ابنى قال ماما مش هتقدر تامنلى مستقبلى
ابني كريم، عنده ١٣ سنة، وقف قدام القاضي وبصلي في عيني وقال ماما مش هتقدر تأمنلي مستقبلي... وقتها طليقي الغني ابتسم وهو فاكر إنه كسرني خلاص. لكن بعد كام يوم، وإحنا في المطار، كريم حط في جيب البلطو بتاعي كارت أسود وهمسلي ماتعيطيش... واستنيني.
دي كانت آخر كلمة سمعتها منه قبل ما يدخل من بوابة السفر ويختفي ورا الأمن.
، لدرجة إني كنت حاسة بدقات قلبه. وعلى بعد كام خطوة، طليقي شريف كان ماسك موبايله بكل برود، وعلى وشه ابتسامة واحد متأكد إنه كسب قضية الحضانة زي ما كان مخطط.
أي حد كان هيشوف المشهد هيقول دي لحظة وداع مؤلمة بين أم وابنها اللي اختار يعيش مع أبوه. لكن الطريقة اللي كريم كان ماسكني بيها كانت فيها خوف واستغاثة، ولما حسيت إيده بتقرب بهدوء من جيب البلطو، عرفت إن الموضوع أكبر من مجرد وداع.
همسلي وهو ساند راسه على كتفي ماتعيطيش يا ماما... بس استنيني.
قبل ما أسأله يقصد إيه، بعد عني ومشي ورا شريف ناحية بوابة السفر. ما بصليش تاني، لكن لاحظت إن كتافه كانت مشدودة، كأنه لو لف ورا هيكشف سر بيحاول يخبيه بكل قوته.
كل إحساسي كان بيقولي أجري وراه.
لكن فضلت واقفة ورا الحاجز، وبصيت على ابني الوحيد وهو بيختفي وسط الزحمة. شريف بصلي آخر بصّة وابتسم ابتسامة كلها شماتة، وبعدها اختفى هو كمان... واخد معاه الولد اللي ربيته وحميته وحبيته ١٣ سنة.
طريق الرجوع للبيت كان ساكت بشكل يوجع القلب. المطر كان بينزل على إزاز العربية، وأنا حاطة راسي عليه وبسترجع جلسة المحكمة اللي قلبت حياتي من أسبوع.
كريم كان واقف جنب أبوه لابس بدلة شيك واضحة إن شريف هو اللي جابهاله. كان شكله أكبر من سنه، ووشه شاحب ومفيهوش أي تعبير، لما القاضي سأله تحب تعيش مع مين؟
رد من غير ما يبصلي مع بابا.
الكلمة نزلت عليا كالصاعقة. وبعدها بص للقاضي وقال ماما مش هتقدر توفرلي المستقبل اللي أنا محتاجه.
ابتسامة النصر ظهرت على وش شريف.
هو معاه فلوس، ومدارس خاصة، وسفر، ومحامين بياخدوا في ساعة أكتر من مرتبي في أسبوع. وأنا... عندي بيت على قد حالي، وشغل ثابت، و١٣ سنة من الذكريات اللي فجأة حسيت إنها بقت ملهاش أي قيمة جوه المحكمة.
وقتها صدقت إن ابني اختار الفلوس وسابني.
في نص الطريق افتكرت الحركة اللي عملها عند جيب البلطو. دخلت إيدي ولقيت حاجة ناعمة وباردة.
كان كارت بنكي أسود.
ماكانش عليه اسم، ولا شعار بنك، ولا أي حاجة تفسر ليه ابني اللي عنده ١٣ سنة اداهولي في السر.
وأنا بقلبه في إيدي، موبايلي رن برسالة من رقم غريب
في الحساب 3800000. الرقم السري هو تاريخ ميلادك. أوعي تثقي في أي حد يعرفه بابا. هفهمك كل حاجة أول ما أقدر.
دموعي نزلت وأنا بقرأ الرسالة. أول حاجة جت في بالي إنها مقلب، لكن كريم هو الوحيد اللي يعرف إن تاريخ ميلادي هو الرقم السري اللي بستخدمه.
طلبت من السواق يقف عند أول ماكينة ATM.
إيدي كانت بتترعش لدرجة إني كتبت الرقم السري غلط أول مرة. ولما دخلته تاني... ظهر الرصيد.
3800000.
بالظبط زي ما كريم قال.
وفجأة وصلت رسالة تانية
بابا فاكر إن الفلوس دي اختفت من سنين... ومستحيل يعرف إنها معاكي.
ولسه هرد، لقيت رسالة جديدة... المرة دي من شريف
لازم نتكلم... بخصوص الحاجة اللي كريم سرقها مني.
الرسالة وقعت في إيدي زي الحجر الثقيل، وكل حاجة حواليا اتوقفت للحظة. المطر كان بيضرب على زجاج الماكينة الصرافة بصوت عالي، والدنيا كانت ليلت كحل، وأنا واقفة في نص الطريق وحيدة، بين الرصيد الكبير اللي لسه مش مصدقة إنه موجود، وبين كلام شريف اللي بيوحي إنه عارف كل حاجة أو على الأقل شاك في حاجة كبيرة.
السواق بصلي من ورا الزجاج وناداني بصوت خافت ستي، إنتي كويسة؟ نكمل الطريق ولا إيه؟
رديت عليه بصوت مكسور ومش عارفة حتى أنا بقول إيه أيوه... نعم، دقيقة بس وهاجيلك.
قفلت الموبايل ومسحت دموعي اللي كانت بتسيل من غير ما أحس، وبصيت حوليا كأني خايفة إن شريف يكون واقف في أي ركن أو إن عيونه تطلع لي من أي مكان. كنت عايزة أجري، عايزة أروح أي مكان بعيد، لكن رجليا كانت مش بتحملني، وكل كلمة كريم قالها لي في المطار رجعت تضرب في دماغي بقوة ماتعيطيش... واستنيني. وأوعي تثقي في أي حد يعرفه بابا.
إزاي ولد عنده ١٣ سنة يقدر يعمل كل ده؟ إزاي يخبي فلوس بملايين من أبوه الغني اللي عنده كل حاجة، ويديهالي ليا أنا اللي كنت فاكرة إنه سابني من أجل الفلوس؟ وأهم سؤال كله إيه قصة الفلوس دي أصلاً؟ ومنين جابها؟ وشريف لسه بيقول إنها مسروقة؟
ركبت العربية تاني، والطريق لبيتي كان أطول طريق في حياتي. كل شوية أفتح الموبايل وأبص على الرسالة، وأبص على الكارت الأسود اللي حاطاه في جيب جلدي، وأحس بحرارته بتبدو تضرب في جسمي. كنت خايفة أستخدمه تاني، خايفة يطلع كل ده حلم، أو مقلب، أو إن شريف بيحاول يوقعني في حاجة عشان ياخد مني كل حاجة تانية بقت معايا.
لما وصلت البيت، كانت الشقة مظلمة ومفيهاش أي صوت، نفس الشقة اللي كنت عايشة فيها مع كريم لحد أسبوع قبل كده. كل ركن فيها فيه ذكرى له صورته المعلق على الحيطة وهو صغير، لعبته اللي لسه مرمية على الكنبة، كوبايته اللي بيحطها على الطاولة جنب السرير. كل حاجة كانت بتصرخ في وشي إن ابني مش هنا، وإن اللي حصل مش طبيعي أبداً.
دخلت الحمام وغسلت وشي، وبصيت لنفسي في المرآة عيوني حمراء ومتورمة، شعري مبعثر، ووشي شاحب زي اللي ماشفتش نوم من سنين. مسكت المرآة بيدي وقلت لنفسي بصوت عالي كأني بصحى نفسي من كابوس كريم مش سابك يا سلمى... مش سابك. هو بيحاول ينقذك، أو ينقذ نفسه، أو ينقذكم الاتنين مع بعض.
جلست على السرير وطلعت الكارت من جيبي، وبدأت أقلبه في إيدي بكل هدوء. مكتوبش عليه أي حاجة، لا اسم ولا رقم ولا حتى شعار، مجرد سطح أسود لامع بيلمع في ضوء المصباح الصغير. وبعدين فتحت الموبايل وبدأت أقرأ الرسائل تاني مرة واتنين وعشرة، عشان أتأكد إني مش بتهيأ لي
في الحساب 3800000. الرقم السري هو تاريخ ميلادك. أوعي تثقي في أي حد يعرفه بابا. هفهمك كل حاجة أول ما أقدر.
بابا فاكر إن الفلوس دي اختفت من سنين... ومستحيل يعرف إنها معاكي.
وآخر رسالة من شريف لازم نتكلم... بخصوص الحاجة اللي كريم سرقها مني.
ضحكت بصوت عالي ومليان مرارة. هو بيقول سرقها؟ يعني لما كان بياخد مني كل قرش معاه في الطلاق، ولما كان بيحرمني من حق كريم في كل حاجة، ولما كان بيقول للناس إني باخد فلوس منه عشان الولد... ده مش سرقة؟ ده مش أكل حق الغير؟ والآن لما ابنه أعطاني حاجة هو سابها أو خباها أو خدها منه من الأساس، بيقول سرقة؟
كنت عايزة أرد عليه، أقوله كل اللي في قلبي، أقوله إني عرفت كل حاجة،