رواية كاملة
مناخيرها، بصتله في عينيه مباشرة، وقالت بهدوء يقطع الشريان سترتني بإيه يا محمد؟ بمرتبي اللي كنت بتسحبه تطفح بيه مع أمك في المطاعم الفاخرة وانت جاي تحاسبني على علبة زبادي؟! بسترتك لما كنت بتمد إيدك تشد شنطتي وتضربني بالقلم وتجيب دمي عشان تسرق فيزتي؟! أنت مش راجل سترني.. أنت كنت عالة عليا، وأنا اللي كنت ستراك وصابرة
على خيبتك وخيبة أمك!
فايزة كانت پتبكي وتلطم على صدرها وهي بتشوف ابنها بيتشد من وسطه يا ولية يا ناقصة! يا ناكرة الجميل! والله لاڤضحك وأبهدلك في كل حتة! ده ابني سيد الرجالة، ده انتِ كنتِ هتعنسي لولا إنه رضي بيكي!
سها التفتت لفايزة وبصتلها بحدة لمي لسانك يا ست انتِ أحسن ما أعمل فيكي محضر سب وقڈف وتعدي على موظف أثناء تأدية عمله وتتحبسي جنب ابنك في التخشيبة! ومعاكي أربع وعشرين ساعة تفضي كراكيبك وتلمي هدوم ابنك وتطلعي برة الشقة دي، وإلا هجيبلك قوة تنفيذ جبري ترمي حاجتك في الشارع!
الظابط شد محمد من كتفه يلا يا روح أمك قدامي على البوكس، خلي كلامك ده تقوله لوكيل النيابة.
الجيران في العمارة كانوا كلهم طالعين على السلالم، والشبابيك في الشارع اتفتحت كلها، والكل واقف يتفرج على محمد فني الصيانة اللي كان بيتعالى عليهم بالعربية اللي راكبها، وهو نازل مكلبش وإيديه ورا ضهره، وأمين الشرطة سحبه زي الخروف، ودموعه نازلة على خده من كسرة النفس والفضايح. صوته وهو بيتحط في بوكس الشرطة وصوت سارينة البوليس وهي بتصفر في شارع الهرم كان كفيل يدفن كرامته تحت الأرض لسابع جيل.
في النيابة، المشهد كان مختلف تماماً عن العنتريات بتاعة القهوة.. محمد كان واقف قدام وكيل النيابة مهدود الحيل، هدومه مبهدلة، وعينيه حمرة من العياط وقلة النوم. وكيل النيابة فتح المحضر وسأله ببرود إيه قولك في التهم المنسوبة إليك من ضړب المجني عليها وإحداث الإصابات الواردة بالتقرير الطبي، وسړقة بطاقتها الائتمانية والتعامل عليها بدون علمها؟ محمد حاول يلف ويدور يا فندم دي مراتي، وخناقة عادية بين أي اتنين متجوزين.. والفيزا هي اللي كانت مدياني الكارت برضاها أصرف منه لمصاريف البيت.
سها المحامية كانت جاهزة بالرد، وطلعت كشوفات الحساب الرسمية المختومة من البنك كڈب يا فندم! اتفضل سيادتك كشف الحساب؛ السحب كان في مطاعم أسماك ومحلات ملابس ماركات ومكسرات بآلاف الجنيهات في أيام وساعات المجني عليها كانت فيها في نبطشيات متواصلة في المستشفى بتنقذ أرواح الناس، والمجني عليها لما طلبت منه الكارت اعتدى عليها بالضړب المپرح وكسر شنطتها وسرق الكارت منها بالإكراه! غير إن عندنا شهادة صبي القهوة اللي حاول المتهم يدفع له من نفس الكارت المسروق بالليل بعد الواقعة بساعتين، والبلاغ مسجل في البنك برقم سړقة رسمي قبل محاولة استخدامه!
وكيل النيابة بص لمحمد نظرة احتقار واضحة، وهز راسه وهو بيمضي على القرار يُحبس المتهم أربعة أيام على ذمة التحقيق، ويُراعى له التجديد في الميعاد.
أول ما الكلمة اتقالت، محمد رجله سابت ووقع على الأرض في مكتب التحقيق، وصړخ بصوت مبحوح حبس؟! لا يا باشا أبوس رجلك لا! أنا موظف وهتفصل من شغلي! يا أسماء.. يا أسماء قولي حاجة! حرام عليكي تضيعيني، أنا ابن حلال وغلطت.. قولي كلمة لوجه الله!
أسماء كانت واقفة في ركن المكتب، بصتله من فوق، بعيون جامدة مفيهاش أي تردد، وقالت بصوت هادي وواضح سمعه كل اللي في الأوضة كلمة؟ أنا قولت كلام كتير ست سنين ومكنتش بتسمع غير لأمك يا محمد. خلي أمك بقى تنفعك، وخلي البركة والخبرة تطلعك من الحبس. القانون هو اللي هيتكلم، وأنا حقي مش هسيب منه مليم واحد.
بعد يومين اتنين، الشقة كانت بتتحول.. أسماء جابت نجار غير كوالين الباب كلها، وركبت كالون حديدي إضافي. فايزة اضطرت تنزل تلم شنط هدوم ابنها وهدومها وسط نظرات الشماتة من بواب العمارة والجيران اللي كانوا عارفين أد إيه
الست دي كانت متكبرة ومفترية. فايزة حاولت تقف في الشارع تنوح وتعمل ڤضيحة وتقول طردتني من بيت ابني، بس الجيران نفسهم ردو عليها بيت ابنك إيه يا حاجة؟! ده خير أسماء مغرقكم من ساسكم لراسكم، ده انتِ كنتِ بتنزلي تتبغددي علينا بحاجة الست اللي كانت شقيانة فيها.. اتقي الله بقى وروحي شوفي لقمة عيشكم منين!
فايزة شالت الشيل ونزلت تجرجر أذيال الخيبة وراها، راجعة لحارتها القديمة وشقتها الضيقة اللي كانت هربانة منها.
ومحمد؟ قضى الأربعة أيام في حجز القسم، وطلع على جلسة التجديد، القاضي جددله خمسة عشر يوماً حبس احتياطي. شغله في شركة الصيانة عرف بالمحضر والتحقيق، فتم وقفه عن العمل وتحويله للشؤون القانونية مع وقف صرف راتبه لحين الفصل في القضية الجنائية.
سها المحامية مسبتش ثغرة واحدة.. العربية اللي كانت مكتوبة باسمه؟ أسماء رفعت دعوى إثبات ملكية وقدمت كل إيصالات سداد الأقساط اللي كانت بتتسحب من حسابها البنكي شهرياً، مع تحويلات البنك باسم شركة السيارات، وخدت قرار بالحجز التحفظي على العربية لحد ما المحكمة تفصل فيها، ومحمد مبقاش حتى يملك يمشي بيها خطوة واحدة!
أما قضية الطلاق للضرر، فمع وجود التقرير الطبي ومحضر الشرطة والحبس الاحتياطي، كانت شبه محسومة في أول جلستين تلاتة، مع إلزامه بدفع مؤخر الصداق، ونفقة متعة وعدة، وقايمة المنقولات كاملة اللي مكتوبة بجرام الذهب وكل قطعة عفش اشترتها أسماء بفلوسها!
بعد تلات شهور.. المشهد كان مختلف تماماً. أسماء كانت واقفة في جنينة مستشفاها الكبير في يوم مشمس ودافي. كانت لابسة بالطو التمريض الأبيض المكوي على سنكحته، وشها رجع نضر وفيه حياة، الضحكة اللي غابت سنين رجعت تنور ملامحها من تاني. الدكتور فريد والمدير التنفيذي للمستشفى كانوا واقفين في حفلة تكريم صغيرة، بيسلموها درع التميز بعد ما تم ترقيتها رسمياً ل مديرة قطاع التمريض على مستوى فروع المستشفى كلها.
التصفيق كان مالي القاعة، وزمايلها كلهم كانوا بيهنوها بحب حقيقي واحترام، لأنهم عارفين هي مين، وعارفين شقاها وتعبها.
في نفس اليوم، سها رنت عليها على الموبايل، وصوتها كله فرحة وزغاريد مبروك يا دكتورة أسماء! حكم الطلاق للضرر نزل رسمي ونهائي وبات، وحكمت المحكمة بإلزام المدعى عليه بمؤخر الصداق ومصاريف الدعوى، وقرار تمكينك النهائي من الشقة اتوثق في الشهر العقاري!
أسماء اتنفست نفس عميق، حست كأن رئتها بتتملي بهوا نضيف لأول مرة من ست سنين والولد ده أخباره إيه يا سها؟ سها ضحكت بسخرية ابن فايزة؟ خرج من الحبس بعد ما قضى شهرين على ذمة القضية واتحكم عليه بسنة مع إيقاف التنفيذ عشان أول سابقة، بس اتفصل من شغله بسبب الڤضيحة وحكم المحكمة! وقاعد دلوقتي في شقة أمه القديمة في ضهر الحارة، هو وأمه بياكلوا فول وطعمية بجد، وبيدور على أي شغلانة باليومية ومحدش راضي يشغله بعد ما سمعته باظت! وكمان جه لمكتبي امبارح يبوس إيدي عشان نتنازل عن قايمة العفش والمؤخر وميتحبسش بيهم! أسماء سكتت ثانية، وبعدين ابتسمت وقالت بهدوء قولي له.. الناس كلها عايشة كده ومحدش بېموت من الجوع، مش دي كانت كلمته وكلمة أمه؟ يشبع بقى بكلام أمه وبالبركة، وحقي بالقانون هيتاخد مليم مليم، عشان يعرف إن الست اللي بتشيل بيت على كتافها، قادرة تكسر ضهر اللي يقل بأصلها ويمد إيده على كرامتها.
قفلت التليفون، حطته في جيب البالطو، ورفعت راسها للسما وهي شامة ريحة الشمس والهوا، ومسكت ورق الترقية الجديد بإيدها القوية، ومشيت بخطوات ثابتة وواثقة وسط ممر المستشفى، وهي عارفة إن البدايات
الجديدة مش بتيجي غير لما نقطع بإيدينا كل حبل كان رابطنا بالرخص والمهانة. النهاية