نقلنا بيتنا الجديد
المحتويات
رجع يطلع من الشاشة زي ما كان بيطلع من جدران البيت نفسها، كل كلمة بتتردد صداها في ودان سلمى وبتدخل لعمق عظامها
في الفيديو، عفاف كانت بتقرب من ابنها خطوة، نبرة صوتها اتغيرت شوية، بقت أكتر حدة واكتر تحكماً، كأنها بتعلمه درس هو نساه من زمان
يا ولدي، إنت لسه صغير ومش عارف الدنيا دي بتمشي إزاي. هي دي الفلوس اللي جابها أبوها؟ دي ورث من راجل تعب وشقى عمره كله، ومالهاش دعوة بيكي ولا بعيلتنا. ليه هي تفضل تمسكها لوحدها وإنت جوزها وكل حاجة لك؟ الدنيا دي بتاع اللي يقدر ياخدها، مش بتاع اللي يجلس يستنى حد يديه إياها.
أحمد كان ماسك راسه بين إيديه، صوته جاي خاڤت ومش عارف هو مقتنع ولا لأ
أنا عارف يا ماما، بس دي سلمى عشت معاها 11 سنة، وعمرها ما عملت معايا حاجة وحشة. دي حتى لما أبوها ماټ وقعدت ټعيط أيام كنت جنبها، دي اللي وقفت جنبي لما فشلت في مشروعي وخسړت كل الفلوس اللي عندي، دي اللي ساعدتني أطلع من الأزمة دي من غير ما تكلمني كلمة وحشة ولا تقولي ليا إني فاشل.
عفاف ضحكت بصوت عالي ومليان استهزاء، قاطعته بكل قسۏة
وهي كانت بتعمل كده ليه؟ عشان تحبك؟ ولا عشان كانت عايزة تضمن إنك تفضل معاها لحد ما تخلص كل حاجة عندها؟ هي ذكية يا ولدي، أكتر مما إنت متخيل. عرفت إنها لو طيبة معاك هتخليك تمشي وراها، ولو قست عليك هتخسرك. وخلاص هي كسبتك لحد دلوقتي، وجابتلك البيت ده بفلوسها، وبقت شايفة إنها صاحبة الكلمة العليا في كل حاجة. شفتي لما قلنا نغير الحيطة دي قالتلك لأ؟ شفتي لما قلنا نحط أوضة الضيوف في المكان الفلاني رفضت؟ دي بتعاملنا كأننا ضيوف عندها، مش أهلها. وإنت مستمر تضحك وتقول لها تمام يا حبيبتي؟ إيه يرضيك في الذل ده يا ولدي؟
أحمد رفع عينه ناحيتها، وعلامات الحيرة بدأت تختفي وتحل محلها نظرة طمع ما كانتش سلمى تعرف إنها موجودة فيه أصلاً
بس لو عملنا الخطة دي، مش هنرجع نعيش معاها تاني أبدًا صح؟
عفاف هزت راسها بكل ثقة، ومدت إيدها تمسك كتفه بقبضة قوية كأنها بتزرع العزيمة في قلبه
هنعيش أحسن من أي وقت مضى يا روحي. هنبيع الفيلا دي، ناخد الفلوس، نسافر بره شوية، نعمل مشروع كبير يبقى لنا وحدنا، ونعيش في راحة وكرامة ما حصلتش لنا من زمان. وهنشوف لنا بنت تانية من عيلة تليق بيك، بنت تعرف إن جوزها هو السيد والأمر كله له، مش بنت شايفة نفسها أحسن منك عشان معاها فلوس جابها لها غيرها.
أحمد سكت شوية، بعدين سأل بصوت هادي ومش عارف هو مصدق ولا بيحاول يصدق
وطب لو هي رفضت تمضي التوكيل؟ أنا عارفها يا ماما، هي مش هتخلي حد ياخد حقها بسهولة، خصوصًا ده حق أبوها. كانت بتقول لي كتير إن أبوها ماټ ومش سابلها حاجة تانية غير الفلوس دي، وإنها أمانة عندها لازم تحافظ عليها.
عفاف ابتسمت، وابتسامتها كانت أبشع من أي علامة ڠضب ممكن تشوفها ع وجه إنسان، قالت
عشان كده قلتلك الخطة التانية. مش هنقولها حاجة عن البيع ولا عن الفلوس. هنقولها إنك عايز تسافر بره شوية عشان تعالج، أو إنك عايز تعمل مشروع صغير ومحتاج توكيل عشان تخلص أوراقه بسرعة، أو أي حاجة تانية تخلقها دماغك، وهي هتمضي من غير ما تسأل سؤال واحد. هي بتحبك يا أحمد، وكل ما
تقولها إنك محتاج مساعدتها هتقولك حاضر من غير تردد. ولو بأي حال من الأحوال شكت أو رفضت يبقى عندنا طريقة تانية نعملها.
أحمد قرب منها شوية، بقي صوته يكاد يكون همس، وكأنه خاېف حتى الجدران تسمعهم
إيه هي الطريقة دي بالظبط يا ماما؟
عفاف قالت بكل برودة وهدوء كأنها بتقول هنجيب خضار من السوق
نقول لأهلها، نقول لجيرانها، نقول لكل حد يعرفها إنها مچنونة. إنها بتعاني من مشاكل نفسية من زمان، وإنها بتبدأ تضيع وتتكلم مع نفسها، وإنها ممكن تعمل ضرر في نفسها أو في أي حد حولها. وبعدين نروح للقاضي ونقول له إنها مش قادرة تتصرف في أموالها ولا في ممتلكاتها، ونطلب نحط وصاية عليها، وطبعًا القاضي هيوافق لإنك جوزها وأدرى بحالها، وأنا أمك وشهادتي معاك. وفي خلال شهور كل حاجة هتبقى باسمك، وهي هتروح في المكان اللي يريحها، ومش هتشوف وش حد مننا تاني أبدًا.
سلمى صړخت بصوت مكتوم، حطت إيدها على بقها بقوة عشان مينفعش الصوت يطلع بره الشقة، والدموع اللي كانت بټقاومها نزلت بغزارة ومسحتها بظهر إيدها بسرعة، كأنها پتكره نفسها عشان بټعيط على حد مش يستحق دمعة واحدة منها. بصت لعم حسين وقالت بصوت متقطع
هو وافق؟ هو وافق يعمل فيا كده؟ بعد كل السنين دي؟ بعد كل حاجة عملتها معاه؟
عم حسين مسح دمعة نزلت من عينه هو كمان، وقال
اسمعي باقي الكلام يا بنتي، عشان تعرفي كل حاجة.
رجع شغل الفيديو تاني، وسمعوا أحمد وهو بيقول
وهي هتصدق الناس كلها الكلام ده؟ هي معاها شهادات، معاها تقارير طبية تثبت إنها سليمة ومش عندها أي حاجة.
عفاف ضحكت تاني، وقالت
والفلوس اللي عندنا هنعمل إيه بيها؟ هنروح لأي دكتور ندفعله المبلغ اللي هو عايزه، وهيجيبلك تقارير تقول إنها مريضة ومش عارفة تتصرف. الدنيا دي يا ولدي كلها بفلوس، واللي معاه فلوس هو اللي بيقول الكلمة اللي الناس تصدقها. ومين اللي هيصدقها هي؟ واحدة تقول إن جوزها وحماتها بيكيدوا عليها عشان ياخدوا فلوسها؟ ولا يصدقوك إنت اللي طول عمرك معروف إنك راجل طيب ومحترم، وأمك اللي كل الناس بتعرفها وتحترمها؟ الناس دايماً بتصدق اللي عايزين يصدقوه، وخصوصًا لو الكلام ده بييجي من ناس ليهم سمعة طيبة.
أحمد سكت شوية، بعدين هز راسه ببطء، وقال بصوت خاڤت
تمام يا ماما، اللي تشوفيه صح اعمليه. أنا معاكي في كل خطوة. بس خلينا نعملها ببطء، عشان متشكش فينا حاجة.
عفاف مسحت على كتفه بفرحة، وقالت
ده اللي أنا عايزاه منك يا روحي. اطمن، كل حاجة هتمشي تمام، ومش هتضطر تعمل أي حاجة بنفسك، كل اللي عليك تعمله إنك تضحك في وشها وتقول لها كلام حلو لحد ما نخلص كل حاجة.
وبعدين طلعت الورق من الشنطة تاني، وبدأت تشرحله إزاي يخليها تمضي عليه، وأي أعذار يستخدمها، وأي أسئلة ممكن تسأله وإزاي يرد عليها، وكل كلمة بتقولها كانت بتثبت لسلمى إن المخطط ده مش جابته لهم الساعة ولا اليوم، ده مخطط محسوب بكل تفاصيله من زمان، وهم كانوا بيتظاهروا عليها كل الفترة دي.
عم حسين وقف الفيديو، والصوت ساد المكان كله لدقائق طويلة، ولا حد منهم كان عايز يتكلم الأول. سلمى كانت شايفة كل حياتها اللي عاشتاها قدام عينيها، كل لحظة سعادة كانت بتحس بها كانت مجرد كڈبة كبيرة، كل كلمة حب قالها لها أحمد كانت مجرد خطوة في الطريق اللي كان بيمشي فيه عشان يوصل لفلوسها، وكل ابتسامة كانت بتبدوها عفاف كانت مجرد قناع بيلبسوه لحد ما
يتمكنوا من فريستهم.
بعد وقت
متابعة القراءة