عودة جابر - محمد نور

لمحة نيوز

قوته
كنت فاكر إني هخسرك إنت كمان.
جابر عيط زي الأطفال
ما خسرتنيش يا ابني.. أنا لسه واجده حالا.
لما الإسعاف أكدوا إن أدهم حالته مستقرة بس محتاج فحص عشان إصابة رجله، جابر رافق العربية من غير ما يسيب إيده لحظة.
الولد بص له
وأنا صغير، كنت بقعد على الصخرة اللي جنب الطريق أيام عيد ميلادي.
جابر باستغراب
ليه؟
عشان لو في يوم جيت تدور عليا، تلاقيني هناك.
رجل الأعمال حط إيده على بقه من الصدمة.
أدهم كمل
بطلت أعمل كده لما كُلفت 13 سنة.. كنت فاكر إنك مش عايز تعرفني أساساً.
جابر سند جبهته على إيد ابنه
لو كنت أعرف إنك هناك.. كنت مشيت في الطريق ده كل يوم.
تاني يوم الصبح، ميرفت اتنقلت للمستشفى بعد ما جالها أزمة حادة في الصدر وصعوبة في التنفس، والدكتور قرر يحجزها عشان يتأكدوا من سلامة القلب.
جابر جاله الخبر وهو قاعد يستنى خروج أدهم.
ما كانش عارف هو عايز يشوفها ولا لأ.
حنان، اللي لسه صاحية من إمبارح، قربت منه
لازم تروح لها.
دي ضيعت مننا 19 سنة.
عارفة.
وسابتك لوحدك مع ابننا.
وعارفة ده كمان.
جابر بص لها مش مصدق
اومال ليه عايزاني أروح؟
حنان أخدت نفس عميق
عشان مش عايزة الكره يسوقنا تاني.
ميرفت فضلت محجوزة أيام، ولما صحتها استقرت شوية، جابر وحنان دخلوا يزوروها.
العجوزة ما قدرتش ترفع عينها في وش مرات ابنها
ما كنتش فاكرة إن قراري هيعمل الدمار ده كله.
جابر رد بنبرة حادة بس هادية
كنتي عارفة يا أمي.. كل جواب رجعتيه كان بيفكرك.
ميرفت عيطت بحړقة.
واعترفت إنها بعد ما بقت أرملة شابة وعاشت تشقى السنين دي كلها، جبرها خوف مرضي إن ابنها يعيش نفس الفقر والمرمطة.
كانت فاكرة إنها لما تبعده عن الحياة دي، هتعمل فيه معروف وتخليه سعيد.
كنت فاكرة إني لما أبعدك عن هناك، هتبقى ملك.
إنتي عمرك ما سألتني أصلاً إيه معنى السعادة عندي.
العجوزة بصت لحنان
أنا ما استاهلش تسامحيني.
حنان سكتت فترة طويلة
إني أسامحك مش معناه إني نسيت اللي عملتيه.. ومش معناه أبداً إنك ليكي حق تدخلي في حياتنا تاني.
ميرفت هزت راسها وهي بټعيط
فاهمة..
بس أنا كمان مش عايزة باقي عمري أكمله وأنا كارهكي.
أدهم، اللي كان واقف على باب الأوضة مسند على عكاز، قرب بالراحة.
ميرفت بصت له
إنت حفيدي..
هو بص لها بثبات
وكنت كده من يوم ما اتولدت أصلاً.
الكلمة دي خلت الست ټعيط أكتر.
أدهم ما حضنهاش..
كان لسه بدري قوي على كده.
بس قعد جنبها شوية.
وبالنسبة لست قضت 19 سنة تنكر وجوده، اللحظة دي كانت بداية درس لا تمنه فلوس في الدنيا.
عدت شهور.
جابر باع جزء من شركاته وفوض الباقي لناس تانية، ومحبش يخلي البيت قصر فخم.
مع أدهم، صلحوا البيت القديم، وحافظوا على العرقان القديمة والحوش الصغير اللي حنان كانت بتزرع فيه فل وورد جوري.
كمان نظم مع البلدية تمويل تطوير المدرسة وعملوا مشروع لحماية الطرق القريبة من النهر.
أدهم رجع كمل تعليمه عشان يدخل جامعة إكستريمادورا.
جابر عرض يدفع مصاريف دراسته بالكامل.
والمرة دي الولد وافق.
بس هشتغل معاك برضو يا بابا.. مش عايز كل حاجة تيجي بالساهل.
جابر ابتسم بتهليل
الطباع دي واخدها من أمك.
وحنان رجعت لها صحتها بالعلاج والمتابعة، وشوية بشوية اتعلمت تعيش من غير ما تخاف إن بكرة مخبيلها مصېبة.
في ليلة، وهما قاعدين تحت التكييف الطبيعي بتاع البلكونة، جابر طلع علبة صغيرة.
وجواها كانت دبلة دهب بسيطة.
وعدتك بدبلة أحسن يوم جوازنا.. وبعدين فكرت إني عمري ما هلاقي فرصة أنفذها.
حنان بصت للدبلة
يا جابر، أنا مش محتاجة دهب.
عارف.. وعشان كده مش بعرض عليكي حياة فارهة.
نزل على ركبه قدامها
إحنا لسه متجوزين على سنة الله ورسوله، بس عايز أجدد
عهدي قدام ابننا.. لو إنتي كمان لسه عايزاني.
حنان عيطت من الفرحة
عمر ما بطلت أحبك.. وده أصلاً كان أكتر حاجة بتوجعني.
جابر حضنها بقوة
خلاص.. نبطل نعاقب نفسنا على حاجة ماليناش يد فيها.
الفرح اتعمل يوم في شهر مايو في الكنيسة أو الجامع الصغير القرية.
أدهم هو اللي جيب الدبل.
وأمينة كانت قاعدة في أول صف وعيونها مدمعة.
وميرفت حضرت هي كمان، بس فضلت قاعدة بهدوء في الآخر خالص؛ بدأت تصلح غلطاتها بأنها تحترم الحدود اللي جابر وحنان وأدهم حطوها.
ولما حنان مشيت في الممر، أدهم مد لها دراعه
إنتي قمر يا ماما.
هي مسحت على خدوده بحنان
وإنت أحسن حاجة عملتها في حياتي.
جابر كان مستنيها قدام.
شعره أبيض أكتر، وإيديه خشنة من الشغل، ودموعه مش مكسوف منها.
لما وصلت جنبه، همس لها
جيت متأخر 19 سنة.
وهي ضغطت على إيده
بس المرة دي.. جاي عشان تفضل هنا للأبد.
بالليل عملوا عشاء بسيط في البيت.
وبعد ما الضيوف مشوا وأدهم دخل يرتاح، جابر وحنان قعدوا تحت السما اللي كلها نجوم.
نفس السما اللي كانوا بيبصوا لها وهما عندها 22 سنة وبيحلموا بعيلة.
جابر حط إيده على كتفها
فكرك لما كنا بنعد النجوم ونطلب أمنيات؟
حنان ضحكت
أكيد فاكرة.
عحبك نرجع نعمل كده تاني؟
هي سابت راسها على صدره
أنا مبقتش محتاجة أطلب أي حاجة تانية في الدنيا.
مع فجر تاني يوم، جابر لقي أدهم قاعد بيصلح الصخرة القديمة اللي جنب الطريق.
نفس الصخرة اللي كان بيستنى أبوه عليها سنين.
بتعمل إيه يا ابني؟
أدهم حط عليها حوض ورد صغير ومنسق
عايز أحافظ عليها.
جابر باستغراب
ليه تخلي حاجة ۏجعتك كل السنين دي؟
أدهم الټفت له وابتسم
عشان زمان الصخرة دي كانت المكان اللي بستنى فيه أب مش جاي.. ودلوقتي عايزها تكون المكان اللي بيفكرني إنه بالرغم من إنهم سرقوا مننا 19 سنة، لسه باقي عمر بحاله عشان نحب بعض فيه.
جابر غمض عيونه وخد ابنه في حضنه.
ولأول مرة.. البيت ده مابقاش ذكرى لكل حاجة ضاعت منه.
بقى المكان اللي رجع له أخيرً.. عشان يستقر فيه للأبد.
النهاية 
خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد

تم نسخ الرابط