بعد كل مره

لمحة نيوز

الله يرحمها في بعض المسائل القانونية. ممكن يكون هو المقصود. أنا ما أعرفش عنه حاجة تانية.
خرجت من العيادة وأنا حاسة إني ماسكة أول خيط حقيقي.
لكن المفاجأة كانت مستنياني في مكالمة من رقم غريب.
مدام منى؟ أنا سليم منصور، محامي والدتك السابق. فيه وصية تخص شقتك، ووالدتك طلبت مني ما أسلمكيش نسخة منها إلا لو حصل ظرف معين.
اتسمرت مكاني.
وصية؟ ماما ماټت من أربع سنين! ليه ما قلتليش؟
رد بهدوء
لأن الوصية دي مش وصية بالمعنى اللي إنتِ متخيلاه. والدتك كانت عارفة إنك بتحبي أحمد، وكانت خاېفة إنك في يوم تتعرضي لضغط أو تحطي إمضتك على ورق يضيع حقك. وهي سابت تعليمات واضحة بخصوص ملكية الشقة، وطلبت مني أتحرك لو ظهر أي ڼزاع عليها.
عيني دمعت.
أمي!
حتى بعد ما مشيت، كانت بتحاول تحميني.
اتفقنا نتقابل بعد ساعة في مكتبه.
وقبل ما أقفل، سألته
أستاذ سليم، إنت تعرف حاجة عن أحمد أو أمه؟
سكت لحظة، وبعدين قال
أعرف إن والدتك رفضت قبل ۏفاتها طلبًا غريبًا من أحمد، وكان متعلقًا بالشقة. لكن التفاصيل لازم أوريهالك بالمستندات، مش بالكلام.
المفاجأة الأولى الشقة ما كانتش مجرد شقة!
وصلت مكتب المحامي، ولقيته مجهز ملفًا قديمًا.
فتح قدامي عقد ملكية الشقة الأصلي، وبعدين طلع مستندًا تاني.
والدتك اشترت الشقة دي بفلوسها الخاصة قبل جوازك، وسجلتها باسمك. وفيه إقرار موثق يثبت إن الشقة ملك ليكي وحدك، وإن زوجك ما لوش أي حق فيها لمجرد إنه زوجك أو ساكن معاكي.
قلتله
أنا عارفة إنها ملكي، بس إيه اللي ماما كانت خاېفة منه؟
طلع ورقة عليها تاريخ قبل ۏفاة أمي بشهور.
أحمد جه هنا مع والدته، وقال إنهم عايزين يشتروا الشقة منك أو ياخدوها كضمان لمشروع. والدتك رفضت تمامًا، لأنها شكت إن فيه ضغط بيتعمل عليكي.
بصيت للورقة.
كان فيها توقيع أحمد، وإقرار باستلام نسخة من مستندات الملكية، وتعهد بعدم استخدامها لأي غرض غير مشروع.
لكن أحمد ما وقفش عند كده.
المحامي كمل
والدتك طلبت مني أضيف تعليمات إن أي محاولة للتصرف في الشقة بتوكيل صادر منك لازم تتراجع بدقة، وإنك تتبلغي فورًا لو ظهر أي مستند مشپوه.
حسيت بدموعي بتنزل.
ماما كانت عارفة إن أحمد ممكن يعمل كده؟
ما نقدرش نقول إنها كانت متأكدة. لكنها كانت خاېفة عليكي، وقررت تحميكي قانونيًا على قد ما تقدر.
سألته عن عقد البيع اللي لقيته في المكتب، وعن التوقيع المزور.
لما
شاف الصور، اتغيرت ملامحه.
دي مش مجرد محاولة استغلال ثقة. لو التوقيع مش توقيعك فعلًا، لازم نتحرك فورًا، ونعرض الأوراق على محامٍ مختص، ونثبت حالتها قبل ما أي حد يستخدمها.
قلتله
أنا مش عايزة أضيّع حقي، ومش عايزة حد تاني يتأذى بسببي. أنا عايزة كل حاجة تتم بالقانون.
ابتسم لأول مرة.
وده بالظبط اللي لازم يحصل.
وقبل ما أمشي، سلمني نسخة من المستندات، وقال
فيه حاجة أخيرة. والدتك كانت سايبة لي رسالة ليكي، وقالت ما تتفتحش إلا لو احتجتيها فعلًا.
فتح درجًا، وطلع ظرفًا أبيض مكتوب عليه بخط أمي
إلى منى، لو جه اليوم اللي تحسي فيه إنك لوحدك.
أخدت الظرف وخرجت من المكتب.
ما قدرتش أفتحه غير لما ركبت العربية.
جواه كانت ورقة واحدة.
بنتي منى،
لو بتقري الكلام ده، فغالبًا إنتِ بتمري بوقت صعب، وبتسألي نفسك إذا كنتِ قصرتي أو فشلتي في حاجة.
عايزاكي تعرفي إنك مش مطالبة تثبتي قيمتك لحد، لا بجواز، ولا بخلفة، ولا بفلوس، ولا بتضحيات مالهاش آخر.
اللي بيحبك بجد، ما يخليش خۏفك منه وسيلة يسيطر بيها عليكي.
ولو لقيتي نفسك في يوم بتدفعي تمن استمرار علاقة من كرامتك وأمانك، افتكري إنك تستحقي تعيشي من غير خوف.
بحبك يا بنتي، وفخورة بيكي مهما كانت قراراتك.
ضمّيت الورقة لصدري وعيطت.
لكن المرة دي، ما كانتش دموع ضعف.
كانت دموع بنت افتكرت إن ليها قيمة، حتى لو كل اللي حواليها حاولوا يقنعوها بعكس كده.
الساعة عشرة صباحًا يوم الإمضا اللي ما حصلتش
رجعت البيت قبل معاد مقابلة المحامي بربع ساعة.
لقيت أحمد لابس قميصه، وحاطط قدامه ملف أزرق، وحماتي قاعدة جنبه، ونسرين بتتكلم معاه على الموبايل.
أول ما شافني، قفل المكالمة بسرعة.
كنتِ فين يا منى؟ أنا صحيت ما لقيتكيش!
ابتسمت بهدوء.
كنت بخلص مشوار.
بص لحماتي، وهي ردت بسرعة
معلش يا بنتي، أصل أحمد كان قلقان عليكي.
كنت عارفة إنها بتكذب، لكني قعدت قدامهم من غير ما أعلق.
أحمد زق الملف ناحيتي.
بصي يا حبيبتي، أنا عندي فرصة استثمار ممتازة. محتاج أستخدم الشقة كضمان مؤقت عشان البنك يوافق على التمويل. المشروع هيكسبنا كتير، وبعد كام شهر هنكون في حتة تانية خالص.
بصيت للورق.
كان فيه توكيل، وإقرار، وأوراق تخص القرض.
قلتله
وليه محتاج الشقة بالذات؟
عشان قيمتها كويسة، والبنك بيطلب ضمان.
والمشروع اسمه إيه؟
اتردد لحظة.
مشروع عقاري.
مع مين؟
بصلي بعصبية.
إيه التحقيق ده كله؟! إنتِ عمرك ما شككتي فيَّ بالطريقة دي!
حماتي دخلت على الخط
يا منى، ده جوزك. المفروض تقفي جنبه بدل ما تعقدي الدنيا. الراجل بيحاول يعمل مستقبل ليكم.
بصيتلها، وقلت بهدوء
مستقبل مين بالظبط يا حاجة فوزية؟
وشها اتغير.
أحمد ضړب الملف بإيده.
منى، إحنا مش هنقعد طول اليوم. المحامي مستنينا، ولازم تمضي دلوقتي.
قلتله
أنا هراجع الورق الأول مع محاميّ.
وقف مرة واحدة.
محاميكي؟! هو إنتِ محتاجة محامي عشان تثقي في جوزك؟!
أنا محتاجة أفهم أنا بمضي على إيه.
حماتي قامت من مكانها وقالت
والله يا بنتي، إنتِ كده بتكسري قلب ابني! بعد كل السنين دي، مش قادرة تثقي فيه؟
بصيتلها، وافتكرت كل ليلة قالتلي فيها إن العيب فيَّ، وكل مرة جريت فيها أجيب لها الدوا، وكل مرة كانت بتطبطب على كتفي وهي بتقولي إن ربنا هيعوضني.
وبعدين قلت
الثقة مش معناها إني أمضي على ورق مش فاهمة محتواه.
أحمد مد إيده ناحية الأوراق، وقال بصوت غريب
منى، أنا بقولك للمرة الأخيرة، إمضي.
سحبت الملف ناحيتي، وقلّبت آخر صفحة.
وبعدين رفعت عيني في عينيه.
قبل ما أمضي، عندي سؤال واحد. مين نسرين؟
سكت البيت كله.
حماتي فتحت بقها، لكن ما خرجش منها صوت.
أحمد وشه شحب.
إنتِ بتقولي إيه؟
نسرين. الست اللي كنت بتكلمها امبارح الساعة واحدة وسبعتاشر دقيقة. واللي ابنها بيناديك يا بابا. عايزة أعرف مين هي.
حاول يضحك، لكن ضحكته طلعت مکسورة.
إنتِ فهمتي غلط. دي واحدة من معارف الشغل، والطفل...
قاطعته
والطفل ابنك؟
ما ردش.
فتحت موبايلها، وشغلت تسجيلًا كنت سجلته من غير ما يحس، وأنا واقفة عند باب المكتب قبل الفجر. التسجيل ما كانش فيه كل حاجة، لكنه كان فيه صوته وهو بيتكلم عن الشقة والقرض، وصوت أمه وهي بتقوله إن منى على قد حالها وبتصدق أي كلمة.
حماتي شهقت.
إنتِ كنتِ بتسجلي لنا؟!
قلت
أنا كنت بحاول أفهم إيه اللي بيحصل في بيتي.
أحمد قرب مني، ومد إيده ناحية الموبايل.
رجعت لورا فورًا.
ما تقربش!
لأول مرة في حياتي، قلتله الكلمتين دول من غير ما أخاف من رد فعله.
وقفت، وخدت شنطتي، وقلت
أنا مش همضي أي ورقة. والمحامي بتاعي هيتواصل معاكم بخصوص الشقة والمستندات اللي لقيتها.
أحمد حاول يمسك إيدي.
منى، استني! إنتِ مش فاهمة الصورة كاملة!
بصيتله وقلت
يبقى فهمني. دلوقتي. من غير كدب.
سكت.
وبعدين، من غير ما يبصلي في عيني، قال
أيوه، إيميلي ابني.
حسيت إن قلبي اتكسر للمرة التانية.
ونسرين؟
كنت مرتبط بيها من زمان.
قبل ما نتجوز؟
نزل عينه للأرض.
لا.
ما احتجتش أسأله أكتر.
الكلمة الواحدة كانت كفاية.
السر الأخطر إيميلي مش هو الحكاية كلها
كنت على وشك أخرج من البيت، لما رن جرس الباب.
أحمد اتوتر بشكل غريب، وبص لأمه.
فتحت الباب، ولقيت راجل في أواخر الأربعينات، ماسك ملفًا، ومعاه محامية شابة.
قال
صباح الخير. أنا الأستاذ سليم منصور، المحامي. ودي الأستاذة هالة، زميلتي. إحنا جايين بناءً على طلب مدام منى.
أحمد بصلي پصدمة.
إنتِ جبتي محامي للبيت؟!
قلت
أنا طلبت منه ييجي عشان فيه مستندات محتاجة مراجعة.
دخلوا وقعدوا في الصالة، وطلبت من أحمد وحماتي يقعدوا هم كمان.
الأستاذة هالة فتحت الملف، وقالت
إحنا مش جايين نتخانق مع حد. لكن عندنا مستندات بتثير أسئلة جدية بخصوص محاولة التصرف في شقة مملوكة لمدام منى، وفيه توقيع هي بتنفي إنه توقيعها. المطلوب إننا نوقف أي إجراء لحين مراجعة الأوراق رسميًا.
أحمد حاول يتكلم، لكن المحامية كملت
كمان فيه مستندات طبية قديمة تخص مدام منى، واتضح إنها كانت بتتعرض لضغط نفسي مبني على معلومات ناقصة، وده موضوع منفصل عن الڼزاع العقاري.
حماتي بدأت ټعيط.
إحنا ما كناش عايزين نأذيها!
بصيتلها.
أمال كنتوا عايزين تعملوا إيه؟ كنتوا عايزين تخلوني أمضي على بيتي، وتخلوني أعيش طول عمري فاكرة إني السبب في كل حاجة؟
ما ردتش.
في اللحظة دي، موبايل أحمد رن.
اسم نسرين ظهر على الشاشة.
رفض المكالمة.
بعدها بثواني، جاله اتصال تاني، فقام وخرج ناحية الشباك.
لكن صوت نسرين كان عالي لدرجة إننا سمعنا كلامها من السماعة.
إنت قلتلي إن منى هتمضي النهارده! أنا مش هفضل مستنية! إنت وعدتني بالشقة، ووعدتني إنك هتخلص من الجوازة دي!
أحمد قال بعصبية
وطي صوتك! أنا هتصرف!
لكن نسرين ردت
لا، مش هسكت! أنا مش هضحي بابني عشانك أكتر من كده. وإنت عارف كويس إن أمك هي اللي اقترحت موضوع الشقة من الأول!
حماتي غطت وشها بإيديها.
وأحمد قفل المكالمة پعنف.
بصيتله وقلت
يعني حتى هي ما كانتش عارفة إنك هتخليني أمضي بإيدي على ورق يضيّع حقي؟
قال بسرعة
أنا كنت هحل الموضوع بعدين!
بعدين إمتى؟ بعد ما تبيع شقتي؟ بعد ما تاخد الفلوس؟ ولا بعد ما تسيبني من غير بيت؟
ما عرفش يرد.
الأستاذة هالة طلبت منه بهدوء ما يتصرفش في أي مستندات أو أصول تخصني لحين مراجعة الڼزاع،
وأكدت إن أي ادعاءات عن التوقيعات لازم تتثبت بالإجراءات الرسمية.
لكن قبل ما الاجتماع ينتهي، حماتي قامت فجأة، وراحت ناحية أوضتها.
رجعت بعد دقائق، وفي إيدها علبة صغيرة قديمة.
حطتها
تم نسخ الرابط