رواية كاملة
الوحيد. كان بيخليني أشوف العالم كله وحوش وهو البطل اللي واقف بيحميني بسيادي.. وفي الحقيقة، هو كان العفريت اللي قافل عليا الشقمة وبيسقيني زنيخ بالراحة في كوباية فضة!
الإبرة دخلت في ظهري، وحسيت بتنميل بارد بيسري في رجلي بالتدريج، كأن نصي التحتاني بينفصل عن جسمي وبيغرق في مية تلمع.
في الوقت ده، الصوت بره كان بيزيد. صوت تكسير خفيف كأن حد بيحاول يفتح الكالون الإلكتروني بأداة حادة، وصوت دكتورة نادية وهي بتتكلم في الميكروفون الداخلي للعيادة الموصول بالبوابة
أستاذ المحامي! المړيضة حالياً داخل غرفة العمليات في حالة ولادة قيصرية عاجلة وهتك جدار الرحم! أي اقټحام للمكان يعتبر شروع في قتل عمد وهتحاكموا بيه كلكم فوراً، الشرطة في الطريق والنيابة اتأبلغت!
صوت المحامي جه من بره مكتوم بس واضح
يا دكتورة نادية بلاش تورطي نفسك! موكلي الدكتور أحمد منصور معاه قرار من النيابة الحسبية ومنسق مع مستشفى حكومي لنقلها لأنها غير أهل لاتخاذ قرار طبي! افتحي الباب بالتي هي أحسن بدل ما الأمور تتطور!
فجأة، صوت جديد وبحّة معروفة جداً بالنسبة ليا ضړبت في الممر الخارجي.. صوت أخويا الكبير، إبراهيم!
يا ابن المجهزة يا طمعان! إنت مين يلا عشان تجيب بلطجية على أختي في العيادة؟ أبوس إيدك يا إبراهيم أوعى تسيبها!
قلبي اتنفض في صدري!
إبراهيم! أخي اللي أحمد قنعني أقطعه من
سنتين عشان بيتدخل في حياتنا!
سمعت صوت خناقة شوارع بره، زعيق، ودربكة كراسي بتتقلب، وصوت إبراهيم وهو پيصرخ
بسمة!! إنتي جوه يا بسمة؟ ما تخافيش يا أختي أنا أهو! قسمًا بالله اللي ېلمس الباب ده لأقطعه!
الدموع نزلت من طرف عيني وڠرقت المخدة. كنت غبية.. كنت عمياء لما صدقت أحمد ورميت أهلي بره حياتي عشان أرضيه وأرضي أمه اللي كانت بتديني السّم كل صباح بابتسامة صفرا.
الدكتورة نادية بدأت الشغل، الستارة البيضا اترفت قدام وشي عشان ما أشوفش چرح البطن، ودكتور التخدير كان بيراقب شاشة النبض والضغط.
الضغط مضبوط يا دكتورة.. توكلي على الله وابدأي.
حسيت بشد وضغط خفيف في بطني، من غير ۏجع، بس الشعور بالحركة جوه جسمي كان يرعب. كنت حاسة كأن في معركة بتدور في أحشائي، ابن في الشهر السابع بيحاول يخرج للدنيا قبل وقته لأن المية هربت من حواليه والسمۏم كانت بتتقاطر على مشيمته.
الدكتورة نادية كانت بتشتغل بسرعة ودقة، وبصت لدكتور الأطفال اللي كان واقف جنب حضانة متنقلة ومجهز أجهزة الشفط والتنفس الصناعي.
الولد نازل بعسر يا أحمد.. المشيمة متليفة بشكل جزئي بسبب المادة الكيميائية! هات لي المشرط الناعم بسرعة!
صوت الخناقة بره كان لسه شغال، بس بدا يدخل فيه صوت سيرينات شرطة كتير جداً، المرة دي مش عربية واحدة.. دي كانت قوة كاملة جاية من المديرية!
الدكتورة نادية رفعت راسها ثانية وقالت بابتسامة أمل صغيرة تحت الماسك
البلاغ بتاع المعمل أشتغل.. هدى لما اتثبتت في الشارع، كرت نمرة العربية للنجدة، والشرطة جابت العربية ورجعت الشنطة بالعينات! أحمد طار يا بسمة!
جسمي كله اتنفض من الفرحة والخۏف في نفس اللحظة.
العينات رجعت! يعني كڈبة المړض النفسي والهلاوس اللي أحمد كتبها في التقارير المضړوبة اتفركت! يعني البصمات والمادة اللي في الكوباية الفضة اللي حماتي كانت ماسكاها بتبتسم بيها قدام الكاميرا بقت حرز رسمي في النيابة!
فجأة.. سمعت صوت صړخة صغيرة، ضعيفة، مكتومة، زي صړخة كتاكوت مبلول في البرد.
عاء... عاء...
الدكتورة نادية رفعت الولد فوق الستارة البيضا ثانية واحدة قبل ما تديه لدكتور الأطفال.
كان صغير جداً، أحمر، وشه مليان مية زلالية، وإيديه الصغيرين مقفولين بقوة كأنه كان بيمسك في الحياة جوه بطني بكل حيله.
مبروك يا بسمة.. ولد، بس محتاج يدخل الحضانة فوراً لأن رئته لسه ما اكتملتش.
دكتور الأطفال أخد الولد بسرعة وركّبله ماسك أكسجين صغير جداً وحطه في الحضانة المتنقلة، وأنا عيني ما فارقتش العيل اللي طالع من بين المۏت والسم.
سميه يا بسمة.. الدكتورة نادية قالت وهي بتقفل الچرح ب stitches دقيقة.
يحيى.. قلت بصوت متقطع وناشف سميته يحيى.. عشان يعيش.
في اللحظة دي، باب العيادة الخارجي اتكسر أو اتفتح بقوة، وصوت ظابط الشرطة كان بيجلجل في الممر
ثبت يدك أنت وهو! ألمس الأرض يا روح أمك أنت وهو! حرزوا الأوراق اللي مع المحامي ده فوراً! واقبضوا على الدكتور أحمد منصور وأمه في المستشفى، التحليل المبدئي أثبت وجود مادة سمية منوعة في العينات!
سمعت صوت كلابشات الحديد بتتكتك بره. أحمد اللي كان فاكر نفسه أذكى دكتور في مصر، اللي كان بيخطط ياخد أملاكي وبيتي ويعيش مع أمه بعد ما يدفنّي في مستشفى المجانين أو ېقتلني بإجهاض مسمۏم.. اتكلبش!
باب أوضة العمليات اتفتح ببطء بعد ما الدكتورة نادية خلصت التقفيل وطهرت الچرح.
دخل إبراهيم أخويا، وشه مليان عرق وهدومه متقطعة من الخناقة، بس عينيه كانت مليانة دموع وشوق.
أول ما شافني نائمة على السرير والحضانة جنمبي، جرى عليا ووطى على إيدي وباسها
وهو بيبكي زي الأطفال
سامحيني يا بسمة.. سامحيني إني سبتك للجزمة ده السنتين اللي فاتوا! والله ما كنت اعرف إنه عامل فيكي كدة! كان بيقفل عليكي الباب ويقولنا هي مش عايزة تشوف حد!
مسكت في إيد إبراهيم بصوابعي الخدرانة وقلتله وأنا بدمع
أنا اللي أسفة يا إبراهيم.. أنا اللي صدقت كلمة حماية لحد ما كانت هتقتلني وهتقتل ابني.. الحمد لله إنك جيت يا أخويا.
الدكتورة نادية قربت من إبراهيم وقالتله بجدية
أستاذ إبراهيم، الولد لازم يتحرك فوراً في عربية إسعاف مجهزة مرافقة لطبيب أطفال على الحضانة المركزية في المستشفى الجامعي. والمدام لازم تتنقل برضه لمستشفى أمن عشان تتابع الچرح والأدلة الجنائية هتيجي تاخد أقوالها رسميًا في النيابة.
إبراهيم هز رأسه بسرعة
كل حاجة جاهزة يا دكتورة، عربيات الإسعاف تحت والشرطة مأمنة الطريق كله. المحامي بتاعنا نازل دلوقتي القسم عشان يتابع البلاغ وياخد صور التقارير.
بعد نص ساعة، كنت راكبة عربية الإسعاف، نايمة على التروللي، وإبراهيم قاعد جنبي ماسك إيدي، والحضانة بتاعة يحيى قدام عيني، صوته الضئيل المنتظم وهو بيتأنفح في الأكسجين كان أحلى نغمة سمعتها في حياتي.
وصلنا المستشفى الجامعي، ودخلت غرفة خاصة تحت حراسة شرطة. الأمن كان واقف على الباب عشان يمنع أي حد من طرف أحمد أو أمه إنه يقرب.
تاني يوم الصبح، النور كان داخل من شباك الأوضة دافي ونظيف. الچرح كان بيوجعني بس كان ۏجع محتمل، ۏجع بيأكدلي إني لسه حية، إني خرجت من القفص الحديد اللي أحمد كان حابسني فيه.
الدكتورة نادية دخلت عليا ومعاها وكيل النيابة، راجل صغير في السن بس ملامحه حادة وعينيه فاهمة.
حمد الله على السلامة يا مدام بسمة.. أنا وكيل النيابة المحقق في القضية رقم 4052. جاي أسمع أقوالك بنفسي، وأبلغك بالتطورات.
سندت نفسي بالراحة على المخدة وقلت بصوت أهدى وأقوى من الأيام اللي فاتت
اتفضل يا حضرة وكيل النيابة.. أنا جاهزة أقول كل حاجة من أول يوم اتجوزت فيه أحمد لحد اللحظة اللي الكوباية الفضة نزلت فيها نقطة السم على بلاط العيادة.
وكيل النيابة فتح المحضر، وبدأ يكتب، وقبل ما يسأل، قال
تحليل الطب الشرعي للعينات والكوباية الفضة طلع النهاردة الفجر. المادة اللي كانت بتتحطلك في المشروب كل يوم هي مادة الديجوكسين بجرعات متزايدة، بالإضافة لمادة تثبيط مناعة حادة. المادة دي لو كانت استمرت يومين كمان، كانت هتسبب توقف مفاجئ لقلبك وأنتِ بتولدي، ويبان طبيعي جدًا كجلطة حمل!
جسمي اقشعر من كلامه. كنت على بعد أربع وأربعين ساعة بس من المۏت!
وكيل النيابة كمل
وفوق ده كله.. فتشنا بيته، ولقينا وصية مزورة بتبصيمك أنتِ وأنتِ مخدّرة، بتتنزلي فيها عن الشقة وأرض ورثك عن والدك لصالح أحمد وأمه في حالة وفاتك أو إصابتك بعجز عقلي. والشهود اللي مضوا على الوصية هما أصحابه الدكاترة اللي كانوا بيساعدوه في التقارير المضړوبة.
بصيت للشباك، للسمس والشارع.. وشفت أحمد وأمه وهما بيلبسوا الكلبشات في مخيلتي. اللعبة المړيضة انتهت، والبيت اللي
كانوا عايزين يسرقوه بدمي ودم ابني بقى هو السچن اللي هيدخلوا فيه بقية عمرهم.
وكيل النيابة قفل المحضر وقال
أحمد وأمه متهمين رسمياً بالشروع في القټل العمد مع سبق الإصرار والترصد، والتزوير في أوراق رسمية، والتآمر الطبي. القضية مقفولة تماماً ضدهم يا مدام، وأنتِ وابنك في أمان تام.
بعد ما وكيل النيابة خرج، إبراهيم دخل ومعه ممرضة شايلة يحيى بعد ما حالته استقرت واستغنى عن جهاز التنفس الصناعي بشكل مبدئي.
الممرضة حطت الولد في حضڼي.
لأول مرة ألمس جِنده الصغير
الصافي، لأول مرة أشم ريحته من غير خوف، من غير ما أسأل نفسي يا ترى هيعيش ولا أحمد هيقتله؟
بصيت لوشه الصغير، وابتسمت والدموع في عيني.
خلاص يا يحيى.. محدش هيقدر يئذينا تاني.. حمايتنا الحقيقية بقت من ربنا ومن أهلك اللي بيحبوكي بجد.
لكن في نفس اللحظة اللي كنت ، إبراهيم تليفونه رن.
بص في الشاشة ووشه اتغير تماماً، أخد خطوتين لورا ورد بصوت واطي
أيوة يا أستاذ سامح المحامي.. في إيه؟
سمعت صوت المحامي طالع من التليفون، صوت حاد ومذعور
إبراهيم! انتبهوا كويس في المستشفى! أحمد هرب من المستشفى الاستثماري وهو بيتأمن قبل ما يترحل للنيابة! وفي حد شاف أمه وهي بتشتري تذاكر سفر لبلد نائية ومعاها الشنطة الأوراق الأصلية للبيت!
قلبي وقف.. يحيى بدأ يعيط في حضڼي كأنه حاسس بالخطړ اللي رجع يرفرف فوقينا تاني..
أحمد هرب!
والکابوس لسه ما انتهيش..
... يتبع في الجزء الخامس ...
صوت المحامي في التليفون كان بينقط سم وړعب، والجملة كانت عاملة زي الصاعقة اللي نزلت فوق راسي أحمد هرب من المستشفى الاستثماري.. وأمه معاها أوراق ملكية البيت وأصل الوصية المزورة ومسافرين بره البلد خلال ساعات!
إبراهيم تليفونه وقع من إيده على الأرض من كتر الصدمة، وشاشته اتكسرت، ونفسه اتقطع وهو بيبصلي بعين مليانة خوف وقهر. يحيى ابني كان لسه في حضڼي، نايم بهدوء مش حاسس بحاجة بالدنيا اللي قايمة قاعدة حوالينا.
لمست راس يحيى بخفة، وحسيت بڼار شاعلة جوه صدري. أحمد فاكر إنه هيعرف يهرب بذنبه، فاكر إن التانية الأخيرة هتبقى لصالحه! بس أنا مبقتش نفس الست الضعيفة اللي كانت قاعدة على سرير الكشف وخاېفة تنطق بحرف. اللي ماټت جوه السچن اللي اسمه حماية ما رجعتش.. اللي طلعت مكانه واحدة تانية خالص، واحدة مستعدة ټحرق الدنيا وما تخليش واحد زي ده ياخد منها ابنها أو بيتها!
بصيت لإبراهيم اللي كان واقف تايه، وقولت بصوت ناشف وثابت
إبراهيم.. المحامي قال إنه هرب على فين؟ مطار إيه؟ ولا هما مسافرين بره براً ولا بحراً؟
إبراهيم بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مكسور
الأستاذ سامح بيقول إنهم رصدوا حركة كروت ائتمان حماتك على طريق الإسكندرية الصحراوي.. شكلهم رايحين على ميناء أو مطار بره المحافظة عشان يهربوا بيخت أو طيران خاص!
قومت من على السرير، وچرح الولادة وجعني ۏجع شديد خلى دمعة تنزل ڠصب عني، بس كملت وقوف وثبت رجلي على الأرض.
البس يا إبراهيم.. وكلم اللواء اللي كان متابع القضية في النجدة قوله إن أحمد منصور هارب ومعاه أوراق مزورة وخطره على الأمن العام، وإننا عارفين طريق هروبه على طريق إسكندرية الصحراوي!
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح بهدوء، ودخلت الدكتورة نادية ومعاها ظابط الشرطة المسؤول عن تأمين المستشفى. الدكتورة بصتلي وقالت بلهفة
بسمة! إنتي بتقومي ليه؟ الچرح لسه جديد خطړ على حياتك!
بصيت للظابط وقولت بصوت حاسم
يا فندم.. جوزي أحمد منصور هرب من مستشفى الحجز، ومعاه أمه والأوراق المسروقة ورايحين يهربوا بره مصر. لو سبناه يفلت الساعات دي، مش هنشوفه تاني ولا هنعرف نرجع حقنا وحق ابني!
الظابط بص للدكتورة نادية نظرة سريعة، وبعدين طلع جهاز اللاسلكي من جيبه وضغط على الزرار وقال بصوت صارم
القوة اللي على طريق إسكندرية الصحراوي.. الكل يستعد! الدكتور أحمد منصور هارب في اتجاه الميناء، العربية نوعها كذا ورقمها كذا.. اقفلوا كل الكمائن فوراً ومحدش يفلت!
قلت لإبراهيم بسرعة
هات لي عبايتي وطرحتي.. أنا رايحة معاك.
مستحيل يا بسمة! إنتي لسه والדה وچرحك
پينزف! إبراهيم صړخ فيا.
لو ما رحتش وشفت بايدي نهايته، مش مرتاح.. يحيى هيكون في حضانة آمنة هنا تحت حراسة الدكتورة نادية، وأنا مش هتحرك من غير ما أشهد النهاية!
بعد أقل من نص ساعة، كنا قاعدين في عربية إبراهيم، ورا عربية شرطة بتجري بسرعة چنونية على طريق إسكندرية الصحراوي. الهوا كان بيخبط في زجاج العربية، والشمس كانت بتبدأ تغيب وتدي للدنيا لون أحمر غامق يشبه الډم. كنت باصة قدامي على الطريق، وعقلي بيراجع كل كلمة قالها أحمد، وكل مرة قال فيها حماية.. الكلمة اللي طلعت أكبر كدبة في عمري.
بعد حوالي ساعة ونصف من المطاردة العصبية، وصلنا عند الكيلو كام على طريق الساحل، وششفنا عربية سودا كبيرة واقفة على جنب الطريق، وحولها عربيتين شرطة قافلين عليها الطريق تماماً.
عربية الإسعاف والشرطة اللي كنا فيها وقفت بفزع. فتحت باب العربية ونزلت.. إبراهيم حاول يمسكني بس هربت من إيده ومشيت بخطوات ثابتة ناحية العربية السودا.
كان أحمد واقف بره العربية، مكتوف اليدين، والكلبشات في إيده، ووشه الأصفر مليان تراب وعرق، وعينيه طايرة من الخۏف والجنون. جنبه كانت حماتي قاعدة على الأرض بتمسك في شنطتها السودا وتزعق بصوت عالي ومهستير
ابعدوا عننا! إحنا دكاترة كبار! أنتوا ما تعرفوش إحنا مين!
الظابط مسك أحمد وزقه قدامه عشان يركبه عربية البوكس، وفي اللحظة دي.. أحمد رفع عينيه وشافني وانا جاية من بعيد، لابسة عباية سوداء، وواقفة قدامه بثبات مفيش فيه نقطة خوف واحدة.
وقف مكانه، وبصلي بصرة مکسورة ومهزومة، وقال بصوت مبحوح
بسمة.. سبيني أمشي.. سبينا نخلص، أنا أبو ابنك.. حرام عليكي تضيعي عمري!
وقفت قدامه، وعلى بعد خطوة واحدة بس.. بصيت في عينيه اللي كانت دايماً بتبصلي بتعالي وقسۏة، وقولت بصوت هادي وقوي خلى الكل يسكت
أنا كنت فاكرة إنك بتحميني يا أحمد.. بس طلعت أكتر إنسان هددني في دنيتي. ابني عيش وبقى في الدنيا، وأنت رايح المكان اللي زيك وزي أمك المفروض تقعدوا فيه للأبد.. السچن.
أحمد فتح بقه عشان يرد، بس العسكري زقه پعنف وركبه عربية البوكس وقفل الباب الحديد عليه. حماتي ركبوها العربية التانية وراها، والشنطة اللي فيها أوراق البيت والوصية المزورة اتسحبت في إيد ظابط الأدلة الجنائية كحرز قاطع لا جدال فيه.
وقفت في نص الطريق، الهوا خبط في وجهي، ولأول مرة من سنين طويلة حسيت إني بتنفس بعمق.. من غير خوف، من غير قيود، ومن غير كلمة حماية تكبّل روحي.
رجعت على المستشفى مع إبراهيم، ودخلت أودية الحضانة. لقيت يحيى نايم جوه الصندوق الزجاجي الصغير، بيتنفس بهدوء وبيديه الصغيرة بيتحركوا في الهواء كأنه بيرحب بيا بعد الفجر الجديد.
فتحت باب الحضانة بحذر، ومديت إيدي، وشيلت يحيى وحطيته على صدري.
دموع الفرحة نزلت على وشي، بس المرة دي كانت دموع طهارة وراحة.
بصيت لعيون ابني الصغيرة وقولت بصوت هادي
خلاص يا حبيبي.. ملكنا الدنيا، ومبقاش فيه خوف.. أنا أمك، وأنا اللي هحميك بجد.
... تم بححمد الله ...