رواية كاملة
وصلت أنا وبنتي على أساس إننا رايحين حفلة تخرجها… لكن اللي شوفته كان كفيل يكسّر أي قلب.
على الترابيزة قدام أكتر من 30 واحد من العيلة، كان فيه تورتة كبيرة مكتوب عليها:
"لحفيدتنا الوحيدة… مبروك يا ليان" 😢🎂
وقفت لحظة… حسّيت الأرض بتهتز تحت رجلي. ما صرختش، ما عملتش مشكلة… بس صورت التورتة بهدوء، وافتكرت الخطاب اللي في شنطتي من المحامي. في الليلة دي… بيت مليان أسرار بدأ ينهار.
— ماما… هو ليه اسمي مش موجود في أي حاجة؟
قالتها بنتي سلمى بصوت هادي، وده وجعني أكتر من لو كانت صرخت. كانت واقفة جنبي بفستانها الأخضر، شفايفها مقفولة وعينيها مركزة على الترابيزة الرئيسية.
بصّيت أنا كمان… وحسّيت معدتي بتقع.
التورتة كانت 3 أدوار، مزينة بورود أبيض ودهبي، وعليها بخط شيك:
"مبروك يا ليان… حفيدتنا الوحيدة".
الوحيدة.
سلمى عندها 18 سنة، لسه متخرجة من الثانوية بتفوق، واخدة مجموع عالي ومنحة للجامعة… كل ده بعد سهر وتعب سنين.
أما ليان، بنت أختي نجلاء، عندها 14 سنة وخلصت الإعدادية.
مش المشكلة إن دي مناسبة ودي مناسبة… المشكلة إن أمي قالت إن الحفلة "علشان خريجة العيلة".
قبلها بـ3 أيام، أمي أمينة كلمتني:
— يا بنتي، عاملين حاجة بسيطة نحتفل بيها بالخريجة.
سألتها:
— تقصدي سلمى؟
— أيوه يا حبيبتي… تعالوا السبت، أبوكِ عايز يعمل مشويات في الجنينة.
لما قلت لسلمى، ابتسمت ابتسامة صغيرة وسألتني:
— بجد يا ماما؟ جدو وتيتة هيعملولي حفلة؟
السؤال ده كان لازم يخوفني… بس أنا كمان حبيت أصدق. بعد ما ما حضروش حفل تخرجها بحجة التعب والضغط، قلت يمكن بيحاولوا يعوضوها.
وصلنا يوم السبت لبيت العيلة في المعادي. جوزي أحمد كان سايق ساكت… هو عمره ما كان مرتاح لأهلي، بس وافق ييجي علشان خاطر سلمى.
كانت شايلة علبة صغيرة فيها ميدالياتها… كانت فاكرة إن جدها هيطلب يتصور معاها.
من أول الشارع، شفنا زينة وأنوار وخيمة كبيرة… قلبي فرح للحظة.
لكن أول ما دخلنا…
أمي سلمت عليا بسرعة… وسلمت على سلمى كأنها واحدة غريبة.
وفجأة ظهرت ليان… بفستان أبيض، وتاج، وشريط مكتوب عليه "الخريجة"، وبتضحك.
— بصوا على ملكة البيت! — قالت أختي.
سلمى وقفت مكانها… وأنا دورت بأي شكل ألاقي حاجة فيها اسمها… صورة… بالونة… أي حاجة.
مفيش.
وبعدين شفنا التورتة.
قلت لنفسي:
— أكيد غلطة…
لكن ما كانتش غلطة.
كل حاجة كانت باسم ليان.
الأكواب… المناديل… حتى اليافطة الكبيرة مكتوب عليها:
"لحفيدتنا الوحيدة… بكل حب".
كلمة "الوحيدة" كانت متزينة كأنها توقيع.
أحمد همسلي:
— يلا نمشي.
بس أنا ما قدرتش… رجلي تقيلة… وقلبي أتقل.
نجلاء مسكت الميكروفون وقالت:
— شكراً ليكم إنكم جيتوا تحتفلوا بليان… هي نور العيلة، وحفيدة بابا وماما الوحيدة المدللة.
ناس سقفت… وناس بصت في الأرض.
سلمى وطّت راسها… ما عيطتش. وده كان أصعب حاجة.
حسّيت إنها بتصغر قدامي… كأنها بتحاول تختفي.
رحت لأمي وقلت:
— ماما… كل حاجة مكتوب عليها "الحفيدة الوحيدة".
قالت ببرود:
— يا مريم، بلاش مشاكل. سلمى كبرت… ليان لسه بتحب الحاجات دي.
— سلمى اتخرجت بتفوق… الحفلة دي كانت ليها!
أبويا حسن دخل وقال:
— هي سلمى كمان اتخرجت؟
بصيتله مصدومة:
— أنا بعتلك صور يا بابا!
— آه… يمكن شفتهم بسرعة.
سلمى سمعت كل كلمة.
رجعت حطت ميدالياتها في العلبة… ومشيت ناحية العربية وسكتت.
ما سألتش… ما اعترضتش… بس فهمت.
فهمت اللي أنا فضلت سنين أهرب منه.
ركبنا العربية ومشينا… ولا حد خرج يودعنا.
الضحك والمزيكا فضلوا شغالين كأننا عمرنا ما كنا موجودين.
في الطريق، سلمى بصت من الشباك وقالت جملة واحدة:
— أنا فهمت يا ماما.
بعد 3 أيام… أهلي وصلهم جواب مني.
جواب فيه قرار… عمرهم ما كانوا يتخيلوه.
ومن الليلة دي… بيت مليان أسرار بدأ يقع.
لو كنتوا مكاني… كنتوا هتعملوا إيه لما تشوفوا بنتكم بتتذل كده قدام العيلة كلها؟
الجواب وصل يوم الثلاثاء بالظبط… الساعة 11 الصبح.
أمي كانت قاعدة في الصالة، وأبويا بيشرب قهوته، ونجلاء عندهم من بدري بتكمل بواقي الحفلة وكأنها لسه شغالة.
الجرس رن.
الخدامة فتحت، واستلمت ظرف رسمي مختوم.
— باسم مريم حسن.
أمي استغربت:
— إيه ده؟ مريم بعتالنا جواب؟
فتحت الظرف بسرعة… وهي متوقعة يمكن اعتذار، أو حتى رسالة عتاب.
لكن أول سطر خلّى ملامحها تتجمد.
"إلى السيدة أمينة حسن والسيد حسن عبدالعزيز…"
صوتها بدأ يهتز وهي بتقرأ:
"أحيطكم علمًا أنه اعتبارًا من تاريخ اليوم، يتم إنهاء أي صلة مادية أو قانونية بيني وبينكم…"
— إيه الكلام الفارغ ده؟! — صرخت أمي.
أبويا خطف الورق من إيديها، وقرأ بصوت أعلى:
"كما أؤكد أن أي ممتلكات أو أموال أو استثمارات تم تسجيلها سابقًا بأسمائكم، سيتم نقل ملكيتها بالكامل خلال 30 يومًا وفقًا للعقود المرفقة…"
نجلاء قامت واقفة:
— استثمارات إيه؟!
هنا أبويا بدأ يتوتر:
— هو في إيه يا مريم؟!
لكن الورق ما كانش مجرد رسالة… كان فيه مرفقات.
عقود.
أختام.
توقيعات.
أمي فتحت الملف التاني بإيد مرتعشة… ووقعت عينيها على عنوان واضح:
"عقد شراكة – شركة النيل للتوريدات"
اسم أبويا كان موجود… لكن نسبة الملكية؟
10% فقط.
الباقي؟
باسم مريم.
نجلاء خطفت ورق تاني:
— دي شركة السياحة؟!
نفس الصدمة.
كل حاجة كانوا فاكرينها بتاعتهم… كانت في الحقيقة باسمي.
أبويا قعد على الكرسي كأنه فقد توازنه:
— إزاي…؟ أنا اللي بدأت كل ده!
صوتي كان مكتوب في الجواب، لكن كأنهم سامعينه دلوقتي لأول مرة:
"من 12 سنة، لما وقفت جنبكم وأنقذت المشروع من الإفلاس، كل حاجة اتسجلت باسمي لحمايتكم من الديون… لكن الحقيقة إنكم عمركم ما سألتوا، ولا حتى حاولتوا تفهموا."
أمي بصت حواليها كأنها بتدور على تفسير:
— يعني إحنا كنا عايشين على فلوسها…؟
نجلاء قالت بعصبية:
— مستحيل! أكيد بتبالغ!
لكن الحقيقة كانت قدامهم.
كل ورقة… كل توقيع… كل ختم.
أبويا قلب آخر صفحة… ولقى سطر مكتوب بخط إيدي:
"كنت مستنية يوم واحد بس تحسسوا فيه بنتي إنها حفيدتكم… مش أكتر."
سكت.
لأول مرة… ما لقىش رد.
أمي بدأت تعيط:
— دي بتهددنا! عايزة تسيبنا في الشارع!
لكن الحقيقة كانت أبسط وأقسى:
أنا ما هددتش حد.
أنا بس… سحبت إيدي.
وفي نفس اللحظة…
كان فيه ظرف تاني لسه ما اتفتحش.
نجلاء مسكته وفتحته بسرعة…
وصوتها اتغير:
— ماما… ده… استدعاء من المحكمة؟!
أبويا قام واقف فجأة:
— محكمة إيه؟!
قرأت بصوت متقطع:
"دعوى استرداد ممتلكات وإثبات ملكية…"
البيت كله سكت.
الهواء بقى تقيل.
والحقيقة أخيرًا ظهرت:
كل اللي كانوا واقفين عليه…
ما كانش بتاعهم من البداية.
وفي نفس الوقت…
كنت أنا قاعدة في شقتي، جنب سلمى.
بصتلي وقالت بهدوء:
— إنتي عملتي كده علشاني؟
ابتسمت، ومسكت إيدها:
— علشانك… وعلشاني أنا كمان.
سكتت لحظة، وبعدين سألت:
— وخلاص كده؟
بصيت قدامي وقلت:
— لا… لسه في حساب ما اتقفلش.
وفي الناحية التانية…
كان في حد تالت لسه ما اتكلمش.
حد شاف كل حاجة يوم الحفلة…
وسجّلها.
والفيديو ده…
كان على وشك ينزل.
وساعتها…
مش بس بيت هيقع.