
ماما مسكت إيد نور بغيظ وهي بتبصلي بنظرة كلها كره وقالت بكره تندمي يا مريم.. بكره يرموكي في الشارع ولما تجي تبكي تحت رجلي مش هفتحلك الباب! رديت عليها بثبات حتى لو اترميت في الشارع.. مش هرجع للمكان اللي اتكسرت فيه.
نزلت ماما ونور، وبابا قفل الباب وراهم وتنهد تنهيدة طويلة، كأن جبل انزاح من على صدر البيت كله. رجعت الصالة هادية تاني. الأسورة كانت محطوطة على الترابيزة. طنط نادية أخدت الأسورة، حطتها جوه الشنطة من غير ما تهتم بيها، وقربت مني وحضنتني جامد. حضنتها وأنا حاسة إن كل الوجع اللي كان محبوس جوه قلبي تسع سنين بيطلع في الحضن ده.
نورهان جابتلي منديل وابتسمت ابتسامة حقيقية لأول مرة، وقالت جدعة يا مريم.. لأول مرة أشوفك قوية كده. بصراحة.. أنتِ تليقي تكوني أختي. بابا قعد جنبنا، وبصلي بابتسامة مليانة فخر وقال عارفة يا مريم؟ أنا من زمان كنت مستني اليوم اللي أشوفك فيه بتاخدي حقك وبتدافعي عن نفسك. أنتِ النهاردة بدأتِ حياتك بجد.
دخلت أوضتي ليلتها.. مسكت مفتاح الأوضة ومفتاح المكتب ومفتاح الشقة. حطيتهم على المكتب قصادي. المرة دي ما كنتش خايفة أصحى ألاقي كل ده حلم.. المرة دي كنت عارفة إن ده واقعي الجديد. واقع أنا اخترته بقوتي، وبإرادتي.
قفلت النور، ونمت.. ولأول مرة من تسع سنين، أنام نوم عميق، من غير كوابيس، ومن غير خوف من بكرة. لكن الأيام المخبية لسه كتير.. ومواجهة عيلتي قدام الناس والمجتمع، والضغوط اللي هيحاولوا يمارسوها عليا في دراستي وفي أوراقي الرسمية، كانت مجرد بداية لمعركة أطول.. معركة إثبات إن الاختيار الصح، حتى لو كان صعب، هو الوحيد اللي بيخلي الإنسان يعيش بكرامته.