رواية كاملة
حكايات مني السيد حصري ج 1
أمي بتقول إنك مبعزقة فلوسك في الأكل .. النهاردة مفيش دلع.. رز ، وعيش ، وفول ومايه من الحنفية، والناس كلها عايشة كده ومحدش بېموت من الجوع...!!!
قالها محمد بكل برود، وأمه كانت قاعدة على ترابيزة السفرة بتهز راسها بموافقة وكأنهم لسه ناطقين بحكم إعدام.
أسماء وقفت متخشبة في مطبخ شقتها في الهرم... عندها ٤٢ سنة، ولسه راجعة من نبطشية ١٢ ساعة شغل متواصل.. كرئيسة تمريض في مستشفى استثماري كبير. رجليها مكنتش شايلاها من التعب بعد عملية طوارئ لطفل تسع سنين اتعرض لحاډثة عربية؛ فضلت أربع ساعات رايحة جاية في العمليات، بتجهز محاليل وأدوية وتسند الفريق الطبي لحد ما حالة الولد استقرت.
كانت راجعة نفسها بس في دش دافي، لقمة خفيفة، وسرير ترتاح عليه... بس لقيت حماتها، فايزة، واقفة بتنبش في أكياس السوبر ماركت وتفرزها بقرف
سلمون، وأفوكادو، وزبادي يوناني... إيه كل المنظرة دي؟ محمد بيطحن في الشغل طفحان ډم، وحضرتك قاعدة تبلعي في شقاه؟
أسماء أخدت نفس عميق عشان تمسك أعصابها... محمد شغال فني صيانة، ومرتبه ميجيش حتى تلت مرتبها. وعمرها ما عايرته ولا حسسته بالنقص. على مدار ست سنين جواز، هي اللي كانت شايلة قسط العربية، وفواتير النور والغاز، ومصاريف المصايف، وحتى أي زنقة أو طوارئ تقع على البيت حصري علي صفحة روايات و اقتباسات...لكن في الفترة الأخيرة، حماتها بقت بتتكلم عن مرتب أسماء وكأنه تركة ورثوها عن أبوهم
أنا جايبة الحاجة دي من مرتبي وشقايا.
ردت حماتها بلوي بوز
وده أصل البلا وعيبك الكبير! الست المتجوزة الأصيلة مفيش في قاموسها حاجة اسمها فلوسي وفلوسك.
محمد دخل ووقف ورا أمه وقال بنبرة لئيمة
أمي عاوزة مصلحتنا وبس.
الجملة المسمۏمة اللي مبيقولش غيرها
أمي عاوزة مصلحتنا.
أمي أعلم بالدنيا.
أمي خبرة وعندها بركة.
أسماء سكتت ومردتش.
تاني يوم، حصل موقف في المستشفى خلا الشك ياكل في قلبها...الدكتور فريد رئيس قسم الجراحة والمدير بتاعها، طلبها في مكتبه وقفل الباب
أسماء، فيه حاجة مش مظبوطة عندك في البيت؟
استغربت وسألته في إيه، فوضح لها إن محمد جه المستشفى وسأل شؤون العاملين والحسابات عن تفاصيل مرتبها، وبتاخد حوافز ونسب أد إيه، وفلوس العمليات بتنزل لها يوم كام في الشهر بالظبط!
الدكتور كمل بضيق
طبعاً فهمته إن دي بيانات سرية وميصحش يسأل عنها، بس الصراحة كان لجوج ومصمم بشكل مريب.
أسماء خرجت من المكتب والدنيا بتلف بيها وإحساس بالخنقة كابس على نفسها.
بالليل، وهي رايحة على الجراج عشان تركب عربيتها، لمحت بالصدفة محمد وأمه قاعدين ورا واجهة إزاز في مطعم مشويات وأسماك فاخر جداً على النيل، من الأماكن اللي الحساب فيها بيعدي بالآلاف.
السفرة قدامهم كانت متستفة؛ جمبري، وطواجن، ومشاوي مشكلة، وحلويات. والحاجة فايزة نفس الست اللي كانت بتلطم على علبة زبادي وقطعة سلمون قاعدة تضحك وتتمزج، ومحمد بيطلع الفيزا ويدفع للحساب وهو نافش ريشه حكايات_مني_السيد
أسماء مدخلتش عليهم. وقفت مكانها وفتحت أبلكيشن البنك في موبايلها...الفيزا اللي مع محمد كانت كارت إضافي مربوط بحسابها الشخصي هي.
عشا الليلة دي 4860 جنيه.
من يومين خروجة مطعم تانية، 3200 جنيه.
محل هدوم وماركات 7900 جنيه.
محل حلواني ومكسرات 2300 جنيه.
خلال شهر واحد، سحبوا وصرفوا قريب من تلاتين ألف جنيه من غير ما يرمش ليهم جفن!
أسماء حست بۏجع وحړقة ډم وإهانة متتوصفش.
تاني يوم الصبح، اتصلت بصاحبتها سها ، محامية أحوال شخصية، وحكت لها اللي حصل.
سها قالت لها بحسم
أمني فلوسك وشقاكي الأول وحطي قرشك في حتة ميعرفوهاش، وبعدين ابقي فكري
هتعملي إيه في الجوازة دي.
وفعلاً، أسماء فتحت حساب جديد في بنك تاني، ونقلت تحويل المرتب كله عليه، وسابت في الحساب القديم مبلغ بسيط يا دوب يكفي مصاريف البيت المشتركة.
بعدها بيومين رجعت الشقة بدري، وسمعت صوت حماتها طالع من الصالة وهي بتوز ابنها
اسمع كلامي يا واد، شيل منها الفيزا وكتف إيدها. اديلها مصروف السوق في إيدها باليومية والقرش وقرشه وبس.
يا أمي دي هتولعها خناقة وهتغضب.
خليها تولع وتطق! أنت الراجل والسي السيد في البيت ده، ولازم تعرف إنك اللي ممشي المركب.
أسماء غمضت عينيها وأخدت نفس طويل؛ الحكاية مكنتش خناقة عادية، ده كان مخطط عشان يكسروها.
في نفس الليلة، حماتها رمت على الترابيزة كيس رز وكيس مكرونة وشوية فول مدمس..
ومحمد كان راجع متعكنن ومزاجه مش رايق، وقف في وشها وقال بحزم مصطنع
هاتي الفيزا اللي معاكي دي.
لأ، مش هديك حاجة.
أسماء، متجبيش لنفسك مشاكل وبطلي لوي دراع.
دي فلوسي وشقايا ومرتبي أنا.
اسمها فلوسنا،مينفعش كل واحد يمشي البيت على كيفه
تمام، يبقى كل أول شهر تحط مرتبك أنت كمان في نفس الحساب قدام مرتبي!
وش محمد احتقن وعروقه نفرت
أمي كان عندها حق لما قالت إنك شايفة نفسك عليا وفكراني مش راجل عشان بتقبضي أكتر مني!
قرب منها پعنف وحاول يشد شنطتها بالعافية. أسماء اتشبثت بالشنطة وصړخت فيه
سيب الشنطة وابعد عني!
قولتلك هاتي الزفتة دي!
مش هديهالك!
القلم نزل على وشها بسرعة خاطفة، صوت فرقعته رن في الصالة، ومن قوته جسمها اترزع في التلاجة وشفايفها جابت ډم وحصل......!!!
صوت الرزعة في التلاجة عمل صدى يرن في صالة الشقة، كأن حيطة اتهدت مش مجرد قلم نزل على وشها. أسماء حست بطنين غريب في ودنها الشمال، والدنيا اسودت قدام عينيها ثانية كاملة، رجليها خانتها ووقعت على الأرض بضهرها مسنودة على باب التلاجة المتلج. رفعت إيدها المرتعشة ولمست طرف شفايفها، لقت سائل دافي ولزج بيسيل بين صوابعها.. ډم، نازل بطعم الصدأ في بؤها.
محمد وقف مكانه متنح للحظة، عينه وسعت لما شاف الډم، إيده اللي ضړبت بيها لسه متعلقة في الهوا وترعش رعشة خفيفة كأنه مش مصدق إنه اتجرأ وعملها. لكن بدل ما يتراجع أو ينطق بكلمة اعتذار، الټفت ورا يرمي عينه على أمه، يشوف صدى اللي عمله إيه في عنيها.
والحاجة فايزة؟ ولا اتهزت. قاعدة على كرسي السفرة حاطة رجل على رجل، عينيها بتلمع بانتصار بارد، لوت بوزها پشماتة ومطت شفتها لفوق وهي بتقول بنبرة ناشفة مفيهاش ذرة رحمة
عشان تعرفي إن الله حق، وتعرفي إن الراجل لما يتكلم الحرمة تخرس وتوطي راسها! اديكِ شوفتي لسانك الطويل وقلة أدبك وصلتك لإيه؟ اكسر للبنت ضلع يطلعلها أربعة وعشرين.. هاتي الشنطة بقى من سكات ومن غير شوشرة وبطلي مسكنة الحريم دي!
الكلام نزل على قلب أسماء أسخن من مية الڼار. الألم الجسدي بتاع القلم اتبخر في ثواني، وحل مكانه جبل من الإهانة، والخذلان، والقرف. ست سنين بتمسح وراهم، ست سنين بتسد ديون وتدفع أقساط ومتحملة قلة الحيلة والتنكيز، وفي الآخر يتردلها بقلم وشتيمة وشماتة؟
محمد لقى تشجيع في صوت أمه، فاسترجع نبرة العڼف تاني، وطى بجسمه على أسماء وهي لسه واقعة على الأرض، ومد إيده بغل وشد يد الشنطة الجلد من تحت دراعها. أسماء في اللحظة دي مسكتش، مسبتش الشنطة، اتشبثت بيها بكل عزم في دراعاتها، وضوافرها غرزت في الجلد وهي بتصرخ بصوت شرخ جدران الشقة
اوعى تمد إيدك! ابعد عني
يا واطي.. بتمد إيدك عليا عشان قرشين مش من حقك؟! راجل بتستقوى على واحدة ست في بيتك بشقاها؟!
محمد اتغاظ من كلماتها اللي نزلت عليه زي سياط بتسلخ كرامته المهلهلة، شد الشنطة بكل قوته وهي متبتة فيها، لحد ما يد الشنطة الجلد طرقعت واتقطعت في إيده، ومحتويات الشنطة اتنطرت في الصالة الفكة، الميداليات، بطاقة الرقم القومي، كارنيه نقابة التمريض، والفيزا البلاستيكية الزرقا اللي كان عينه طالعة عليها طارت تحت ترابيزة السفرة.
محمد جري على الترابيزة ودبس وشه تحتها عشان يلقط الكارت، وأمه قاعدة تزغرد بضحكة صفرا وتقول
أهو.. شيلها بقى في جيبك، ومفيش خروج إلا بحساب، ومفيش نزول إلا بإذن!
أسماء قامت ببطء.. وقفت وهي ساندة بإيدها على رخامة المطبخ، حاسة بۏجع في ضهرها، بس راسها كانت بتغلي. مسحت الډم اللي على شفايفها بضهر كم العباية البيتي، وبصتلهم هما الاتنين. النظرة اللي في عيونها مكنتش نظرة واحدة مکسورة ولا بټعيط.. كانت نظرة خالية تماماً من أي عاطفة. نظرة واحدة أدركت فجأة إن الكائن اللي واقف قدامها ده ملوش أي علاقة بالإنسانية، وإن الست اللي قاعدة وراه دي مش حماة، دي عقرب لابس جلابية سودة.
محمد قام ووقف نافش ريشه، رافع الكارت في وشه وهو بيبتسم ابتسامة باهتة متوترة
أهي.. الكارت ده مش هتشوفيه تاني يا أسماء. من هنا ورايح، كل مليم داخل البيت ده هيعدي عليا وعلى أمي الأول. إحنا اللي نقدر وندبر، مش انتِ المبعزقة اللي تضيعي القرش يمين وشمال!
أسماء اتنفست بعمق، صوت نفسها كان مسموع في الصالة، وقالت بصوت هادي بشكل مرعب، صوت أبرد من التلج
مبروك عليك الكارت يا محمد.. اشبع بيه.
فايزة نقزت من مكانها بضحكة مستفزة
بتعملي فيها عزيزة نفس بعد ما انكسرت شوكتك؟ يلا يا اخويا قوم اعملك لقمة تاكلها، سيبك منها تلاقيها بتمثل عشان تصعب عليك.. مكر حريم!
محمد حط الكارت في محفظته الجلد، ورما المحفظة على البوفيه