رواية كاملة
بيحاول يحذر، وكل واحد كان بيتجاهله عشان خايف أو مش عايز يسمع.
شريف الديب رفع راسه وقال بكل حسم
من اللحظة دي، ممنوع أي حد يدخل الأوضة دي غير الممرضة ندى شريف والدكتورة منى عادل. أي دكتور أو ممرض تاني بيقرب من هنا بيكون مسؤول عن أي حاجة تحصل. وتابعوا كل كاميرات المستشفى، وشوفوا مين اللي دخل وطلع من أوضة العلاج دي قبل وصول الباشا.
يارا حاولت تعترض
ده مش منطقي! أنا خطيبته، ولازم أكون موجودة معاه!
رد عليها شريف بنظرة باردة ما شافتش منها خوف
الباشا هو اللي اختار مين اللي يكون معاه. وإن شاء الله لما يتحسن، هو اللي يقرر كل حاجة. دلوقتي، سلامته أولوية لكل واحد هنا.
سحبت يارا أنفاسها بغضب، وبصت لندى بنظرة كأنها بتوعدها بشر، وطلعت من الأوضة بخطوات سريعة، ووراها مدير المستشفى والدكتور كريم اللي وشه كان أصفر من الخوف. لما فضلوا ندى وعمر وشريف والدكتورة منى، قربت ندى من السرير شوية وقالت
ممكن أغير الضمادة وأتأكد من الجرح؟ مش هعمل أي حاجة غير لو سمحت.
عمر رمش مرة ببطء، وهدأت عضلات وجهه المتوترة أول مرة من لما وصل المستشفى.
الفصل الثاني الماضي اللي ما حدش يعرفه
بعد ما انتهت ندى من فحص الجرح وتغيير الضمادة، وتأكدت إن مفعول الدوا الآمن بدأ يهدأ ألمه، طلب شريف من الدكتورة منى تروح تجهز كل الأوراق والتحاليل، وفضل هو وندى في ركن من الأوضة بعيد عن السرير شوية.
بص لها بتركيز وقال
أنتِ عرفتي منين إن الدوا ده غلط؟ الملف الحديث ما كانش مكتوب فيه أي كلام عن الحساسية دي.
ندى لعبت بزاوية ملابسها بقلق، وقالت بصوت خافت
الملف القديم اللي موجود في أرشيف المستشفى، من لما جاله إصابة من قبل من سنين، كان مكتوب فيه بوضوح. كنت بقرا كل ملفات المرضى اللي بيجولي بتركيز، عشان ما يصيرش غلط. ولما شفت العبوة، لقيت الكتابة عليها مختلفة شوية، والغطا لونه أغمق من اللي بنستخدمه عادة. وحسيت إن في حاجة غريبة، فطلبت أتأكد قبل ما أعطيه.
سكتت شوية، وبعدها كملت بابتسامة حزينة
طول عمري ما حد بيعطيني اهتمام، ولا حد بيسأل رأيي، فكنت بعوض ده بإن أكون دقيقة جدًا في شغلي. عشان لو في يوم حصل غلط، أكون أنا اللي منعته، مش اللي سببته.
شريف هز راسه بتفهم، هو عارف كويس معنى إنك تكون محسوب إنك مش مهم، وإن الناس بتتجاهلك عشان ظاهرك أو عشان ظروفك. قال
الباشا عمر ما بيتكلم كتير، ولا بيعبر عن اللي جواه، لكن عينيه ما بتكذب. هو شاف فيكِ شيء ما شافوش في غيرك، وده شيء نادر جدًا. احذري، اللي حصل النهاردة خلّاكِ في مرمى ناس كتير مش عايزين الخير له، وخصوصًا اللي كان وراء تبديل الدوا ده.
ندى شعرت برعشة خفيفة في جسمها، لكنها قالت بثبات
أنا مش خايفة. ما عملتش حاجة غلط، والحق لازم يظهر. وأنا هفضل جنبه لحد ما يتحسن، وكل ما يطلبه واجب عليّ أقدمه.
عمر كان لسه صاحي، وسمع كل الكلام ده، وابتسم ببطء لأول مرة، وإن كانت ابتسامة ضعيفة ومتعبة، لكنها وصلت لندى ودفأت قلبها.
في الصباح الباكر، لما بدأت أشعة الشمس تدخل من شباكيك الأوضة، دخلت ندى بترمس الشاي الخفيف والطعام المهروس اللي المفروض يتناوله، ولقت عمر بيبص للباب منتظرها. قربت منه وقالت بابتسامة لطيفة
صباح الخير يا باشا. الحمد لله على سلامتك. ممكن تشرب شوية شاي؟ الدكتورة قالت إنه مسموح بكام رشفة بس.
عمر رمش مرة، ومد إيده ببطء عشان ياخد الكوب منها، ولما لمست إيدها إيده، شعرت بدفء غريب، وإن الثقة بينهم بقت أقوى من أي كلام. وهو شاف في عينيها راحة ما شافهاش في عين أي حد قربه طوال حياته، لا في خطيبته يارا، ولا في أهله، ولا حتى في أصحابه.
بدأت تسترجع في ذهنها ما تعرفه عنه إن عمر السيوفي ورث أعمال والده من صغره، وإن الناس بتسميه زعيم مافيا عشان أعماله الكبيرة في التجارة والبناء، وإن له نفوذ واسع، لكن ما حدش يعرف إن معظم أعماله مشروعة، وإن اللي بيتقال عليه كتير منه افتراء من أعدائه اللي بيخافوا من نفوذه وبيحاولوا يضروا به بكل طريقة. وإن حياته كانت مليئة بالخطر، وإن ما لقاش أحد يفهمه أو يسمعه بصدق من زمان طويل.
الفصل الثالث الأسرار والتهديدات
في نفس الوقت، كانت يارا فؤاد جالسة في مكتب مدير المستشفى، وبصوت حاد ومليء بالتهديد بتتكلم
أنت فاهم يعني إيه إن الممرضة دي تفضل مسؤولة عنه؟ ده ممكن يضر بكل سمعتنا! ووالدي ما هيرضى بده أبدًا.
مدير المستشفى كان متوتر جدًا، وقال بصوت متردد
يا ست يارا، أنا ما أقدرش أعمل حاجة. السيد شريف الديب هو اللي أمر كده، وكلنا نعرف نفوذ السيد عمر السيوفي. ولو حصل له أي حاجة، حياتنا كلها هتكون في خطر. والدكتورة منى أثبتت إن الممرضة كانت عندها حق، وإن الدوا ده كان ممكن يقتله.
ضربت يارا بيدها على المكتب بغضب
أنا مش عايزة أسمع الأعذار! لازم تغيروا الموضوع ده، وتجيبوا دليل إنها غلط، أو إنها هي اللي بدلت الدوا عشان تظهر نفسها!
هز مدير المستشفى راسه بقلق
ده مش سهل يا ست يارا. الكاميرات أثبتت إن الدكتور كريم هو اللي جاب العبوة، وما حدش لمسها غيره وغير الممرضة ندى لما وقعتها. وتحاليل الحقنة والعبوات كلها موجودة كدليل.
خرجت يارا من المكتب وهي مشتعلة من الغيظ، واتصلت بحد ما، وقالت بصوت منخفض مليء بالشر
الخطة فشلت. الممرضة دي وقفت في طريقنا. لازم نتصرف بسرعة، قبل ما تفتح فمها وتقول حاجات تضرنا.
في الأوضة، لاحظت ندى إن عمر أصبح متوتر، وإن قلبه بيدق أسرع من الطبيعي. قربت منه وقالت بهدوء
في حاجة بتضايقك؟ تقدر تقولي لو عايز أي حاجة، أو لو في حد بيزعجك.
بص لها بتركيز، وحرك إيده ببطء على السرير، كأنه بيحاول يكتب حاجة. فهمت قصده، فجابت ورقة وقلم، وحطتها قدامه. أخذ القلم ببطء وبصعوبة، وكتب كلمات صغيرة خطر. احذري.
قرأت الكلام، ورفعت راسها له بابتسامة واثقة
شكرًا على التحذير. وأنا قلتلك من الأول، مش خايفة. وإن شاء الله ما يصيرش لنا أي مكروه.
كتب تاني يارا. مش كما تظنين.
فهمت تمامًا قصده، وردت ببطء
أنا عرفت من أول ما شفتها. إنها مش مهتمة بسلامتك، إنها مهتمة بمصالحها بس. ولا تقلق، مش هسمح لها تضرك أبدًا.
من ذلك اليوم، صارت ندى ما تترك الأوضة إلا لضرورة، وكل ما تخرج شوية يكون شريف أو أحد رجالته بيبقى قريب من الباب. وكل يوم كان عمر يتحسن شوية، وكل يوم كان يتكلم أكتر، ويحكي لها أشياء من حياته، وكل ما يحكي كانت تستمع له بكل اهتمام، ما تقاطعهش ولا تحكم عليه، وده اللي خلاها تقرب منه أكتر وأكتر.
حكى لها كيف إن والده مات وهو صغير، واضطر يتحمل مسؤولية العائلة والأعمال من سن مبكر، وكيف إن الناس كانت بتخاف منه وتبعد عنه، وإن ما لقاش أحد يهتم بيه كإنسان، لا كرجل أعمال ولا كزعيم عائلة. وكيف إن خطوبته ليارا كانت