رواية كاملة بقلم نور محمد

لمحة نيوز

قامت بسرعة، فتحت الشباك يدخل هوا، جابت مية، وقعدت جنب رحاب تمسك إيدها، وقالت لها بصوت مختلف خالص عن اللي طلع منها تحت إنتي بنتي قبل ما تكوني مرات ابني، والبيت ده بيتك، واللي يتعب يقول. نزلت تنادي ابنها بهدوء، ولأول مرة تحكيله من غير اتهام إن مراته محتاجة راحة ومتابعة دكتور عشان تطمن عليها. الأيام اللي بعد كده غيرت حاجات كتير، رحاب طلعت عندها هبوط حاد من الإرهاق وتوتر ما قبل الفرح، وكل اللي كانت محتاجاه يومين راحة وكلمة طيبة. سعاد بقت كل ما تشوفها نايمة تقول لنفسها إن الستر والرحمة أهم من أي تقاليد، وبقت تحكي لكل قرايبها إن العروسة مش خدامة، دي بنت لسه بتتعود على حياة جديدة. أما الورقة، ففضلت سعاد محتفظة بيها في درجها، مش كذكرى خوف، لكن كدرس عمرها ما هتنساه إن أقسى حاجة ممكن تعملها ست في ست زيها إنها تحاكمها قبل ما تسمعها، وإن كلمتين مكتوبين پخوف قدروا يوقفوا عصاية كانت ممكن تكسر قلب قبل ما تكسر أي حاجة تانية. ومن يومها، كل ما حد في الحي يشتكي من عروسته الجديدة، كانت سعاد تبتسم وتقول اسمعوا قبل ما تحكموا... يمكن الحكاية غير اللي في دماغكم خالص.
من اليوم اللي حصل فيه الموقف ده، البيت كله اتغير من غير ما حد ياخد باله إن التغيير بدأ من قلب الست سعاد نفسها. بعد ما نزلت مع ابنها ورحاب للدكتور واطمنوا إن الإرهاق سببه توتر وضغط الأيام اللي قبل الفرح، رجعوا البيت بهدوء مختلف. سعاد لأول مرة ما دخلتش المطبخ وهي شايلة الدنيا على كتافها، لكن دخلته وهي بتبص على السلم وتقول لنفسها فوق في بنت محتاجة أمان مش أوامر. رحاب قضت يومين في سريرها، وسعاد هي اللي كانت بتطلع لها الأكل والشوربة بإيديها، وكل مرة تدخل الأوضة تفتكر اللحظة اللي فتحت فيها الباب بعصبية، وتحمد ربنا إن ربنا لحقها قبل ما تقول كلمة ټجرح ما تتصلحش.
في اليوم التالت، رحاب نزلت المطبخ بخطوات هادية، لابسة روب بسيط وشعرها مرفوع بعشوائية، باينة لسه تعبانة شوية بس مبتسمة. سعاد كانت واقفة قدام البوتاجاز، ولما سمعت حركتها لفت وشها، وسكتوا الاتنين لحظة طويلة فيها كلام كتير من غير صوت. رحاب قربت وقالت بخجل أنا آسفة إني تعبتك اليومين اللي فاتوا. سعاد بصتلها نظرة مختلفة خالص عن أول يوم، وقالت وأنا آسفة إني كنت هتعبك بكلمة. الجملة كانت صغيرة، لكن وقعت تقيلة على الاتنين، لأنها كانت أول مرة سعاد تعترف بخطأها قدام حد أصغر منها.
الأيام عدت، وكل يوم كان بيكشف حاجة جديدة. سعاد اكتشفت إن رحاب كانت سايبة شغلها في شركة كبيرة عشان تتجوز وتبدأ حياة جديدة، وإنها من جواها كانت خاېفة تكون خسړت نفسها. كانت طول الوقت بتحاول تثبت إنها قد المسؤولية، تطبخ أحسن، تنظف أسرع، تضحك حتى وهي تعبانة، عشان محدش يقول إنها مش قد بيت. وسعاد لما سمعت ده، افتكرت نفسها وهي شابة، لما كانت بتحاول ترضي الكل وتنسى نفسها، لحد ما بقت عصبية ومشدودة طول الوقت.
مرة وهم بيشربوا شاي العصر، رحاب قالت فجأة أنا بحب أشتغل يا ماما سعاد، بحس إن ليَّ قيمة. سعاد ما ردتش فورًا، لكن فضلت باصة في كباية الشاي، وافتكرت كلام الناس اللي هتقول مرات ابنها مش قاعدة في البيت، وافتكرت في نفس الوقت دموع بنت صغيرة كتبت سامحيني يا أمي عشان خاېفة تزعلها. رفعت عينيها وقالت بهدوء القيمة مش في المكان يا بنتي، القيمة في إنك تبقي راضية. لو الشغل هيخليكي أقوى، ارجعي له. الكلمة دي كانت بداية صداقة بينهم مش بس علاقة حما وكنة.
الحي كله بدأ يلاحظ إن سعاد بقت أهدى، صوتها واطي، وما بقاش في بيتها صړيخ. جارتها أم هاني مرة سألتها باستغراب إنتِ عملتي إيه في العروسة؟ شكلها ماسكة البيت ومش سامعين صوت خناقة. سعاد ابتسمت وقالت عملت إيه؟ سمعتها بس. الجملة انتشرت بينهم زي سر صغير، وكل واحدة فيهم كانت بتفكر ترجع تسمع قبل ما تزعل.
ابن سعاد، اللي كان دايمًا واقف في النص بين أمه ومراته، حس لأول مرة إنه مش محتاج يدافع عن حد فيهم. بقى يرجع من شغله يلاقيهم قاعدين بيضحكوا على برنامج قديم، أو بيتفقوا يطبخوا وصفة جديدة من الإنترنت. مرة دخل عليهم لقاهم بيقلبوا في صور الفرح، وسعاد بتقول بصي هنا كنتي خاېفة قد إيه، ورحاب ترد وأنتِ كنتي مړعوپة تسيبي العصاية. ضحكوا التلاتة، واللحظة اللي كانت ممكن تبقى ذكرى سودة، اتحولت لنقطة تحول بيحكوا عنها بخفة.
بعد شهور، رحاب رجعت شغلها بنص وقت، وسعاد كانت هي اللي بتشجعها تجهز بدري وتفطر كويس. كانت تقول لها قوتك من قوتنا. ومع الوقت، العلاقة بينهم بقت أعمق من مجرد تفاهم؛ بقت مشاركة حقيقية. رحاب بقت تحكي لها عن ضغط الشغل، وسعاد تحكي لها عن خۏفها القديم من الوحدة بعد ما ابنها يتجوز وينشغل. الاتنين اكتشفوا إن خوفهم كان متشابه، بس كل واحدة كانت لابسة قناع قوة.
في ليلة شتوية هادية، سعاد دخلت أوضتها
وفتحت الدرج اللي حاطة فيه الورقة الصغيرة. فضلت تبص عليها شوية، وبعدين نادت رحاب. لما طلعت لها، مدت لها الورقة وقالت خديها، دي بتاعتك. رحاب اتفاجئت وقالت لا خليهالك ذكرى. سعاد هزت راسها وقالت الذكرى دي مش عشان نفتكر خوف، عشان نفتكر إننا اخترنا الرحمة بدل القسۏة. وإنتِ خلاص بقيتي قوية، مش محتاجة تعتذري عن تعبك تاني. رحاب حضنتها حضڼ طويل، حضڼ بنت لقت أم مش خصم.
السنين عدت، وكل ما البيت كان يعدي بموقف صعب، كانوا يرجعوا للحظة دي. لحظة الباب اللي اتفتح بعصبية واتقفل بحنان. ولما ربنا رزق رحاب بطفلة صغيرة بعد فترة، سعاد كانت أول واحدة تشيلها وتهمس في ودنها إحنا في البيت ده بنتعلم نسمع قبل ما نحكم. رحاب كانت بتبص لها بعين فيها امتنان عميق، لأنها عرفت إن أصعب اختبار في حياتها كان أول يوم، وإن نجاحها ما كانش في إنها تثبت قوتها، لكن في إنها كتبت كلمتين صادقين غيروا قلب حد تاني.
وهكذا، البيت اللي كان ممكن يبقى ساحة صراع بين جيلين، بقى مساحة أمان بتكبر مع كل اعتراف وكل كلمة طيبة. وسعاد كل ما تسمع حد يقول إن الحما والكنة لازم بينهم شد وجذب، تبتسم بثقة وتقول مفيش علاقة محكومة بالفشل... في علاقة محتاجة شوية شجاعة تعترف، وشوية رحمة تسامح.
بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين
وهم الغربه بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
أنا اسمي هالة. عشر سنين جواز من سامح، كنت دايمًا بقول إن صبري ده هو الاستثمار اللي هجني ثمنه في الآخر. عشر سنين من عمري فاتوا وأنا مابين أربع حيطان، شايلة شيلة بيت كامل لوحدي؛ أنا الأب وأنا الأم، وأنا السباك والكهربائي، وأنا اللي بذاكر وأنا اللي بودي تمارين.
سامح كان بالنسبة لي البطل اللي مضحّي بحياته وشبابه في ڼار الغربة عشان يبني لنا جنة هنا في مصر. كان بينزل شهر واحد في السنة، شهر كنت بفرش له فيه الأرض رمل، وبنسى فيه كل تعب السنة بمجرد ما يدخل من الباب العيال. كان دايمًا يمسك إيدي ويقولي بنبرة كلها شجن الكاتبه نرمين عادل همام
استحملي يا هالة.. الغربة دي بتاكل في عمري، والوحدة هناك بتقتل، بس كله يهون عشان أشوفكم في أحسن حال وابني مستقبل للعيال
كنت بصدقه.. بصدقه لدرجة إني كنت بحس بالذنب لو اشتريت لنفسي طقم جديد في العيد، كنت أقول حرام.. سامح هناك بيتحرم من لقمة هنية عشان يبعت لنا القرش ده. كنت بحوش الجنيه فوق الجنيه، وعيني على الحلم الكبير.. مستقبل العيال
كل يوم بالليل، كنت بستنى مكالمة الفيديو بفارغ الصبر. كان يفتح الكاميرا، وأشوفه قاعد في أوضة ضيقة جداً، دهان حيطانها مقشر، وسرير حديد قديم بيطلع صوت مع كل حركة، ومروحة سقف بتزيّق كأنها بتنازع. كان يمسح العرق من على جبينه ويقولي بصوت مجهد شايفة العيشة يا هالة؟ أهو ده اللي أنا فيه طول اليوم.. شغل 12 ساعة ومرواح على الأوضة دي، مابشوفش حد ولا بكلم حد غيركم الكاتبه نرمين عادل همام
كنت بقعد أعيط.. أعيط عليه مش منه. كنت أدعي له في كل صلاة إن ربنا يهون عليه ويفتحها في وشه. كنت ببعت له صور العيال وهما بيكبروا، وصور الأكل اللي بحبه وأقوله نفسي تكون معانا وتدوقه، وهو يرد لقمتي هنا ناشفة يا هالة، بس الحمد لله.
بنيت له في خيالي تمثال من الوفاء والټضحية. كنت حارمة نفسي من الخروج مع صحباتي، ومن زيارة أهلي بانتظام عشان أوفر مواصلات وهدايا، كنت عايشة على الويتينج زي ما بيقولوا، مستنية اللحظة اللي يرجع فيها نهائي.
لحد ما جه اليوم اللي غير مسار حياتي كلها.. يوم عادي جداً،وهو هنا في الاجازة
فتحت الاستديو في الفون عنده لاقيت صور بنت صغيرة وسامح وواقفه جنبهم ست بتضحك وحاضنه سامح. الكاتبه نرمين عادل همام
سامح كان واقف قدامي، ريحة الشامبو والسکينة اللي كانت ماليّة وشه خلتني أحس إني كنت عايشة مع ممثّل عالمي لمدة عشر سنين. ابتسامته اللي كانت بتهوّن عليا الأيام، بقت دلوقتي زي السم في عيني.
بصيت للموبايل اللي لسه في إيدي، الصورة كانت لسه منورة الشاشة.. البنت اللي عندها 5 سنين، والست اللي لابسة دهب يغطي عين الشمس وشكلها من عند اهله بالبلد ، والبيت اللي شبه القصور. فين المرتبة القطن اللي كان بيقول إنه بينام عليها وظهره بيوجعه؟ فين العيشة اللي تقصر العمر اللي كان بيحكي عنها وهو بيعيط في التليفون؟
لو من عند اهله من البلد يعنى اهله عارفين يعنى خدمتى لهم ماقدروهش ماهو طبعا لاحيتجوز ولا يخلف ومابيلغش امه ولا اخواته. الكاتبه نرمين عادل همام
سامح قرب مني بجهل تمام باللي بيحصل يا هالة.. ردي عليا، مالك؟ العيال فيهم حاجة؟ ولا حد زعلك من أهلي تحت؟
قفلت الموبايل بسرعة وحطيته على الكومودينو وحاولت أجمع شتات نفسي. النفس كان بيطلع من صدري بصعوبة، وكأن فيه إيد بتخنقني. قلت له بصوت مېت، بحاول أخبّي الرعشة اللي فيه مفيش.. الضغط واطي شوية يا سامح، يمكن من وقفة المطبخ طول النهار الكاتبه نرمين عادل همام
صدقني ببرود غريب وقال طيب يا حبيبتي، ارتاحي شوية، أنا هنزل أقعد مع الجماعة تحت ساعة كدة، وأطلع ألاقيكي بقيتي كويسة عشان نلحق نتعشى.
نزل وسابني.. سابني مع حطام عشر سنين. أول ما قفل الباب، رجلي ما شالتنيش، قعدت على الأرض والدموع نزلت زي الشلال بس من غير صوت.. كنت خاېفة العيال يسمعوني.
فتحت الموبايل تاني.. كنت بقرأ التاريخ اللي على الصور. الصور بقالها سنين، يعني البنت دي جت للدنيا وإحنا هنا بنعد الجنيه عشان نشتري باكو لبن علشان نحوش للبيه. يعني الست دي كانت بتلبس دهب من شقاه،
بدأت أفتش في الرسايل.. لقيت عالم تاني. رسايل حب وغرام، رسايل بتقوله وحشتنا يا بابا، رسايل عن ايجار البيت الواسع وتصليح التكييف. فهمت ليه كان بيكلمني فيديو من أوضة ضيقة.. كان أكيد مأجر أوضة كئيبة بس عشان يمثل فيها دور الشهيد، وبعد المكالمة يرجع لمراته التانية وبنته وقصره!الكاتبه نرمين عادل همام
حسيت إني كنت حصالة بالنسبة له.. شريكة في الفقر والهم، والست التانية شريكة في العز والرفاهية. بس السؤال اللي كان بياكل عقلي إزاي؟ إزاي قدر يعيش الشخصيتين دول؟ وإزاي قدر يشوف دموعي عليه وهو عارف إنه بيغفلني؟
قمت من على الأرض، مسحت دموعي، وبصيت لنفسي في المراية. هالة اللي كانت طيبة وعببيطة ماټت في اللحظة دي. فتحت الدولاب، وطلعت شنطة الورق اللي هو شايلها، وبدأت أدور.. كنت عايزة أعرف الست دي مين، وجوازهم تم إمتى، والأهم.. الفلوس اللي حولتها له طول السنين دي راحت فين؟
كملت الشهر مع سامح وكأن مفيش حاجة حصلت. كنت بقوم من جنبه بالليل، وهو نايم بيحلم بأكاذيبه، وأدخل المطبخ، أشرب مية ساقعة عشان أطفي الڼار اللي في صدري. كنت بطبخ له أحلى الأكلات اللي بيحبها، وأنا ببص له وبقول في سري كُل يا سامح.. كُل بألف هنا، عشان دي آخر لقمة هتاكلها من إيدي.
كنت بضحك في وشه، وبدلع العيال قدامه، وبسمع حكاويه عن تعب الشغل وقرف السكن وأنا بهز راسي وبقوله ربنا يعينك يا حبيبي. بس في الحقيقة، كنت في كل لحظة بختلسها بعيد عنه، بكلم المحامي.
أول حاجة عملتها، سحبت التوكيل العام من الدرج وصورته وبعته للمحامي واتساب. سألته ينفع أبيع لنفسي بموجب التوكيل ده؟ رد عليا طالما التوكيل ساري وفيه بند البيع للنفس وللغير، تقدري تظبطي الدنيا. وفي ظرف أسبوع، كنت ماضية على عقود بيع الشقة التمليك والأرض اللي في البلد لنفسي بصفة قانونية، وسجلتهم في الشهر العقاري وهو قاعد في الصالة بيتفرج على الماتش!الكاتبه نرمين عادل همام
يوم سفره، وصلته المطار، وحضنته، وبكيت.. بس مكنتش ببكي على فراقه، كنت ببكي على العشر سنين اللي ضاعوا مع تمثال رمل.
وبعدها باسبوع رفعت قضية طلاق للضرر، وبعت له رسالة واحدة يا تطلق بالمعروف، يا الخلع هيكون الڤضيحة اللي هتخلص عليك وعلى مستقبلك هناك.
المضحك المبكي إن سامح لما جيه يتجوزني، ما دفعش غير مية جنيه مهر، لا شبكة تليق ولا فرح يحكوا عنه، وبحجة بنامن مستقبلنا وافقت وبدأت معاه من الصفر، قصدي من تحت الصفر. لكن الست اللي هناك، سافرت له بفستان الفرح، بعقد جواز أخوه هو اللي مضى عليه بتوكيل، راحت له جاهزة على العز اللي أنا بنيته الكاتبه نرمين عادل همام
أهله جولي البيت، داخلين بوش التقوى والورع والتحايل يا هالة يا بنتي، الراجل غريب ومحتاج ست تخدمه وتؤنس وحدته، والشرع محلل أربعة، ليه تخربي بيتك وتيتمي عيالك؟
رديت عليهم بضحكة ۏجع وحدته؟ ده متجوز مخلف بنت عندها 7 سنين وولد اصغر! يعني الوحدة دي بدأت وأنا لسه بخيط هدوم ولادي عشان ملقيش قرش زيادة أصرفه! عيالي ميتيمين وأبوهم عايش، يتّمهم لما قرر ياخد شقاي ويديه لواحدة تانية تلبس بيه دهب وتعيش في قصور. أنا مأمنتش مستقبل عياله اللي هناك.. أنا أمنت مستقبل عيالي أنا، وده حقي تمن العشر سنين اللي ضاعوا من عمري.
أنا فعلاً حسبتها، عشر سنين جواز، كان بينزل فيهم شهر واحد.. يعني مجموع حياتي معاه فعلياً مكملش سنة! سنة واحدة مقابل تسع سنين شقى ووحدة وتربية ومسؤولية لوحدي.
دلوقتي، أنا غيرت شريحة التليفون، قفلت باب الزن والتحايل، ومحاولاته إنه يرجع يتمسكن عشان يرجع اللي ضاع منه. الأرض اللي في البلد، اللي كانت حلم أهله، هبيعها. أيوه هبيعها ومش هخلي له فيها ريحة، والفلوس دي مع اللي حوشته هفتح بيهم ماركت كبير في منطقة حيوية الكاتبه نرمين عادل همام
مشروع يخليني ست نفسي، ماركت باسمي أنا، يضمن لبناتي عيشة كريمة وتعليم غالي، عشان لما يكبروا ميرضوش ب مية جنيه مهر ولا يستنوا حد يأمن مستقبلهم.
أنا مش ندمانة، أنا أخدت تمن سنيني اللي فاتت كاش، وسبت له هو العز اللي هناك يعيش فيه.. عز مبني على باطل، وأهو قاعد هناك والنهاردة أنا اللي كسبت.. كسبت نفسي.
تمت
الكاتبه نرمين عادل همام
بعد ١٢ سنة خدمة وتنازل عن طموحي عشان يلمع هو، اكتشفت إنه مش بس عايزني أدفع نص مصاريف البيت.. ده كان حاسب تمن النفس اللي بتنفسه في شقته، ومجهز ورقة طلاقي
بمجرد ما رصيدي عنده يخلص. الصدمة مكنتش في الفلوس، الصدمة كانت في الملف اللي لقيته على لابه بالصدفة!
١٢ سنة.. ١٢ سنة وأنا الحيطة المايلة اللي ساند عليها أحلامه. ١٢ سنة بكنسل نفسي، وبطفي نوري عشان هو ينور. كنت فاكرة إننا واحد، لحد ما الليلة دي جات، والسکينة اتسنت على رقبتي بكلمة واحدة.
كنا قاعدين بنشرب الشاي، الجو هادي، والعيال ناموا. فجأة سكت، وبص لي بنظرة غريبة، نظرة تاجر بيجرد بضاعته، وقال ببرود يجمّد الډم في العروق
بصي يا نهى.. الدنيا غليت، وأنا مش حمل أشيل لوحدي. من بكرة، أي لقمة هتدخل البيت، أي فاتورة كهرباء، حتى إيجار الشقة التقديري.. هيتقسم بيني وبينك بالنص. مفيش حاجة اسمها مراتي، فيه حاجة اسمها شريكة بتدفع.
ضحكت بۏجع وقلت له أدفع منين يا عادل؟ أنا سبت شغلي بطلب منك عشان أتفرغ لتربية ولادك وعشان أسهر على راحة والدتك الله يرحمها سنتين في تعبها.. إنت ناسي؟
رد عليا بابتسامة باردة تقرف ده كان اختيارك يا حبيبتي.. أنا مش مسؤول عن فراغك الوظيفي. قدامك شهر، يا تدفعي النص، يا تشوفي لك مكان أرخص تعيشي فيه.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. مكان أرخص؟ هو بيتكلم عن بيتي؟ عن العش اللي بنيته قشة قشة من دهبي ومصروف أهلي في البداية؟
بدأت أراقب تصرفاته.. عادل اتغير. بقى يغير باسورد موبايله كل يوم، بقى يرجع ريحته براندات غالية وهو اللي كان بيستخسر فيا تمن فستان جديد.
وفي ليلة.. ساب اللابتوب مفتوح وراح يغسل وشه. الفضول قتلني، دخلت على آخر ملف كان فاتحه.. وكان هنا الړعب الحقيقي.
ملف إكسيل بعنوان خطة التصفية.
اسمي مكتوب، وتحته جدول مرعب. مش بس مصاريف الأكل، ده كاتب
تمن استهلاك العفش ٥٠٠ جنيه شهرياً.
نصيبها في المنظفات والصابون.
وفوق كل ده، خانة في الآخر مكتوب فيها تاريخ الإخلاء المتوقع أول ما رصيدها البنكي يصفر.
وفوق كل ده، لقيت صور ل شقة تانية بيفرشها في صمت.. ومحادثات مع محامي بيسأله إزاي أطردها من الشقة قانوناً لو مدفعتش النص؟
الدنيا لفت بيا.. الراجل اللي كنت بفتديه بعمري، كان بيخطط يرميني في الشارع بعد ما خلصت صلاحيتي بالنسبة له، وكان مستني بس اللحظة اللي يذلني فيها بالقرش.
لكن عادل نسي حاجة واحدة بس.. نسي إني نهى، اللي قبل ما تكون ست بيت، كانت أشطر محاسبة في شركتها القديمة، واللعبة اللي بدأها.. أنا اللي هنهيها، وبطريقتي.
الکاتبه_نور_محمد
الجزء الأخير الحساب الختامي.. ومين اللي هيدفع التمن
عدى الشهر، وعادل كان بيعد الأيام بابتسامة نصر، فاكر إنه كسرني. وفي ليلة تاريخ الإخلاء اللي حدده في ملف الإكسيل، دخل البيت ومعاه شنطة سوداء فيها أوراق، وقعد على السفرة وحط رجل على رجل.
قال بثقة ها يا نهى؟ الشهر خلص. فين النصيب اللي عليكي؟ ولا أطلب لك أوبر يوصلك بيت أهلك بالشنطتين اللي حيلتك؟
قعدت قدامه بكل هدوء، وحطيت قدامه ملف تاني خالص، وقلت له بصوت ثابت لا يا عادل، أنا مش هدفع.. أنا جاية أقبض.
فتح الملف وهو بيضحك باستهزاء، بس الضحكة اختفت تدريجياً وملامحه اتخطفت. الملف كان فاتورة عكسية احترافية، مجهزة بذكاء محاسبة فاهمة هي بتعمل إيه
البند الأول تمن تمريض والدتك الله يرحمها لمدة سنتين، 24 ساعة يومياً.. بسعر ممرضة مقيمة بالسوق حالياً.
البند الثاني تمن دهبي اللي بعته عشان نشتري أول عربية ليك، محسوب بسعر الجرام النهاردة.
البند الثالث نسبتي في شركتك اللي كبرت بفضل شغلي معاك من البيت وتنسيق مواعيدك وعقودك لمدة 10 سنين بدون أجر.
البند الرابع تمن إدارة المنزل وتربية الأبناء بديل مديرة منزل ومدرس خصوصي.
المجموع؟ رقم يشتري الشقة اللي إنت ساكن فيها، والشقة التانية اللي بتفرشها في السري يا عادل.
اټجنن وقال ده كلام عيال! ملوش قيمة قانونية!
طلعت له ورقة تانية وده بلاغ للضرائب وللشركة اللي إنت شريك فيها، بخصوص المبالغ اللي بتهربها في حساباتك الجانبية.. ومعاها صور من شات المحامي بتاعك وإنت بتخطط لطردي عشان تخلي الشقة لمرتك الجديدة.
وقع القلم من إيده. اكتشف إن الست اللي كان فاكرها عايشة على الجاهز، كانت هي العمود الفقري اللي شايل حياته، ولما قرر يكسره، البيت كله وقع فوق دماغه.
النهاية
عادل خسر كل حاجة. الشقة بقت من حقي بقوة القانون ك حاضنة، وبالتسوية اللي تمت عشان ما يسجنش بسب التلاعب الضريبي، خدت حقي تالت ومتلت.
الدرس اللي عايزة أقوله لكل ست
أوعي تمحي هويتك عشان حد، حتى لو كان جوزك.
طموحك وشغلك هما سندك الحقيقي لما الدنيا تضلم.
اللي يطلب منك النص في المصاريف، لازم يشيل النص في غسيل المواعين، وتربية العيال، وسهر الليالي.. الجواز مودة ورحمة مش شركة مساهمة بتكسب من دمك.
أنا النهاردة رجعت لشغلي، وبنيت حياتي من جديد، وعادل لسه بيحاول يسدد في ديون الغدر اللي افتكر إنه هيغدر بيها بيا.
تمت.
لو أعجبتك القصة، شاركها لعلها تكون تنبيهاً لغيرك. وادعمها بلایك وکومنت للاسمرار مع تحیاتی الکاتبه نور محمد

تم نسخ الرابط