جبت ولد جعان بيتى ليله واحده بس

لمحة نيوز


ودفن وشه بين ركبتيه، وقال بصوت خافت هو مش قلقان عليا... هو قلقان عشان مفيش حد ياخد مكانه. هو مش عايزني أنا، هو عايز الوريث بس.
الكلام ده ضربني في قلبي، بصيت لشريف وسألته مين الأستاذ غالب ده؟ وايه اللي يخلي الطفل ده يهرب من أبوه بهالطريقة، ويخاف منه لدرجة إنه ما يثقش حتى برجاله؟
شريف تنهد، وبص للباب أولًا كأنه بيتأكد إن ما حدش سامع، وبعدين قعد على حافة الكنبة القديمة، وبدأ يتكلم ببطء، كأنه كل كلمة بتكلفه مجهود كبير
غالب الحداد هو من أكبر رجال الأعمال في مصر كلها، وكل الناس بتعرف اسمه، بس قليل منهم اللي يعرف الحقيقة وراء نجاحاته. هو بدأ من الصفر، بس مش بالطرق السهلة اللي بنعرفها. كان بيشتغل مع ناس قوية، وبنى إمبراطوريته على حساب تضحيات كتير، بعضها مش شرعي، وبعضها كان بيتطلب منه ينسى المشاعر كلها. لما ماتت زوجته، أم كريم، من خمس سنين، تغير تمامًا. كان بيحبها أكتر من أي حاجة في الدنيا، ولما راحت، حس إنها خدت معاه كل الخير اللي كان جواه. من يومها، حط كل تركيزه على كريم، بس بطريقة غريبة قوي. هو مش عايزه طفل، هو عايزه نسخة منه، قادر يحمل المسؤولية، يقود الشركات، يواجه الأعداء، وما يضعفش أبدًا. كان بيحطه تحت ضغط مستمر دروس ليل ونهار، تدريبات قتال، تعامل مع رجال الأعمال من وهو عنده سبع سنين، ومش بيسمح له يضحك كتير، ولا يلعب، ولا حتى يصادق حد عشان الناس بتستغل النعومة زي ما بيقول.
سكت شريف شوية، وشرب شوية ماء من الكوب اللي قدمته له، وكمل
قبل أسبوع، حصل مشكلة كبيرة. غالب اكتشف إن فيه ناس قريبين منه، حتى من أهله، بيخططوا يسرقوا كل ما بناه، وبيستخدموا كريم كورقة ضغط. عرف إنهم هيروحوا يوصلوا له في أي وقت، فقرر إنه يخلي كريم يختفي لحد ما يخلص الموضوع، بس ما قالوش السبب. كريم شاف الكلام ده غريب، وسمعهم بيتكلموا عن التضحية والبديل، ففهم غلط، واعتقد إن أبوه هو اللي بيتفق معاهم، وإنهم هيتخلصوا منه عشان ياخدوا المكان. فليلة أمبارح، لما كان الحراس مشغولين بحركة غريبة بره، فتح الشبشب وهرب، ومش عارف وصل لحد هنا ازاي، غير إن الرزق جابه لبيتك يا آنسة سارة.
بصيت لكرم، ولقيته رفع راسه شوية، وعينيه بتتبع الكلام، وكأنه بيتأكد إن اللي شريف بيقوله ده صحيح، وقلت يعني هو مش عايز يأذيه؟
أبدًا، رد شريف بسرعة، غالب مستعد يدفع نصف ثروته عشان يوصله سالم. بس مش عارف يوصل له بالطريقة الصحيحة. هو مش عارف يتكلم عن المشاعر، مش عارف يقول لابنه إنه خايف عليه، مش عارف يظهر الحب، فكل اللي بيعمله بيظهر كأنه قسوة وضغط.
سكتنا تاني، وفكرت كتير. لو سلمته لشريف، هيرجع لبيت كبير، عنده كل حاجة يتمناها، بس هيرجع لخوفه، لضغط ما يطاق، لشعور إنه غير مرغوب فيه. ولو خليته معايا، أنا مش عارفة أحميه من ناس قادرين يصلوا لأي مكان، مش عارفة أتحمل مسؤولية طفل من النوع ده، ومش عارفة حتى إذا كان الأب هيسكت ويسمح لي أحتفظ بولده. وبعدين بصيت لكرم وقلت
عايز تروح؟ ولا عايز تفضل معايا شوية لحد ما نفهم كل حاجة؟
كريم فكر دقيقة، وبعدين قام ببطء، ومشى لحد جنبي، ومسك إيدي الصغيرة بإيده اللي كانت لسه بترتعش، وقال بصوت صغير بس واضح عايز أشوفه، بس مش عايز أروح معاه من غير ما أتأكد إنه مش هيعمل حاجة وحشة. وعايزه يعرف إني طفل، مش حجر بيحطه مكان ما عايز.
شريف ابتسم أول مرة، وقال حاضر يا سيدي. هو بره في السيارة، خايف يدخل عشان ما يزعجك، وعشان ما يخوفك أكتر. عايزه يجي؟
كريم هز راسه ببطء، وقال تعالى بس.
الجزء الثالث لقاء الأب والابن
بعد دقائق سمعنا خبط خفيف على الباب، وشريف قام وفتح، ووقفت أنا وكرم وراه. أول ما شفت الراجل اللي دخل، عرفت لما كريم كان خايف. كان طويل القامة، كتفيه عريضتين، وشعره رمادي شوي، وعنده عيون حادة سوداء زي عيون كريم بالظبط، بس فيها تعب وقلق ما كانش باين على أي حد تاني. كان لابس بدلة سوداء بسيطة بس غالية، وكل خطوة بيمشيها كانت بتوحي بثقة وقوة، بس لما شاف كريم، كل القوة اختفت فجأة، ووقف مكانه كأنه شاف شبح.
ما تكلمش كلام كتير، بس خطف خطوة سريعة، وبعدين توقف كأنه خايف إن الطفل يهرب تاني، وقال بصوت مهزوز لم أتوقعه أبدًا من راجل بكل هيبته يا ولدي... كريم... أنا آسف. آسف إنك خفت مني، آسف إنك فهمت غلط، آسف إن ما قلتلكش الحقيقة من الأول.
كريم كان واقف متجمد، وبص لأبوه كأنه مش عارف يصدق اللي بيسمعه، وبعدين سأل بصوت خافت أنت مش عايز تخلص مني عشان تفضل آمن؟ سمعتك بتقول لعمي لو بقى كريم هنا هيكون خطر علينا كلنا.
غالب ضحك بمرارة، ومسح دمعة سقطت منه غصب عنه، وقال يا روحي، اللي كنت بقوله إن الخطر هو اللي هيجي لك لو فضلت معاهم، مش إنك أنت الخطر. كان عمك عزمي بيحاول يخطفك عشان يضغط علي، وكنت عايزك تروح لمكان آمن بعيد لحد ما أخلص منه، بس كنت
 

تم نسخ الرابط