رواية كاملة

لمحة نيوز

بإهمال، وبص لأسماء وقال
ادخلي جوة روقي نفسك، ومش عايز أسمع صوت عياط ونواح، عشان لما أرجع من القهوة ألاقي العشا جاهز.. مفهوم؟
أسماء مردتش، لفت ضهرها ودخلت أوضة النوم بهدوء غريب، وقفلت الباب وراها بالمفتاح من جوة. صوت التكة بتاع الكالون خلى محمد يتلفت، بس أمه شاورتله بإيدها
سيبها تتفلق وتفرقع جوة، بكرة تجوع وتنزل على ركبها تبوس إيدك عشان تديلها خمسين جنيه تصرفها!
أول ما أسماء قفلت الباب، ضهرها لزق في الخشب ونزلت على الأرض تتنفس بصعوبة. قلبها كان بيدق بسرعة چنونية. الدموع كانت محپوسة في عينيها مش قادرة تنزل، كأن كرامتها اللي اټجرحت نشفت كل مجاري الدموع. مدّت إيدها لجيب بنطلونها البيتي، طلعت موبايلها، وفتحت شاشته بإيد بترتعش.
دخلت فوراً على أبلكيشن البنك بتاع الكارت اللي محمد خده.. الكارت ده، اللي هو فاكر إنه كنز علي بابا، مكنش فيه غير ستمية جنيه وبس! باقي المبلغ والتحويلات كانت كلها خلاص في حساب البنك التاني اللي عملته مع سها من يومين، والكارت الجديد لسه في دولابها في المستشفى ومحدش يعرف عنه حاجة.
لكن أسماء مكنتش ناوية تسيبله حتى الستمية جنيه. بضغطة زرار واحدة على شاشة الموبايل، اختارت خيار إيقاف الكارت مؤقتاً، وبعدها بدقيقة عدلت الطلب وخليته إلغاء البطاقة تماماً بسبب السړقة.
قعدت على طرف السرير تبص للسقف. شريط الست سنين بيعدي قدام عينيها زي فيلم سريع..
فاكرة يوم ما اتجوزوا؟ محمد كان جاي لابس بدلة عادية، داخل بيت أهلها وشه في الأرض، واعد أبوها الله يرحمه

إنه هيشيلها في عينيه. كان بيتكلم عن الرضا والستر وإن الجواز مشاركة. وأسماء اللي قلبها كان أبيض ومكنتش بتفكر في الماديات، قالت لنفسها ابن حلال وشقيان، وإحنا الاتنين هنعافر ونبني سوا.
لكن البنا كله كان على كتافها هي لوحدها!
فاكرة لما اتزنق في جمعية وقال إنه مهدد بالسجن عشان الكمبيالة؟ هي اللي فكت شهادة استثمار كانت مأمناها لنفسها وسددت عنه.
فاكرة لما حبت تجيب عربية عشان تروح وتيجي بيها من النبطشيات المتأخرة في عز البرد؟ كتب العربية باسمه وقال لها عشان أخلص لك ورق المرور وأسوقها بيكي، إحنا واحد يا أسماء ومفيش فرق بين الراجل ومراته. وطبعاً، هي اللي كانت بتدفع القسط شهرياً من فيزتها بالمليم، وهو يركب ويتمنظر بيها قدام أصحابه في الشارع ويقول عربيتي!.
وحماتها، فايزة.. من أول يوم دخلت فيه الشقة، عينها بتلف في الأركان زي الرادار. تبص على الستاير، تبص على السجاد، تسأل على تمن علبة الجبنة اللي في التلاجة، وتفضل تدس السم في العسل يا بختك يا أسماء، محمد بيحبك ومدلعك.. ده لو كان خد بنت عمه مكنش صرف عليها ربع ده، وكأن محمد هو اللي بيصرف، مش هي اللي بتكح تراب في المستشفى وسط الحالات والعمليات والدم وصرخات المرضى!
أسماء قامت من على السرير، بصت في المراية بتاعة الدولاب.
وشها كان شاحب، وتحت عينيها هالات سودا من قلة النوم والإرهاق، وشفتها السفلية متورمة وزرقا من أثر القلم، وحتة ډم ناشفة على زاوية دقنها.
لمست وشها ببطء، وهمست لنفسها بصوت حاد
والله ما هعديها.. والله ما هدمر عمري اللي باقي مع عيل نطع وأمه الحِرباية.
طلعت شنطة هدوم صغيرة من تحت السرير، فتحت الدولاب في صمت تام، ولمت أهم أوراقها أصل قسيمة الجواز، شهادة ميلادها، كشوفات حساباتها البنكية اللي كانت محتفظة بيها، عقود شقة الهرم دي نفسها!
وهنا المفاجأة اللي محمد وأمه كانوا ناسيينها أو متناسينها؛ شقة الهرم دي مش ملك محمد. الشقة دي إيجار قديم باسم والد أسماء الله يرحمه، وهي الوريثة الوحيدة اللي امتد ليها عقد الإيجار بعد ۏفاته، يعني الشقة شقتها بالقانون، ومحمد مجرد داخل عليها بشنطة هدومه وشوية عفش مكركب كان أغلبه متبهدل وهي اللي جددته على حسابها!
حطت الأوراق المهمة مع شوية دهب خفيف خاصين بيها في قعر الشنطة، ورمت فوقهم غيارين تلاتة. في اللحظة دي، سمعت صوت باب الشقة بيترزع من برة، وصوت ضحكات محمد وهو نازل على السلم، باين عليه خارج ومنتشي عشان يحلي مع أصحابه على القهوة ويصرف من الكارت الموعود.
أسماء خرجت من الأوضة بهدوء. الصالة كانت فاضية، ما عدا فايزة اللي كانت قاعدة في الصالة، شادة الشاشة الكبيرة وبتتفرج على مسلسل تركي ومندمجة، وحاطة قدامها طبق فاكهة من اللي أسماء كانت شارياه الصبح.
أول ما شافتها خارجة ولابسة هدوم الخروج وطرحتها، رفعت حاجب ونزلت التاني وقالت
على فين العزم يا ست هانم؟ مش محمد قال مفيش خروج؟ هتعصي كلام جوزك كمان بعد ما اتعلمتي الأدب؟
أسماء مالتش ناحيتها حتى بنظرة. مشيت في اتجاه باب الشقة وهي ماسكة شنطتها بإيد ثقيلة وثابتة، ومدت إيدها تفتح كالون الباب.
فايزة قامت وقفت بسرعة، وبصوت عالي
بت! أنا بكلمك! رايحة فين بالسواد ده كله في نص الليل؟ افتكري إنك لو خرجتي من غير إذن ابني، مش هتدخلي البيت ده تاني برجلك!
أسماء لفت وشها ليها ببطء، عيونها كانت جامدة تماماً، خالية من أي خوف، وقالت ببرود شل أطراف الست العجوزة
البيت ده بيتي أنا

يا حاجة فايزة.. بعقد إيجار أبويا اللي ممدود ليا. وابنك ده لو فكر يقرب من عتبة الباب دي تاني، هخليه يشوف وش عمره ما شافه في حياته. قولي له بقى يجهز نفسه، عشان الحساب اللي بيني وبينه مش عشا بآلافات ولا كارت فيزا.. الحساب كرامتي اللي اتمدت عليها إيده!
وقبل ما فايزة تنطق بحرف أو تلحق تفرك عينها من الصدمة، أسماء فتحت الباب وخرجت، ورزعته وراها بكل قوتها، صوت الرزعة سمع في العمارة كلها.
نزلت السلالم خطوة خطوة، ضربات قلبها بتهدى تدريجياً، وحلت مكانها حالة من الڠضب البارد والمدروس. ركبت تاكسي من أول الشارع، وقالت للسواق بحزم
اطلع بيا على مستشفى أكتوبر العام يا أسطى، قسم الطوارئ.
السواق بص في المراية شاف وشها المتورم والدم اللي على شفتها، فهز راسه وقال بتعاطف
حاضر يا بنتي.. لا حول ولا قوة إلا بالله.
في طوارئ المستشفى العام، أسماء مكانتش داخلة كرئيسة تمريض بتأمر وتوجه.. كانت داخلة كمجني عليها. قابلت نايب الجراحة اللي صدفة كان يعرفها من مؤتمرات التمريض، أول ما شافها اتخض
دكتورة أسماء؟! خير إيه اللي حصل ده؟ مين عمل في وشك كده؟
قالت له بصوت ثابت مفيش فيه رجفة
اتعرضت لاعتداء في بيتي يا دكتور.. وعايزة أعمل تقرير طبي بالحالة، حالا.
الدكتور ناظر الإصابة، كتب تقرير طبي مفصل كدمة رضية بالخد الأيسر، سحجات وتورم حاد بالشفة السفلية مع ڼزيف خفيف، اشتباه في كدمة بالضلوع نتيجة الارتطام بجسم صلب. التقرير كان مختوم بختم النسر بتاع المستشفى الحكومي.
خرجت من المستشفى وطلعت فوراً على قسم شرطة الهرم.
قعدت قدام أمين الشرطة، وبعدها دخلت لمعاون المباحث. حكت كل كلمة، بالتفصيل الممل محاولة سړقة بالإكراه، والتعدي بالضړب وإحداث إصابات، والاستيلاء على بطاقتها البنكية. وقدمت التقرير الطبي المختوم، مع كشف الحساب الأخير اللي بيثبت سحوبات بمبالغ خيالية مكنتش بعلمها.
الظابط بصلها باحترام لما لقى أسلوبها واثق وأوراقها كاملة، وقال
المحضر هياخد رقم جنحة ضړب وسړقة يا فندم، وهيتحول للنيابة بكرة الصبح، وممكن نطلع قوة تجيبه من الشقة في الحال لو حابة.
أسماء سكتت ثانية وفكرت.. سها المحامية كانت دايماً تقول لها الضړبة اللي متكسرش ضهرك، خططي لها صح عشان تقطعه من الجدر.
لأ يا فاشا.. مش دلوقتي. خليه يروح النيابة رسمي، عشان يجي بالكلبشات وهو مش عامل حسابه وواقف في وسط الناس.
خرجت من القسم الساعة كانت داخلة على اتنين بعد نص الليل. ركبت عربية تانية وطلعت على بيت صاحبتها سها في فيصل. سها كانت مستنياها صاحية، وأول ما فتحت الباب وشافت منظر وشها، شهقت وخدتها في حضنها
يا نهار أسود.. ابن ال... عملها؟! مد إيده عليكي يا أسماء؟!
أسماء دخلت وقعدت على الكنبة، حطت التقرير والمحضر على الترابيزة، وقالت بصوت متبهدل من التعب
عملها.. وبإيديه دول هيدفع التمن، هو والولية أمه.
سها جابت لها كمادات تلج، وقعدت تقلب في الأوراق وهي بتضحك بحدة
ده وقع ومحدش سمى عليه! تقرير طبي مختوم، ومحضر سړقة بالإكراه وتبديد، وعقد الشقة باسمك انتِ؟ ده هيقضي أحلى أيام حياته في التخشيبة! بس قولي لي.. الفيزا اللي خدها دي عملتي فيها إيه؟
ابتسمت أسماء بۏجع
وقفتها.. لغيتها خالص، بس خليته يفتكر إنه انتصر عشان يعيش اللحظة لحد بكرة الصبح.
في نفس الوقت ده بالظبط، كان محمد قاعد على القهوة مع تلاتة من أصحابه، نافخ صدره وطالب مشاريب وحجرين معسل للكل، وعمال يتكلم عن رجولة الراجل وإزاي الست لازم تتلجم من الأول
بصوا يا رجالة، الست

لو سبت لها الحبل تسوق فيها.. إنما تجيبها من ودنها وتعرفها مين صاحب الكلمة، تمشي زي الألف!
واحد من أصحابه ضحك وقال له
يا سيدي ربنا يديك، بس شكلها هي اللي مقبضاك الجمعية النهاردة ومبسوطة منك!
محمد طلع الفيزا من جيبه ورماها على الترابيزة بتعالي
جمعية إيه يا عم الشحات؟!
تم نسخ الرابط