ابنى قال ماما مش هتقدر تامنلى مستقبلى
شكل. هو مش عارف إني أقدر أتصل بيكي، ولا عارف إني عارف كل حاجة عنه. متقلقيش عليا، أنا عارف أتعامل معاه، وعارف أتصرف بحذر. بس إنتي خليكي حذرة جداً، واعرفي إن الفلوس دي مش بس فلوس، دي دليل إثبات ضده، ودي حقنا اللي سرقه منا، ودي اللي هتخلينا نعيش أحرار من غير ما يتحكم فينا ولا يخوفنا أبداً. هكلمك تاني أول ما أقدر، ومترديش على أي مكالمة من أرقام غريبة، ومتقوليش حاجة لأحد أبداً.
وقفل الرسالة من غير ما يسمح لي أرد تاني، وعرفت إنه لازم يخلي الموبايل عشان ما يكتشفه شريف. جلست أسترجع كل كلمة كتبها لي، وكل حاجة قالها، وكل حاجة حصلت من أول البداية لحد دلوقتي، وكل حاجة اتضحت قدامي زي النهار، وعرفت إن كريم مش مجرد ولد صغير، هو راجل بكل معنى الكلمة، وهو اللي بيحميني دلوقتي بدل ما أنا اللي بحميه.
الفصل الخامس المواجهة والحقيقة الكاملة
الأيام اللي جت كانت أيام صعبة جداً، كنت عايشة بين أمل وخوف، بين رسالة تيجي من كريم تفرحني، وبين تهديدات تيجي من شريف أو من ناس تانية ما أعرفهمش تخليني خايفة من كل حاجة حواليا. لكن كنت متمسكة بكل أمل، ومتمسكة بالوعد اللي بيني وبين كريم، ومش هسمح لأحد يفرق بيننا تاني أبداً.
في اليوم السادس، جتني رسالة من كريم يقول لي فيها إنه جمع كل الأدلة، وإن فيه أوراق ومستندات تثبت كل حاجة، وإن فيه تسجيلات لمكالمات شريف مع الناس اللي كان بيشتغل معاهم، وإن كل حاجة جاهزة، وإن لازم نروح للمحامي ونقدم البلاغ للنيابة العامة في الصبح التالي، وطلب مني أكون جاهزة وأجيب معايا الكارت الأسود وكل الرسائل اللي بيني وبينه.
كنت فرحانة ومتوترة في نفس الوقت، وكنت عارفة إن الغد هو يوم الحساب، يوم الحقيقة اللي كنت بانتظارها من سنين. وفعلاً في الصبح الباكر، لقيت كريم واقف قدام البيت، لسه لابس نفس الملابس اللي كان لابسها لما سافر، لكن وشه كان مشرق ومليان أمل، ولما شافني ركض ناحيتي وقلبي كان بيفرح من الفرحة اللي ما توصف.
قال لي أخيراً يا ماما، أخيراً هنرجع نعيش مع بعض، ولا حد يقدر يفرق بيننا تاني.
قلت له وأنا مسحة دموع الفرحة من عيوني أيوه يا حبيبي، أخيراً. أنا فخورة بيك جداً، فخورة لدرجة ما تتخيلها.
رحنا مع بعض للمحامي اللي كنت تعرفه من سنين، وعرضنا عليه كل الأدلة وكل الحكايات، وكل كلام كريم كان منطقي ومترابط ومتوافق مع كل ما كنت شوفه وأسمعه، والأدلة كانت قوية جداً لدرجة إن المحامي قال لنا إن القضية هتكون من أسهل القضايا، وإن شريف هيلاقي نفسه مسجون ومحروم من كل حاجة سرقها.
وقدمنا البلاغ للنيابة، والتحقيق بدأ بسرعة، ولما استدعوا شريف لما سمع كل الأدلة وشاف كل المستندات وشاف إن كريم هو اللي جمع كل ده، انهار تماماً واعترف بكل حاجة اعترف إنه كان بيشتغل في تجارة ممنوعة، واعترف إنه سرق الفلوس دي من شركائه، واعترف إنه كان عايز يأخذها مني عشان يرجعها لهم وينقذ نفسه، واعترف إنه كان بيكذب في كل حاجة في المحكمة، واعترف إنه ظلمني وظلم كريم في كل حاجة.
وصلت النيابة لقرارها بسرعة، تم سجن شريف، وتم الحكم بعودة كل الحقوق المسروقة لأصحابها، وتم الحكم بعودة حضانة كريم لي تماماً، وتم الحكم بدفع شريف لي كل النفقات والحقوق اللي كان حرمني منها طول السنين، والفلوس اللي كانت معانا تم تخصيص جزء منها لصالح الأعمال الخيرية، والجزء التاني اتعمل له حساب باسم كريم لضمان مستقبله، والباقي كان كفيل نعيش حياة كريمة ومستقرة من غير ما نحتاج لأحد.
الفصل السادس الحياة اللي بدأت من جديد
مرت الأشهر والأيام، وبدأت حياتنا ترجع لطبيعتها، لكنها كانت طبيعة مختلفة، طبيعة مبنية على الحقيقة والثقة والكرامة اللي كنا محرومين منها طول سنين. رجعنا نعيش مع بعض في الشقة اللي كنت بحبها، وبدأت أشوف كريم وهو يكبر ويتعلم ويحلم بكل حاجة جميلة، وكل يوم كان يثبت لي إنه رباه صح، وإن كل التعب والآلام اللي شفتها كانت تستاهل كل لحظة منها.
كان كريم بيقول لي دايماً كنت عارف إنك هتستحملي كل حاجة عشان خاطري يا ماما، وكنت عارف إنك هتكوني أقوى من أي توقع.
وأنا كنت أرد عليه أنا ما كنتش أقدر أكون قوية لوحدي يا بني، أنت اللي أعطيتني القوة، أنت اللي أثبت لي إن الحق مهما طال بياخد مجراه، وإن الظلم مهما كبر لابد ينتهي.
كنا بنعيش حياة بسيطة لكنها مليانة بالسعادة والطمأنينة اللي ما كانتش تقدر الفلوس تشتريها أبداً. كريم رجع لمدرسته، وبدأ يلعب مع أصحابه ويضحك ويتكلم زي أي ولد في سنه، وبدأت أشوف الضحكة الحقيقية اللي كانت مخفية ورا كل الحزن والخوف اللي كان بيعيشه. وأنا كنت شغالي ومستقرة، ومش عايزة أي حاجة تانية غير إن ابني يكون سعيد، وإننا نعيش في سلام وأمان.
وبعد فترة طويلة، سألت كريم إزاي قدر يعمل كل ده لوحده وهو لسه صغير، وكيف قدر يوصل لكل المعلومات والأدلة، وكيف قدر يعمل كل الخطوات دي من غير ما حد يحس. قال لي بكل بساطة وابتسامة على وشه كنت بشوف كل حاجة واسمعة كل حاجة يا ماما، وكنت شايفك بتتألمي ومش عارف أساعدك، فقررت أعمل كل ما أقدر عليه. كنت بقرأ كتب كتير وأشوف برامج عن القوانين والحقوق، وكنت أتكلم مع ناس أثق فيهم عشان أفهم إزاي أتصرف، وكنت دايماً أقول لنفسي لازم أكون قوي عشان أحمي ماما زي ما هي كانت بتحميني طول عمرها. وكل حاجة جت في وقتها، وكل خطوة خطيتها كانت بتفضل تؤدي للتانية لحد ما وصلنا للنتيجة دي.
عرفت في اللحظة دي إن الأبن مش بس اللي بنربيه، هو كمان اللي بيعلمنا معنى الحب والشجاعة والصمود، وإن الحب الحقيقي بين الأم وابنها هو اللي يقدر يغير كل حاجة، وينتصر على كل ظلم، ويجعل المستحيل ممكناً.
واليوم لما أنا شايفة كريم وهو بيكبر قدامي، وكل يوم بيزيد حكمة وذكاء وأخلاق، بعرف إن كل شيء بيحصل لسبب، وإن كل محنة فيها منحة، وإن ربنا مش بيسيب حق مظلوم، ولا بيسيب طفل بيحاول ينصر أمه يضيع مجهوداته. وكل ما أشوف الكارت الأسود اللي لسه محتفظة بيه كذكرى، أتذكر كل ما مررنا بيه، وأشكر الله على كل شيء، وأعرف إن الحياة بدأت لينا من جديد، وإن المستقبل كله خير بإذن الله.