فى حفله خطوبه اخويا اللى انا دفعت تمنها
كانت على وشه من شوية اتقلبت لشيء يشبه الخوف والدهشة مع بعض.
أما ليلى، فكانت ماسكة السلسلة بكل قوتها، كأنها خايفة تضيع منها، أو كأنها بتحس إنها مش بتاعتها من الأساس، ووشها بقي أبيض زي الورق، وعيونها بتتحرك بسرعة بين الشاشة وبيني وبين أبوها، ومش عارفة تثبت عينها في مكان واحد. وفؤاد أبوها كان لسه ماسك الكأس في إيده، وشفاهه متحركة ببطء بس مش بيطبع أي كلام، وكل ما كان بيشوف سطر جديد في الكشوفات كان جسمه بيترعش شوية، ويده اللي ماسك فيها الكأس بدأت تترجف لدرجة إن الشمبانيا بدأت تسقط منها على سترة الفستان اللي كان لابسه.
أمي كانت جالسة في نص الكنبة الكبيرة، وكل ما كانت تقرا كلمة جديدة كانت راسها بتخفض شوية، وعيونها بتملا دموع ببطء، ويدها اللي كانت بتلعب بالخاتم في صوباعها وقفت فجأة، وبصت لي بكل دهشة وندم، وكأنها أول مرة تعرف إن اللي كانت بتقول عليه بركة من السماء وحظ عيلتنا ما كانش غير تعب سهر وتضحيات مني أنا، اللي كانت بتعتبرني دايماً الصغيرة اللي محتاجة نرعاها لحد ما اكتشفت إنها هي وعيلتي كلهم اللي كانوا مرتاحين بفضل تعبي ومشقتي.
ما انتظرتش حد يسأل، ولا حد يفسر، مشيت خطوات قدام ببطء، وكل عيون القاعة كانت متتبعة كل خطوة بعملها، وكأنهم مش عارفين مين أنا ولا لسه بيكتشفوا حاجة جديدة كل ما أتحرك. وقفت قدام الميكروفون اللي كان فؤاد بيستخدمه من دقايق، وسكت شوية لحد ما اتأكدت إن كل واحد في القاعة سامعني، وقلت بصوت واضح وهادي، مش عالي ولا صاخب، بس واصل لكل ركن في القاعة
السنين دي كلها، ما قلتش لحد حاجة. كنت بقول لنفسي ده واجبي، ده حب لياكُم، ده العيلة اللي لما تتعب بيجي دورها ترتاح. كنت باخد من وقتي، من راحتي، من أحلامي، عشان أكون مطمنة إنكم مش محتاجين حاجة، إن البيت مفيهوش غلابة، إن كريم يقدر يكمل دراسته، إن أمي تقدر تعمل العمليات اللي كانت محتاجاها، إن أبويا لو تعب يلاقي فلوس للعلاج من غير ما يطلب من حد. وكنت بعمل كل ده من غير ما أسأل كلمة شكر، ولا أطلب نظرة تقدير، ولا حتى أريد إنكم تعرفوا إني أنا اللي بعملها. كنت راضية بالخفاء ده، كنت شايفة إن الحب مش بيحتاج لظهور ولا لشهادة من حد.
سكت شوية، وبصت لكريم اللي كان عيناه مملوءة دموع ومش عارف ينطق بحرف، وكملت دفعت تكاليف دراستك الجامعية كلها يا كريم، لحد ما تخرجت. دفعت تكلفة الشقة اللي كنت عايز تشتريها من سنين، وسددت القسط كل شهر من غير ما تعرف. دفعت تكلفة العيادة اللي كنت بتحلم تعملها، لحد ما جهزتها بالكامل. وحتى الحفلة دي، اللي انت واقف فيها مبسوط، واللي كل الناس بتقولك مبروك عليها، تمنها كله من تعبي، من سهر الليالي، من شغل النهار والليل، من كل لحظة كنت بفضلها وحيدة عشان انت تفضل مبسوط ومريح.
كريم حاول يتكلم، قال بصوت متهدج يا ندى أنا أنا ما كنتش أعرف كنت فاكر الفلوس دي جاية من ورث جدو، أو من استثمار قديم لأبويا
رديت عليه بكل هدوء أنا ما لومتكش إنك ما عرفتش أنا اللي اخترت أكون خفية، أنا اللي اخترت ما أقولش لحد حاجة. بس اللي ألومه، اللي بيألمني بجد، إنكم طول السنين دي كلتم، وارتحتوا، وعيشتوا أحسن عيشة، وما سألتوش نفسكم مرة واحدة منين الجاية كل ده؟. ما سألتوش عليا، ما عرفتوش أنا عايشة إزاي، أنا بناكل إيه، أنا بنام كام ساعة في اليوم، ولا حتى لقيتوا وقت تسألوني هل أنا محتاجة حاجة ولا لأ. كنتوا بتاخدوا كل حاجة على إنها حق ليكم، وإنما أنا مجرد حد موجود في الخلفية، يخدم ويصرف ويمشي، وما لوش حق يطلب حاجة ولا حتى يقعد جنبكم.
بعدت بصي عنه، وبصت لليلى اللي لسه ماسكة السلسلة بيدها المرتعشة، وقلت السلسلة دي مش مجرد حلي غالي ولا شكل حلو. دي كانت أمانة من جدتي، رحمة الله عليها، قالتلي إياها وهي في آخر أيامها، وقالتلي إنها ليا أنا تحديدًا، عشان عرفت إن أنا الوحيدة اللي هحافظ عليها، واللي هتخليها لقيمتها المعنوية مش لتمنها الذهبي. قالتلي السلسلة دي هتبقى ليكِ عشان ما تبيعها أبدًا مهما كانت الظروف، وعشان تذكروك دايماً إنك أغلى من أي تمن، وإنك مش خدامة ولا تابعة لحد، وإنتِ بنت أصل وكرامتها غالية. وانتِ جيتي يا ليلى، واخدتيها من غير ما تسألي، ولبستيها كأنها حقك، وقلتي لي كلام ما يقولوش حد حتى للغريب، فضلاً عن اللي كان هتبقى أختك.
ليلى فتحت فمها عشان ترد، بس ما طلعش منها أي صوت، وبصت لأبوها كأنها تطلب منه المساعدة، بس فؤاد كان واقف ساكت، عيناه في الأرض، مش عارف يرفع راسه من الخجل والخزي مع بعض. سألته بصوت واصل لكل القاعة وأنت يا سيد فؤاد، كنت بتقول في الممر من شوية إنكم عايزين تخلصوا الجواز بسرعة عشان السيولة اللي عندكم خلصت، وعشان تسترجعوا وضعكم المادي اللي اتدمر، وإنكم كنتوا فاكرين إن عيلة كريم عندها فلوس كتير تقدر تساعدكم. صح الكلام ده ولا لأ؟
فؤاد رفع راسه ببطء، وشاف كل العيون بتتفرج عليه، بعضها بدهشة، وبعضها باحتقار، وبعضها بترقب، فتنهد بصوت تقيل وقال صح نعم كنا في ضائقة مادية كبيرة، وتجارتنا خسرت كتير في الفترة الأخيرة، وكنا فاكرين إن العيلة دي ميسورة الحال، وإن كريم لسه هيرث ورث كبير قريب، فقلنا إن الجواز ده هيكون حل مناسب للطرفين بس ما كنتش أعرف إن كل ده قائم على تعبك وحدك يا بنتي، ولا كنتش أعرف إننا بنعتمد على حاجة مش بتاعتنا أصلاً.
سكت شوية، وكملت بعد ما شفت الناس بدأت تفهم كل الحكاية الملف اللي بعده بيظهر كل تفاصيل وضع عيلة الشناوي المادي، الديون المستحقة عليهم، القروض اللي ما سددوهاش، والشيكات المرتجعة اللي عندهم من سنين. كل ده معلومات رسمية وموثقة، ومش هنا هدفنا نكشف سر ولا نفضح حد، بس عشان الكل يعرف الحقيقة كاملة، ومش يبقى حد يضحك على التاني، ولا حد يستغل ثقة التاني لغاية في نفسه.
رجعت بصت لأمي، اللي كانت دموعها بتنزل بغزارة، وقلت لها بصوت أرق شوية يا ماما، أنا ما كرهتكش، ولا بحقد عليكِ. بس اللي وجعني إنك دايماً كنتي تفضلي كريم عليا، وكل حاجة حلوة كانت ليه، وكل تعب ومسؤولية كانت عليا. كنتي بتقولي إن الولد لازم يكون في المقدمة، وإن البنت تفضل في الخلف، وتخدم وتساعد وما تطلبش. وكنت أطيعك، وكنت أصدقك، لحد ما جيت اللحظة دي، وعرفت إن الكرامة مش بتفرق بين بنت وولد، وإن الحب مش يعني إنك تضحي بكل حاجة عشان التاني ياخد كل حاجة.
أمي حاولت تقف، بس رجعت جلست تاني، وقالت بصوت باكي ومتهدج سامحيني يا ندى سامحيني يا بنتي كنت غبية، كنت عمياء، ما شفتش الحقيقة إلا دلوقتي،