زعيم إمبراطورية حكايات ميراا
مجلس إدارة إحدى شركاته.
رفض المكالمة.
ثم لف ناحية محمود وقال
خلص إجراءات خروج عمر أول ما الدكتور يسمح.
حاضر.
أكملوا طريقهم.
وبعد ثوانٍ فقط...
تحرك سرير ليلى في الاتجاه المقابل.
مرّ من المكان نفسه.
لكن بعد فوات الأوان.
القدر كان كأنه بيتعمد يأجل اللقاء.
...
داخل الغرفة الجديدة...
فتحت ليلى عينيها وهي تبص من الشباك.
كان المطر وقف أخيرًا.
قالت لأمها
ماما...
نعم يا حبيبتي؟
أنا فاكرة آخر حاجة قبل الحادث.
قلب نهى اتقبض.
فاكرة إيه؟
عربية سودا كانت ماشية ورانا.
سكتت.
حاولت تفتكر.
وبعدين... نور عالي جدًا... وبعدها مش فاكرة حاجة.
نهى حاولت تخفي توترها.
متفكريش دلوقتي.
لكن ليلى كملت.
الغريب إن العربية كانت ماشية ورانا من قبل الطريق الدائري.
نهى بلعت ريقها.
يمكن مجرد صدفة.
هزت ليلى رأسها.
لأ... كنت شايفاها في المراية أكتر من مرة.
...
في مكتب الأمن بالمستشفى...
دخل محمود عزام يقابل مدير الأمن.
قال بهدوء
عايز تسجيلات الكاميرات من الساعة واحدة بالليل لحد خمسة الصبح.
استغرب المدير.
في مشكلة؟
مجرد مراجعة.
بعد دقائق...
بدأت اللقطات تظهر على الشاشة.
العربية اللي نقلت عمر.
رجال الحراسة.
الأطباء.
الممرضات.
ثم ظهرت لقطة لحادثة وصول ليلى.
أوقف محمود الفيديو.
كبر الصورة.
كانت عربية الإسعاف تدخل.
وخلفها...
على مسافة بعيدة...
وقفت سيارة رمادية لدقائق.
لا نزل منها حد.
ولا اتحركت.
ثم اختفت.
قال محمود لنفسه
مين دول؟
...
في المعمل المرجعي...
انتهى الجهاز من أول مرحلة في تحليل الحمض النووي.
صدر صوت تنبيه خافت.
اقترب الطبيب المسؤول.
قرأ البيانات.
ثم عقد حاجبيه.
أعاد تشغيل الفحص مرة أخرى.
المساعدة سألته
فيه مشكلة؟
رد وهو مركز في الشاشة
لا...
لكن النتيجة غريبة جدًا.
إزاي؟
نسبة التطابق أعلى بكتير من اللي كنت متوقعه.
سكت لحظة.
ثم قال
لازم نعيد الاختبار بعينة جديدة من نفس العينات... مفيش مجال لأي خطأ.
...
أما آدم...
فبعد ساعات من السهر، خرج يقف في حديقة المستشفى.
أول مرة من سنين يحس بتعب حقيقي.
جلس على مقعد خشبي.
وأغمض عينيه لدقيقة.
فجأة...
سمع صوت طفلة صغيرة بتضحك في الحديقة.
فتح عينيه تلقائيًا.
ابتسم ابتسامة خفيفة... نادرة جدًا.
قال بصوت منخفض
غريبة...
نسيت صوت ضحكة الأطفال عامل إزاي.
وقف بعدها مباشرة، كأنه بيهرب من الإحساس ده.
هو كان مؤمن طول عمره إن حياته مكانش فيها مساحة لعيلة.
ولا لأولاد.
ولا لبيت هادي.
وكان مقتنع إن التشخيص اللي سمعه من سنين حسم كل شيء.
لذلك عمره ما فكر يرجع يتجوز بعد انفصاله.
ولا سمح لنفسه يتعلق بأي حلم من النوع ده.
لكن من غير ما يفهم السبب...
منذ لحظة تبرعه بالدم لتلك الطفلة، كان يشعر أن شيئًا داخله بدأ يتغير، وكأن القدر يحاول أن يفتح بابًا أغلقه منذ ثلاثة عشر عامًا، دون أن يخبره ماذا يوجد خلفه بعد في الساعة الثانية ظهرًا...
دخل رجل في منتصف الخمسينات إلى المعمل المرجعي.
كان اسمه الدكتور سامح رفعت.
أحد أشهر استشاريي الوراثة في مصر، والرجل الذي لا يوقّع على تقرير حساس قبل أن يراجعه بنفسه.
ناولته المساعدة الملف.
دي الحالة اللي كلمتك عنها.
فتح الملف بهدوء.
قرأ النتائج الأولى.
ثم طلب الصور الكاملة للبصمة الوراثية.
مرت خمس دقائق...
ثم عشر.
وأخيرًا رفع نظارته ببطء.
مين أصحاب العينات؟
قالت المساعدة
البيانات محجوبة... عندنا أرقام بس.
هز رأسه بإعجاب.
كويس... يبقى مفيش تحيز.
ثم أشار إلى الشاشة.
أعيدوا التحليل للمرة الثالثة.
للمرة الثالثة؟
أيوه.
حضرتك شاكك في النتيجة؟
رد بثقة
بالعكس...
أنا شاكك إنها صحيحة.
وده اللي مخليني عايز أتأكد مية في المية.
...
في نفس الوقت...
كانت نهى واقفة أمام كافتيريا المستشفى.
اشترت زجاجة مياه.
وقبل ما ترجع لغرفة ليلى...
سمعت صوتًا مألوفًا خلفها.
نهى؟
التفتت بسرعة.
اتسعت عيناها.
أستاذة سعاد؟
كانت سعاد جارتها القديمة، التي لم ترها منذ سنوات.
ابتسمت سعاد وهي تسلم عليها.
سبحان الله... إيه اللي جابك هنا؟
بنتي عاملة حادث.
تغيرت ملامح سعاد.
ألف سلامة عليها.
ثم سألت بعفوية
والدها عرف؟
تجمدت نهى.
بعد ثوانٍ قالت
مفيش حد يعرف.
استغربت سعاد.
لسه برضه؟
قالت نهى بحزم
الموضوع انتهى من زمان.
هزت سعاد رأسها.
لكنها لاحظت التوتر الواضح في صوتها.
...
على الجانب الآخر من المستشفى...
كان آدم يستعد للمغادرة.
فتح محمود باب السيارة.
لكن قبل أن يركب...
خرجت الممرضة نفسها التي طلبت منه التبرع.
جرت نحوه.
يا فندم... استنى ثانية لو سمحت.
التفت إليها.
قالت وهي تلهث
أم البنت كانت عايزة تشكر حضرتك.
رد بهدوء
قوليلها تدعي لأي حد محتاج.
مش هتحب تقابلها؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
أنا معملتش حاجة تستاهل.
ثم ركب السيارة.
وانطلقت الموكب خارج المستشفى.
وفي اللحظة نفسها تقريبًا...
كانت نهى خارجة من المصعد في الاتجاه الآخر.
ولو كانت وصلت قبلها بثلاثين ثانية فقط...
لكانت وقفت وجهًا لوجه أمام الرجل الذي غاب عن حياتها ثلاثة عشر عامًا.
لكن القدر أخّر اللقاء مرة أخرى.
...
في المساء...
رن هاتف الدكتورة إيلين.
رفعت السماعة.
أيوه يا دكتور سامح.
جاءها الرد هادئًا.
التقرير النهائي جاهز.
والنتيجة؟
ساد صمت قصير.
ثم قال
نسبة التطابق الوراثي تؤكد وجود علاقة أبوة بيولوجية بدرجة يقين علمي مرتفعة جدًا.
أغمضت إيلين عينيها.
كانت تتوقع ذلك...
لكن سماعها بصوت خبير الوراثة جعل الأمر أكثر وقعًا.
سألته
نعمل إيه؟
قال بحزم
من الناحية الطبية، لازم نتأكد إن مفيش تبديل عينات، وبعدها يتم التعامل مع الأمر وفق الإجراءات القانونية والأخلاقية... لأن دي معلومة هتغيّر حياة أكتر من شخص.
أغلقت الهاتف ببطء.
ثم نظرت إلى الظرف الموجود أمامها.
وهمست
يا ترى... مين أخفى الحقيقة كل السنين دي؟
وفي مكان بعيد عن المستشفى...
كان آدم يقف أمام نافذة مكتبه المطلة على القاهرة.
لم يكن يعلم أن هناك تقريرًا يحمل اسمه قد صدر قبل دقائق، وأن الحقيقة التي عاش يصدق عكسها ثلاثة عشر عامًا بدأت تقترب منه خطوة بعد أخرى، بينما في الظل كان شخص آخر يراقب كل ما يحدث، ويشعر بالخوف لأول مرة من أن السر الذي دفنه منذ سنوات أوشك على الظهور في الطابق الأخير من إحدى البنايات القديمة بوسط القاهرة...
كان رجل في أوائل الستينيات يجلس وحده داخل مكتب واسع.
أمامه شاشة تعرض عشرات كاميرات المراقبة المنتشرة في أماكن مختلفة.
دخل أحد مساعديه بسرعة.
يا فندم...
رفع الرجل رأسه.
اتكلم.
آدم المنصوري خرج من المستشفى.
هز رأسه بهدوء.
والبنت؟
العملية نجحت.
ظل صامتًا لثوانٍ.
ثم سأل السؤال الذي حيّر مساعده.
اتبرع لها بنفسه؟
أيوه.
أغمض الرجل عينيه للحظة.
يبقى القدر أسرع مننا.
ارتبك المساعد.
مش فاهم.
فتح الرجل درج مكتبه.
أخرج منه ملفًا قديمًا جدًا.
الغلاف كان أصفر من الزمن.
وعليه بخط اليد
نهى... يُحفظ بسرية تامة.
مرر أصابعه فوق الغلاف.
ثم أعاده مكانه دون أن يفتحه.
كنت عارف إن اليوم ده هييجي...
لكن ما توقعتش إنه ييجي بالطريقة دي.
...
في منزل نهى...
دخلت شقيقتها الكبرى هناء بعدما رجعت من المستشفى.
وضعت الطعام على الطاولة.
روحي ارتاحي شوية... وأنا هبات مع ليلى الليلة.
جلست نهى بصمت.
واضح عليها الإرهاق.
قالت هناء وهي تراقبها
من ساعة ما الدكتور قال إن فيه متبرع أنقذها... وإنتِ مش طبيعية.
ابتسمت نهى ابتسامة باهتة.
يمكن علشان ربنا رحمها.
هزت هناء رأسها.
لا...
أنا أختك.
عارفاكي.
إنتِ خايفة من حاجة.
نظرت نهى إلى الأرض.
ثم قالت بصوت خافت
ساعات بحس إن الماضي مهما هربنا منه... بيرجع يلاقينا.
...
في مقر شركات المنصوري...
دخل آدم إلى مكتبه.
كان المكتب هادئًا كعادته.
لكن السكرتيرة أخبرته
فيه دكتور اسمه سامح رفعت حاول يكلم حضرتك مرتين.
توقف آدم.
قال السبب؟
قال موضوع طبي مهم جدًا.
قطب حاجبيه.
خليه يبعت معاد.
حاضر.
دخل مكتبه.
وقبل أن يجلس...
وقع نظره على إطار صورة قديم فوق الرف.
الصورة الوحيدة الموجودة في المكتب.
كان فيها هو في السادسة والعشرين من عمره.
وبجواره امرأة تبتسم.
ملامحها اختفت تقريبًا بسبب تمزق قديم في الصورة.
أخذ الإطار في يده.
ظل ينظر إليه طويلًا.
ثم أعاده مكانه.
وقال لنفسه
كله بقى ماضي.
لكنه لم يكن يعلم...
أن الماضي نفسه بدأ يتحرك نحوه.
...
في صباح اليوم التالي...
بدأت حالة ليلى تتحسن بشكل ملحوظ.
سمح لها الطبيب بالجلوس لأول مرة.
ابتسمت وهي تنظر من النافذة.
ثم سألت أمها
ماما...
نعم؟
هو أنا ينفع أشوف الراجل اللي أنقذني؟
ابتسمت نهى بحنان.
لو وافق... أكيد.
حتى لو دقيقة واحدة.
ليه؟
قالت ليلى ببساطة
عايزة أقوله شكرًا.
ثم سكتت قليلًا.
وأضافت
معرفش ليه... بس حاسة إني أعرفه.
تجمدت نهى.
شعور غريب مر بقلبها.
حاولت تطرده.
وقالت وهي تبتسم بصعوبة
يمكن علشان هو كان سبب بعد ربنا في نجاتك.
لكن الكلمات لم تُقنعها هي نفسها.
...
وفي تلك اللحظة...
كان الدكتور سامح يضع التقرير النهائي داخل ظرف