رواية كاملة
المحتويات
حياتها وعلى الجنين!
أول ما سمعت جملته دي، ركبي سابت خالص. قعدت على الأرض جنب السرير.
ذهانات وتخيلات؟
افتكرت لما كان بيجبرني أوفق على إجازة طويلة من شغلي في المدرسة، ولما قال لأهلي في التليفون بسمة تعبانة شوية يا جماعة ونفسيتها مش مستقرة، بلاش تجولها الفترة دي عشان المحيط يبقالها هادي. كان بيرتب لكل ده من أشهر! كان بيقفل كل الحلقات حواليا عشان لما يجي اليوم ده، محدش يصدقني!
الدكتورة نادية ضغطت على زرار الفتح الآلي للباب الزجاجي.
صوت تك رفع القفل.
الباب اتفتح ببطء. أحمد دخل الخطوة الأولى، وشه أحمر ودمه فوراني، وعينيه تدور في المكان زي الصقر لحد ما اتثبتت عليا وأنا قاعدة على الأرض. حماتي دخلت وراه بثبات، حاطة الكوباية الفضة على الترابيزة اللي جنب الباب بمنتهى الهدوء كأنها في بيتها.
أحمد قرب مني بخطوات سريعة، ومسد إيده على الهواء كأنه بيهديني وقال بنبرة تمثيلية مرعبة
بسمة.. حبيبتي، تعالي معايا. يلا يا بابا.. نسيتي تاخدي دواكي النهاردة وعقلك بدأ يتخيل حاجات تاني؟ تعالي يا حبيبتي الأستاذة الدكتورة مش فاهمة حالتك.
مد إيده عشان يمسك دراعي ويقومني بالعافية، بس الدكتورة نادية وقفت في النص بيني وبينه، ورفعت موبايلها في وشه.
خطوة كمان يا دكتور أحمد، وهتكون بتعتدي على مريضة جوه عيادتي وعلى مرأى من كاميرات المراقبة وأفراد الأمن.
أحمد وقف، ضحك ضحكة مكتومة وصغيرة، وبص للدكتورة نادية احتقار
دكتورة نادية.. بلاش تدخلي في اللي مالكيش فيه. أنتِ مش عارفة حاجة. المدام ملفها الطبي عندي، بتعاني من اكتئاب حمل حاد مع هلاوس سمعية وبصرية. نسيت أقولك.. هي اللي كانت بتطلب الحقن بنفسها عشان خاېفة على البيبي!
بصيتله وأنا مش مصدقة، وحاولت أجمع صلب صوتي عشان أرد
أنا.. أنا عمري ما طلبت منك حقنة يا أحمد! أنت كنت بتقولي دي فيتامينات عشان النمو! وأمك.. أمك كانت بتجيبلي الكوباية دي كل يوم وتقولي اشربيها بالسيف!
حماتي بصتلي بأسف مزيف وقالت للدكتورة
شايفة يا دكتورة؟ بتتهم جوزها وأمه اللي شايلينها على كفوف الراحة. الكوباية دي فيها شاي أعشاب تهدي عصبها، هي اللي طلبتها الصبح لما هربت.
الدكتورة نادية ابتسمت نص ابتسامة وقالت بصوت هادي جداً يتحدى هدوءهم
جميل جداً يا مدام.. الكوباية على الترابيزة اهي، وأنا أخدت بصمات وعينة سريعة من المادة اللي فيها قبل ما تتدخلوا، والشرطة والأدلة الجنائية على بعد شارعين من هنا.
وش أحمد اتغير في ثانية. النظرة المتكبرة اختفت حل محلها خوف مكبوت وعينيه راحت بسرعة ناحية الكوباية الفضة.
أحمد حرك جسمه بفجائية عشان يوصل للكوباية وياخدها، بس فرد الأمن مسك كتفه. أحمد زقه بقوة وقال
أنت بتمد إيدك عليا يا جربوع أنت؟ الكوباية دي ملكي وحاجتي الشخصية!
في اللحظة دي، سمعنا صوت سيرينة
النجدة بتعلى تحت العمارة. الصوت كان بيدق في ودني زي طوق النجاة.
أحمد بصلي، ولأول مرة أشوف في عينيه الضعف اللي كان بيخبيه ورا كلمة حماية. قرب مني ووطى لمستوايا، وزعق بصوت واطي ومبحوح كأنه بيترجاني بس بأسلوب ټهديد
بسمة.. لو الكشف ده كمل، ولو الكلام ده طلع بره.. مش هتشوفي ابنك تاني. أنتِ فاهمة؟ الشقة بآسمي، والتقرير الطبي بحالتك النفسية متوثق من شهور مع دكاترة أصحابي.. هطلعك مچنونة ومحدش هيديكي العيل!
الكلمات نزلت عليا زي الخڼجر، مسكت في بطني جامد وحسيت بالطفل بيتحرك حركة سريعة ومضطربة كأنه حاسس بالخۏف معايا.
الدكتورة نادية قالت بصرامة
الټهديد ده يتسجل يا دكتور. الشرطة طالعة على السلم.
الباب الخارجي اتفتح، ودخل ظابط الشرطة معاه اتنين عساكر. المكان بقى زحمة فجأة، الضوء الأيض بتاع العيادة كان بيعكس على العساكر، وأحمد واقف بالبالطو الأبيض بتاعه اللي كان بيتباهى بيه، وحماتي ماسكة شنطتها الكلاسيك وبتحاول تداري الكوباية الفضة بوشها.
الظابط بص في الأوضة وقال
مين اللي طلب النجدة؟
الدكتورة نادية رفعت إيدها وقالت
أنا يا فندم. دكتورة نادية زكي، صاحبة العيادة. وبدعي إن الدكتور أحمد منصور وزوجته بيحاولوا يداروا على چريمة تسميم بطيء وتثبيط حمل لمريضتي اللي هي مراته، وعندي أثباتات وعينات اتسحبت وتحت التحليل.
الظابط بص لأحمد، وبعدين بصلي وأنا قاعدة على الأرض، هدومي متبهدلة وورق السرير الملزوق في رجلي مقطوع.
الظابط قال
اتفضلوا معانا كلكم على القسم لتفريغ الكاميرات وتحرير المحضر.
أحمد بص لأمه، وأمه بصلته. كانت أول مرة أشوف حماتي بتفرك إيدها بتوتر. أحمد حاول يتكلم بثبات
يا فندم أنا دكتور معروف، ودي زوجتي وفي خلافات عائلية..
الظابط قطعه بصوت حازم
الكلام ده في القسم يا دكتور. الاټهامات هنا مش خلافات عائلية، دي فيها شروع في إجهاض وجناية طبية. اتفضلوا قدامي.
وأنا بوم بمساعدة الدكتورة نادية، الموبايل المقلوب على الترابيزة اتهز تاني.
شاشة الموبايل أنارت.
كانت رسالة جاية على تليفون أحمد من رقم غير مسجل، والرسالة ظهرت على الشاشة المقفولة وعيني جتها بالصدفة وأنا معدية من جنبه
الدوزة الأخيرة لازم تاخدها النهاردة يا أحمد وإلا الوصية هتتلغي والبيت هيروح لبسمة رسميًا يوم الولادة.
وقفت مكاني.. ركبي اتقفلت.. بصيت لأحمد، ولأول مرة أفهم السر الكبير ورا كلمة حماية..
... يتبع في الجزء الثالث ...
وقفت متسمرة في مكاني، وعيني متثبتة على شاشة التليفون اللي كانت لسه منورة بالرسالة. الكلمات كانت زي كرباج نزل على ظهري الدوزة الأخيرة لازم تاخدها النهاردة يا أحمد وإلا الوصية هتتلغي والبيت هيروح لبسمة رسميًا يوم الولادة.
الوصية؟ البيت؟
كل حاجة في دماغي بدأت تترتب زي الكوابيس اللي كنت بشوفها وأصحى منها مڤزوعة. البيت اللي بنعيش فيه، بيت جدي الله يرحمه، اللي أحمد قنعني أكتبله توكيل إدارة كامل ليه أول ما اتجوزنا بحجة إنه بيحميني من مشاكل الورث مع قرايبي! كان دايماً يقولي إنتي طيبة يا بسمة وما بتفهميش في الأوراق والقضايا، سيبيلي البير وغطاه وأنا أحميكي.
أحمد لاحظ إن عيني جت على الرسالة. في ثانية واحدة، وش الصدمة اللي كان عليه تحول لوش واحد تاني خالص.. وش شيطان اتزنق في زاوية ضيقة. حاول يمد إيده بسرعة عشان يسحب التليفون من على الترابيزة، بس الظابط كان أسرع منه؛ مد إيده ومسك التليفون، وبص في الشاشة بعين فاحصة.
الظابط رفع حاجبه وبص لأحمد بنظرة كلها شك
مين اللي بيبعتلك الرسالة دي يا دكتور؟ وإيه موضوع الوصية والدوزة ده؟
أحمد ارتبك لأول مرة، وعروق رقبته نفرتش من الكتمة، بص للظابط وقال بصوت مبحوح بيحاول
يخليه طبيعي
يا فندم دي.. دي رسالة دعاية عشوائية! إعلانات بتيجي لكل الناس، إيه العلاقة أصلاً؟ وبعدين التليفون ده خصيصتي الشخصية، أنت معندكش إذن من النيابة لتفتيشه!
حماتي اتدخلت بسرعة، وصوتها الناعم اتحول لنبرة حادة وناشفة وهي بتبص للظابط بثقة مزيفة
يا حضرة الظابط، إحنا ناس محترمين وأحكام القانون عارفينها كويس. ابني دكتور كبير وله اسمه، والست دي تقصدني أنا من يوم ما حملت وهي عندها هلاوس ونوبات شك. الرسالة دي أكيد حاجة غلط أو حد بيبهزر، ما تضيعش وقتنا في كلام فارغ!
الدكتورة نادية حطت إيدها على كتفي عشان تسندني، وقالت بصوت قوي وواضح هز الأوضة
يا فندم، التليفون ده حرز في مسرح چريمة. والرسالة بتتكلم عن دوزة يعني جرعة! والتحاليل اللي هدى الممرضة أخدتها على المعمل دلوقتي هي اللي هتحدد إيه الجرعة دي بالظبط. وأنا بدعي كطبيبة مشرفة على الحالة إن المړيضة بتتعرض لمشروع قتل عمد أو شروع في إجهاض قسري لمآرب مادية!
أنا كنت حاسة إن الأرض بتدور بيا. الحقيقة كانت أتقل من إن عقلي يستوعبها. الراجل اللي كنت بنام جنبه في سرير واحد، اللي كنت ببتسملو لما يجيبلي كوباية المية، اللي كنت بمسك إيده وأنا بخاېف من صوت الرعد.. كان بيحسب أيامي بالجرعة! كان بيسقيني السم كل صباح في كوباية فضة، بابتسامة أمه المسمۏمة، عشان يجبرني أجهض أو أموت قبل ما أكتشف إن البيت حق شرعي ليا ولابني!
الظابط بص للمشهد كله، وبعدين حط التليفون في كيس بلاستيك شفاف وأشر للعسكري
هات التليفون ده مع الأحراز. وتحفظ على
متابعة القراءة