عودة جابر - محمد نور
المحتويات
الأسمنت ب 35 يورو في اليوم.
أدهم مردش.
بس أول ما جابر بدأ يقلع القرميد المكسور، جاب له السلم وساعده.
اشتغلو مع بعض طول الصبح.
وفي الأسابيع اللي بعد كده، صلحوا السقف، وقووا حيطة مائلة، وصلحوا المخزن الصغير اللي حنان كانت بتحط فيه عدتها.
جابر اكتشف إن أدهم عنده موهبة غير طبيعية في فهم الأرض؛ كان عارف الزرع، ويعرف يصلح الماكينات الزراعية، وكان نفسه يدخل كلية زراعة.
بس ساب المدرسة فترة لما حنان تعبت وبقوا محتاجين فلوس.
ممكن تكمل تعليمك عادي قالها جابر في يوم.
بأي فلوس؟
دي حاجة نقدري نحلها.
أدهم ساب العدة في الأرض
مش عايزك تشتري حبي ليك.
جابر بص في عيونه مباشرة
ولا أنا عايز أشتريه.. أنا عايزك تاخد الفرص اللي كان لازم تاخدها من زمان، وسواء قبلتني أبوك ولا لأ، دي حريتك.
الكلام ده كسر الجفاء جوا الولد.
ولأول مرة، ملقاش عذر عشان يكرهه.
وفي الوقت ده، كانت حنان متابعة من الشباك.
ساعات كانت تشوف الاتنين بيتخانقوا على طريقة تركيب عرق خشب، وساعات تسمعهم بيضحكوا لأن الاتنين عندهم نفس العادة بيصفيروا لما بيكونو مركزين.
كان منظر يوجع القلب.
تخيلت المشهد ده آلاف المرات وأدهم لسه طفل صغير.
جוزها وهو بيعلمه يسوق العجل.
جوزها وهو موديه المدرسة.
جوزها قاعد على السفرة بيسأله يومه كان عامل إزاي.
دلوقتي هما قدامها، بس الطفل اللي كانتستناه بقى راجل.
والوقت اللي ضاع مستحيل يرجع.
في يوم، وهي بتحضر القهوة، حنان لقيت جابر بيمسك الدبلة القديمة اللي حنان شايلاها في العلبة.
كنت فاكرك رميتيها قال بصوت واطي.
حاولت كتير.
وليه ما عملتيش كده؟
حنان أخدت ثواني قبل ما ترد
عشان بالرغم من إني كرهتك، كنت لسه بفتكر الراجل اللي اتجوزته زمان.
جابر ساب الدبلة مكانها
عمر ما كان فيه ست غيرك يا حنان.
هي غمضت عيونها
طول ال 19 سنة كنت بدعي الجملة دي تكون صح.. ودلوقتي لما سمعتها، مش عارفة أعمل بيها إيه.
جابر ماحاولش يحضنها
مش لازم تقرري حاجة النهاردة.
وفي الليلة دي، ولأول مرة من يوم رجوعه، حنان سمحت له يتعشى جوه البيت.
الحقيقة ظهرت بالكامل في يوم حد.
جابر وحنان وأدهم كانوا نازلين البلد عشان يزوروا أمينة، وفجأة عربية سودا وقفت قدام الساحة.
ونزلت منها ميرفت أم جابر.
رغم إن عندها 78 سنة، كانت لسه لابسة بقمة الأناقة وماشية بثقة اللي متعود يتأمر والناس تنفذ.
وسعيد المحامي نازل وراها.
أول ما ميرفت شافته حنان، شفايفها اتقبضت
يعني الكلام طلع صحيح.. إنتي لسه هنا.
جابر وقف في النص بينهم
لازم نتكلم يا أمي.
طبعاً.. الست دي بتلاعبك عشان تسيطر على فلوسك.
حنان وشها اصفر.
أدهم قبض على إيديه پغضب
إياكي تجيبي سيرة أمي تاني بالشكل ده!
ميرفت بصت له من فوق لتحت
وأكيد ده الواد.. أظن فكرتوا هتاخدوا كام عشان تبعدوا.
جابر طلع من جيبه شوية صور ضوئية والجواب الأصلي
إنتي عارفة الخط ده كويس، مش كده؟
ميرفت رفضت حتى تلمسه
مش عارفة إنت بتقول إيه.
حنان كتبت لك لما نجت من السيول.. إنتي استلمتي الجواب وما سلمتهوش ليا، وبعدين حد زوّر رد من عندي.
الست العجوزة التفتت للمحامي
يا سعيد، فهمه إن الكلام الفارغ ده مجرد جنان.
بس سعيد كان بيترعش.
جابر بص له بحدة
أنا راجعت ملفاتك.. ومعايا إيصالات تحويلات مالية تمت من حساب أمي لمكتبك، ومعايا كمان صور الظروف اللي كنتوا بترجعوها سنين.
سعيد وطى راسه في الأرض
يا باشمهندس.. أنا كنت صغير وغبي لما الموضوع بدأ.
ميرفت بصت له بنظرة تحذيرية
اخرس.
مش هقدر أخرس تاني قالها باڼهيار.
وقدام جابر، وحنان، وأدهم، وعدد من الجيران اللي اتلموا، اعترف إن ميرفت دفعته فلوس عشان يسلم جواب كاذب، ويبعت فلوس لحنان كل فترة عشان تشتت الأثر، ويرجعوا أي مراسلات تانية.
واعترف كمان إن
بيع الأرض الأخير كان هدفه يمنع جابر إنه ينزل ويشوف مين اللي عايش هناك أصلاً.
جابر بص لأمه
قولي لي إن الكلام ده مش حقيقي..
ميرفت فضلت رافعة راسها بغرور
عملت اللي كان لازم يتعمل.
حنان عيطت بصوت عالي
ليه؟!
العجوزة شارت عليها بقرف
عشان إنتي كنتي هتدمري مستقبل ابني.. كان عنده طموح يبقى حد مهم، وكنتي مخليه يضيع مستقبله في بيت ژبالة.
جابر حس إنه ما يعرفهاش
إنتي قلتِ لي إن مراتي ماټت!
وعشان كده سافرت القاهرة وبنيت إمبراطورية.. وبقى معاك كل اللي أي راجل يتمناه.
كل حاجة؟!
صوته هز الساحة كلها
معايا عمارات مش محتاجها، وأوض فاضية، وثروة عمري ما حسيت بسعادة معاها! وبينما أنا كنت بوقع عقود، ابني كان بيتكبر وهو بيسأل ليه أبوه مش عايزه؟!
ميرفت قربت تحاول تلمسه
يا جابر، أنا أمك..
هو رجع لورا
علشان كده بس أنا وثقت فيكي.
محدش فتح بقه دقايق.
بعدين ميرفت بصت لأدهم
الواد ده.. مكنش ليه مكان أبداً في الحياة اللي كنت عايزها لابنك.
أدهم حس إن فيه حاجة جواه اتقطعت
إنتي أصلاً ما تعرفنيش، ومع ذلك قررتي إني زائد عن الحاجة!
لف ظهره وساب الساحة ومشي.
حنان كانت عايزة تلحقه، بس جابر مسكها بالراحة
سيبيني أتكلم معه.
وهو زعلان بيحب يقعد لوحده.. اديله فرصة قالتها وهي بټعيط.
جابر الټفت لأمه
من اللحظة دي.. إنتي ما لكيش أي حق تقرري حاجة تخص عيلتي تاني.
وبعدين قال لسعيد إن شغلهم مع بعض خلص، وإن الفريق القانوني هيتصرف معاه قانونياً.
ميرفت فضلت واقفة لوحدها جنب العربية.
ولأول مرة، الفلوس واسم العيلة ما قدروش يرجعوا الأمور زي ما كانت.
الجو اتغيم فجأة في نفس اليوم بالليل.
هيئة الأرصاد كانت محذرة من عاصفة مطرية قوية في المنطقة، والبلدية نبهت على الناس تبعد عن الطرق القريبة من النهر.
وأدهم مارجعش.
حنان بدأت يجيها هلع
لما بيتصعصع في دماغه ويروح يزعل، بيروح عند شجرة التوت الكبيرة، اللي جنب الجسر القديم.
جابر كان عارف المكان ده كويس.
ده المكان اللي لقوا فيه حنان بعد السيول زمان.
الذكرى دي جابت له ړعب مش هيقدر يستحمله.
لما الليل دخل، المطر بقى يخبط في الشبابيك، وتليفون أدهم كان مغلق.
جابر اتصل بالإنقاذ 112 وشرح إن ابنه ممكن يكون محصور في مكان فيه سيول قريبة.
وبعدين خرج بكشاف عشان يدل رجال الإسعاف على الطرق الصح.
أمينة كلمت كام واحد من الجيران اللي حافظين الطرق.
وحنان فضلت قاعدة في البيت، مستنية أي خبر.
كل صوت رعد كان بيفكرها باللي حصل من 19 سنة.
جابر مشي مع اتنين من الجيران في طريق عالي، بعيد عن المية. ولما قربوا من المكان اللي بيبان منه شجرة التوت، شافوا نور كشاف ضعيف متداري بين الشجر.
أدهممممم! صړخ بأعلى صوت.
فيه صوت جه من تحت
أنا هناااا!
الولد اتزحلق وهو بيحاول يرجع قبل ما النهر يغطي الدنيا. وكان فيه رجل محشورة بين فروع شجر ومتمسك بقطعة أرض عالية شوية والمية حواليه.
جابر كان عايز ينط وراه على طول.
واحد من الجيران مسكه بقوة
اوعى تنزل! المية هتاخدك إنت كمان!
جابر وقف مكانه وعيونه بتطلع دموع
يا أدهم.. بص لي! المطافئ وجايين في الطريق!
مش قادر أحرك رجلي!
خلك مكانك.. اوعى تحاول تتحرك أو تعوم!
الولد انهار من العياط
أنا خاېف يا بابا!
جابر حس إن الكلمة دي رجعت له كل السنين اللي ضاعت
اسمعني.. أنا مش ماشي! أنا قاعد هنا لحد ما تطلع!
الدقائق كانت تمر كأنها سنين.
وأخيراً وصلوا رجال الإغاثة، وجهزوا الحبال وقدروا يوصلوا للولد ويخرجوه بمعدات الإنقاذ.
جابر كان متابع كل حركة وعيونه ما بترمش.
ولما أدهم طلع بالسلامة، مبلل وبيترعش، دور على جابر وسط نور الكشافات.
بابا..
كانت دوبك همسة.
بس جابر سمعها.
جري عليه ونزل على ركبه جنبه
أنا معاك يا
حبيبي.
أدهم حضڼ رقبته بكل
متابعة القراءة