زعيم إمبراطورية حكايات ميراا
مختوم بالشمع الأحمر، تمهيدًا لتسليمه بنفسه، بعد أن رفض إرساله إلكترونيًا أو مع أي موظف.
كان مقتنعًا أن ما يحمله بين يديه ليس مجرد نتيجة تحليل...
بل حقيقة قادرة على تغيير مصير عائلة كاملة، وربما إشعال صراع لم يكن أحد يتوقع أن يبدأ من كيس دم تبرع به رجل لإنقاذ طفلة لا يعرفها في الساعة العاشرة صباحًا...
توقفت سيارة الدكتور سامح أمام المقر الرئيسي لشركات المنصوري.
مبنى زجاجي شاهق يطل على النيل.
نزل من السيارة وهو يمسك الظرف بإحكام.
عند الاستقبال، أخرج بطاقته الطبية.
عندي موعد مع الأستاذ آدم المنصوري.
اتصلت السكرتيرة بالمكتب.
وبعد أقل من دقيقة...
جاءها الرد.
يتفضل.
...
دخل الدكتور سامح إلى المكتب.
كان آدم يقف أمام النافذة، واضعًا يديه في جيبيه.
استدار بهدوء عندما سمع الباب يُغلق.
صافحه باحترام.
اتفضل يا دكتور.
جلس سامح، لكنه لم يفتح الظرف مباشرة.
قال
قبل أي كلام... أحب أوضح إن وجودي هنا بصفتي طبيبًا، وواجبي هو نقل نتيجة فحص طبي، وليس إصدار أحكام أو تفسير ما حدث في الماضي.
نظر إليه آدم باستغراب.
نتيجة تخص إيه؟
وضع الدكتور الظرف على المكتب.
تخص التبرع بالدم اللي حضرتك عملته في المستشفى.
ساد الصمت.
قال آدم
فيه مشكلة؟
لا... لكن ظهرت نتيجة غير متوقعة أثناء الفحوصات الروتينية، فاضطررنا نراجعها أكثر من مرة.
مد آدم يده إلى الظرف.
لكنه توقف.
ثم قال
قول اللي عندك.
تنفس الدكتور سامح ببطء.
المؤشرات الوراثية بين حضرتك وبين الطفلة ليلى قوية جدًا، لدرجة استدعت إجراء فحص تأكيدي مستقل.
ظل آدم صامتًا.
وأكمل الطبيب
الفحص التأكيدي أعطى النتيجة نفسها.
نظر إليه مباشرة.
من الناحية العلمية... النتيجة تشير إلى وجود علاقة أبوة بيولوجية.
لم يتغير وجه آدم.
ولا تحرك.
ولا حتى رمش.
لكن الصمت الذي ملأ الغرفة كان أثقل من أي صدمة.
بعد عدة ثوانٍ...
قال بصوت هادئ جدًا
مستحيل.
أتفهم ده.
عندي تقارير طبية بتأكد إني لا يمكن أخلف.
هز الدكتور سامح رأسه.
أنا ما اطلعتش على التقارير القديمة، لكن النتيجة الحالية تستحق مراجعة التاريخ الطبي بالكامل، لأن في بعض الحالات قد يحدث تشخيص غير دقيق أو يكون هناك تفسير طبي آخر.
فتح آدم أحد الأدراج.
أخرج ملفًا أزرق.
وضعه أمام الدكتور.
اقرأ.
بدأ سامح يقلب الأوراق.
تقارير قديمة.
تحاليل.
وتوصيات من أكثر من طبيب.
ظل يقرأ في صمت.
ثم أغلق الملف.
دي التقارير فعلاً بتذكر إن فرص الإنجاب كانت ضعيفة جدًا وفق التقييم وقتها... لكن ده لا يمنع إننا نراجعها في ضوء النتيجة الجديدة.
ظل آدم يحدق في الفراغ.
وكأن السنوات الثلاث عشرة الماضية كلها بدأت تمر أمام عينيه.
ثم سأل سؤالًا واحدًا.
أم البنت...
اسمها إيه؟
تردد الدكتور.
ثم قال
نهى محمود.
في اللحظة نفسها...
قبض آدم يده بقوة.
الاسم سقط عليه كالصاعقة.
همس دون أن يشعر
نهى...
أغلق عينيه للحظة.
آخر مرة نطق فيها هذا الاسم كانت منذ أكثر من ثلاثة عشر عامًا.
اليوم الذي انتهى فيه زواجهما، بعدما فرّقت بينهما الخلافات وسوء الفهم، وهو يعتقد أن حلم تكوين أسرة انتهى إلى الأبد.
فتح عينيه ببطء.
ونظر إلى الدكتور سامح.
فين هي دلوقتي؟
ما زالت مع بنتها في المستشفى.
وقف آدم فجأة.
أخذ مفاتيح سيارته.
لكن قبل أن يخرج...
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
المتصل كان محمود عزام.
رد فورًا.
جاءه صوت محمود متوترًا على غير عادته
آدم... لازم ترجع المستشفى حالًا.
ليه؟
لأن فيه ناس دخلوا يسألوا عن ليلى... والغريب إنهم عرفوا اسمها ورقم غرفتها... قبل ما أي حد يعلن أي معلومات عنها.
تغيرت ملامح آدم في لحظة.
وقال بصوت حاد
اقفل معايا... وخلي رجالتنا يوصلوا هناك فورًا.
ثم اندفع خارج المكتب، وهو لا يعرف إن الخطر الذي كان يطارده طوال السنوات الماضية... ربما أصبح الآن يطارد ابنته أيضًا في أقل من خمس دقائق...
كانت سيارات آدم السوداء تشق شوارع القاهرة بسرعة.
داخل السيارة...
لم ينطق أحد.
أما آدم...
فكان ينظر من النافذة، لكن عقله لم يكن يرى الطريق.
كان يرى وجه نهى كما تركها منذ ثلاثة عشر عامًا.
آخر مرة التقيا فيها...
كانت تقف أمامه تبكي.
وتقول
صدقني... في حاجات أنت مش عارفها.
لكنه وقتها كان غارقًا في غضبه.
ولم يمنحها فرصة لتكمل.
أدار وجهه ورحل...
مقتنعًا أن كل شيء انتهى.
أما اليوم...
فكان يكتشف أن الماضي لم ينتهِ أبدًا.
...
في المستشفى...
وقف محمود أمام غرفة ليلى.
أربعة من رجال الأمن انتشروا في الممر.
وصل مدير أمن المستشفى وهو مرتبك.
يا أستاذ محمود... إحنا مش فاهمين إيه اللي بيحصل.
رد محمود ببرود
فيه اتنين دخلوا المستشفى من نص ساعة.
وبعدين؟
ادعوا إنهم من شركة تأمين.
وده طبيعي.
الطبيعي إنهم يروحوا للاستقبال الأول.
لكن دول طلعوا الدور مباشرة...
وسألوا على أوضة ليلى بالاسم.
اتسعت عينا المدير.
عرفوا منين؟
ده اللي عايزين نعرفه.
...
داخل الغرفة...
كانت ليلى تضحك لأول مرة منذ الحادث.
الممرضة ساعدتها تقعد على الكرسي.
قالت
الحمد لله... التحسن ممتاز.
ابتسمت ليلى.
إمتى أرجع البيت؟
يومين كمان إن شاء الله.
في تلك اللحظة...
دخلت نهى وهي تحمل كوب عصير.
الدكتور وافق تشربي شوية.
أخذته ليلى وهي تبتسم.
لكن الابتسامة اختفت عندما سمعت أصوات خطوات سريعة خارج الغرفة.
ثم صوت رجال يتحدثون بحدة.
نظرت إلى أمها.
فيه إيه؟
حاولت نهى تطمئنها.
يمكن حاجة عادية.
لكن قلبها لم يكن مطمئنًا.
...
وصل آدم إلى المستشفى.
نزل من السيارة بسرعة.
استقبله محمود عند الباب.
الوضع؟
محدش وصل للبنت.
والناس دول؟
اختفوا.
الكاميرات؟
بنراجعها.
تحرك آدم نحو المصعد.
ثم توقف فجأة.
على بعد أمتار...
كانت نهى خارجة من الغرفة، متجهة إلى غرفة التمريض.
رفعت رأسها بالصدفة.
وتجمدت.
هو أيضًا توقف مكانه.
لم يتكلما.
ثلاثة عشر عامًا من الغياب...
مرت بين نظرة ونظرة.
كان وجه آدم أكثر صلابة.
وشعره بدأ يغزوه بعض الشيب.
أما نهى...
فكانت ملامحها تحمل آثار سنوات طويلة من التعب.
همست دون أن تشعر
آدم...
نطق اسمها بهدوء.
نهى.
اختفى كل صوت في الممر.
لا أجهزة...
ولا خطوات...
ولا حديث.
مجرد صمت ثقيل جمع شخصين فرّقتهما السنوات.
اقترب خطوة واحدة.
ثم قال
لازم نتكلم.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت بصوت منخفض
كنت عارفة إن اليوم ده هييجي...
لكن مش بالطريقة دي.
وقبل أن يرد...
فتح باب غرفة ليلى.
وأطلت الطفلة برأسها.
كانت تبحث عن أمها.
وقعت عيناها على الرجل الواقف في الممر.
توقفت لثانية.
لا تعرفه...
لكنها شعرت براحة غريبة وهي تنظر إليه.
ابتسمت له بعفوية.
ابتسامة صغيرة...
كانت كافية لتجعل قلب آدم ينبض بعنف لأول مرة منذ سنوات طويلة.
وفي اللحظة نفسها...
كان أحد الرجال المجهولين يراقب المشهد من نهاية الممر، ثم أخرج هاتفه، وأرسل رسالة قصيرة إلى شخص مجهول
لقد التقيا أخيرًا الرجل أغلق هاتفه بسرعة.
استدار وكأنه أحد الزوار العاديين.
لكن قبل أن يصل إلى المصعد...
اعترض طريقه اثنان من رجال محمود.
لو سمحت... البطاقة.
ابتسم الرجل بهدوء.
نسيتها في العربية.
اسم حضرتك؟
خالد.
اسم العائلة؟
تردد لثانية.
وكانت الثانية دي كفاية.
قال أحد رجال الأمن في السماعة
الهدف بيتحرك ناحية المصعد.
فجأة...
دفع الرجل الحارس بكل قوته.
وجرى.
تحول الممر إلى حالة من الفوضى.
الممرضات ابتعدوا بسرعة.
والزوار وقفوا في أماكنهم.
صرخ محمود
اقفلوا كل المخارج!
لكن الرجل كان يعرف المستشفى كويس.
دخل سلم الطوارئ.
واختفى قبل وصول الأمن بثوانٍ.
...
أما داخل الغرفة...
فلم تكن ليلى تعرف أي شيء عما يحدث بالخارج.
كانت تنظر إلى آدم باستغراب.
وقالت بابتسامة خفيفة
حضرتك... هو أنت اللي اتبرعتلي بالدم؟
نظر إليها آدم للحظات.
ثم أجاب بهدوء
أيوه.
ابتسمت ليلى رغم تعبها.
شكرًا.
الكلمة خرجت بسيطة جدًا.
لكنها أصابت آدم في مكان لم يمسه شيء منذ سنوات.
قال
أهم حاجة إنك بقيتي كويسة.
لاحظت ليلى الجرح الصغير على فكه.
فسألت بعفوية الأطفال
حضرتك اتخانقت؟
ابتسم محمود لأول مرة منذ أيام.
أما آدم...
فضحك ضحكة خفيفة لم يسمعها أحد من رجاله منذ سنوات.
وقال
حاجة شبه كده.
وقفت نهى تراقب المشهد.
وكانت دموعها تقترب من عينيها.
لأنها لأول مرة ترى آدم يتحدث مع طفلة بهذا الهدوء.
...
بعد دقائق...
طلب آدم من محمود أن يبقى خارج الغرفة.
ثم نظر إلى نهى.
ممكن نتكلم لوحدنا؟
وافقت بصمت.
خرجا إلى غرفة الاستراحة المجاورة.
أغلق آدم الباب.
وظل واقفًا للحظات.
ثم قال
ليلى...
هل هي بنتي؟
أغمضت نهى عينيها.
كانت تعرف أن هذا السؤال سيأتي.
لكنها لم تعرف يومًا كيف ستجيب عنه.
فتحت عينيها ببطء.
وقالت
أيوه...
ساد صمت طويل.
لم يقاطعها.
فأكملت
لما انفصلنا... كنت لسه ما عرفتش إني حامل.
رفعت رأسها