رواية كاملة
المحتويات
عودهم عليها؟
عادل سكت، وشه كان بيعرق رغم الجو مكانش حر، ساب الشقة ونزل من غير ما يقول كلمة واحدة، ورزع باب الشقة وراه برزعة هزت الحيطان.
قعدت مكاني، وأنا عارفة إن دي كانت مجرد أول شرارة... المعركة لسه مبدأتش. مريم وسلمى قفلوا على نفسهم الأوضة، ومكنوش بيتكلموا معايا، كانوا متخيلين إنهم بيعاقبوني بسكوتهم وإضرابهم عن الكلام، ومكنوش فاهمين إني بطلت أحرق دمي عشان ناس مش مقدرة. ركزت مع جنى، عملتلها شعرها، وقعدت أذاكرلها وضحكنا، وعملت غدا بسيط على قدنا أنا وهي بس... شوية مكرونة محمرة وطماطمتين متقطعين، وأكلنا وشبعنا وحمدنا ربنا.
الساعة دقت سبعة بالليل، وعادل رجع... بس مكنش لوحده. أول ما المفتاح لف في الباب واتفتح، لقيت حماتي داخلة وراه، لابسة عبايتها وطرحتها السودة، وشايلة شنطة بلاستيك تقيلة، ووراها عادل باصص في الأرض وعينيه تايهة.
حماتي وقفت في نص الصالة، بصت في أرجاء الشقة، وبعدين رمت الشنطة على الترابيزة وبصتلي بنظرة كلها لوم وعتاب حاد، وقالت بصوتها الرنان اللي سمّع العمارة كلها جرى إيه يا وفاء؟ هي وصلت بيكي تطردي الراجل من بيته على لقمة، وتسيبي بناته من غير فطار ولا غدا وتشتكي له من العيشة؟ ده أنتم عشتوا في خيره طول عمركم، ولا هو ناكر الجميل ملوش أمان؟!
الباب بتاع أوضة مريم اتفتح على وسعه، ومريم خرجت تجري وترمي نفسها في حضڼ ستها وتبكي بدموع التماسيح شوفتي يا تيتة؟ شوفتي ماما بتعمل فينا إيه وبتعامل بابا إزاي؟!
وقفت قدامهم، وقلبي بيدق بسرعة، بس المرة دي مش خوف... المرة دي كان ڠضب وۏجع ملوش آخر، وأنا شايفة المؤامرة اللي عادل حب يحيكها عليا عشان يكسر شوكتي ويجيب أمه تحاسبني في بيتي.
بصيت لحماتي، وبعدين بصيت لعادل اللي كان واقف وراها مستخبي، وقولت لنفسي الحساب تقل أوي يا عادل... والمرة دي مش هسكت.
قلت لحماتي بنبرة ثابته خلت الكل يتسمر مكانه أهلاً يا حماتي... كويس إنك جيتي، عشان اللي عادل مقالوش ليكي، أنا هقولهولك بالصوت العالي قدامهم كلهم...
يتبع
الجزء الثاني و الاخير
وقفت في نص الصالة، ضهري مفرود وعيني في عين حماتي، ومن وراها عادل اللي كان باصص في الأرض كأنه تلميذ خاېف من المواجهة. مريم كانت لسه ډافنة راسها في كتف جدتها، بتتمسكن وټعيط بدموع التماسيح، وسلمى واقفة على باب الأوضة بتراقب من بعيد، مستنية اللحظة اللي أمها تنكسر فيها وتوطي راسها زي كل مرة.
حماتي حطت إيدها على وسطها، وبصتلي بنظرة من فوق لتحت وقالت بصوت يرن في الشقة كلها خير يا وفاء؟ هتقولي إيه يعني غير النكد اللي عيشتي فيه ابني سنين؟ الراجل جالي الشغل ودموعه في عينه، يقولي مراتي مش راضية تأكل عيالي وبتعايرني بقرشي وبتقولي اخرج من بيتي! هي وصلت لكده يا بت الناس؟ نسيتي أصلك وفصلك؟ نسيتي مين اللي لمك من بيت أبوك وعيشك في شقة ملك؟
الكلمة كانت تقيلة، سم نازل يقطر من لسانها، بس الغريب إني ما اتهزتش... البرود اللي نزل على قلبي كان أبرد من التلج، وكأن كل السنين اللي ضاعت وأنا بطبطب وبضحي كانت بتتبخر في الهوا. بصيت لحماتي وابتسمت ابتسامة هادية خلت وشها يتلخبط، وقلت لها
أهلاً بيكي يا حماتي، نورتي بيتي... أصل ده بيتي برضه، حتى لو ابنك نسي. وقبل ما تسمعي مني كلمة واحدة، شوفي حفيدتك طبق القرنبيط اللي كان معمول بتعب وقفة رجلي ولقمته مدفوع تمنها بطلوع الروح راح فين؟ اسألي ابنك اللي واقف وراكي ده، لما حفيدتك رزعت النعمة في الأرض وقالت بقرف مش عاجبني الأكل ده، هو قال لها إيه؟ قومها ولا علمها الأدب؟ ولا قال لها بكل برود خلاص ما تاكليش وطلع خمسين جنيه من جيبه وبعتها تجيب أكل دليفري على عيني وعين أختها الصغيرة؟
حماتي اتلجلجت ثانية، وبصت لمريم اللي رفعت راسها بسرعة ووشها احمر، وقالت بصوت مهزوز يا تيتة... الأكل كان طعمه وحش ومحدش يقدر ياكله، وأنا مكنتش أقصد أوقعه، هو اتزحلق من إيدي ڠصب عني!
ضحكت بصوت عالي، ضحكة رنت في الصالة كلها وخلت عادل يرفع عينه ويبصلي بړعب اتزحلق ڠصب عنك؟ ده إنتي زقتيه بكل غلك في وشي ووش النعمة! بس أنا مش هلومك يا مريم، أنتي عيلة وبتعملي اللي أبوكي شجعك عليه... أنا هلوم الراجل اللي واقف ورا أمه مستخبي.
لفيت وشي لعادل، وقربت منه خطوتين، وقولتله ابنك نزل امبارح قال لي البيت ده مش بيتك، والمؤخر بتاعك ما يجيبش تمن تلاجة، ولو حد هيمشي هتبقي إنتي بالهدوم اللي عليكي ومن غير عيالك... ولما صحي الصبح وقولتله وريني شطارتك ووكل عيالك اللي على مزاجهم، جه يديها عشرين جنيه تجيب فول وطعمية، رزعت الفلوس في وشه وقالت له مش واخدة ومش رايحة الدروس! شوفتي التربية
يا حماتي؟ شوفتي الدلع اللي ابنك فضل يزرعه حصد منه إيه في نفس اليوم؟
حماتي بصت لعادل بغيظ، وقالت بنبرة حادة الكلام ده حصل يا عادل؟ بتك تزق الفلوس في وشك؟
عادل اتلعثم وبلع ريقه، وبص لأمه بعيون متوترة يا أمي... البت كانت متعصبة عشان متأخرة على درس الفيزياء، والهانم قاعدة تتفرج علينا ومش راضية تعمل لقمة نفطر بيها!
هنا سلمى، اللي كانت ساكتة طول الوقت وواقفة متفرجة، اتكلمت فجأة من عند باب الأوضة وقالت بصوت هادي ومرتبك بصراحة يا تيتة... مريم فعلاً رمت الطبق امبارح قاصدة، وبابا مدهاش بالراحة، وبابا هو اللي قال لماما لو مش عاجبك روحي عند أهلك.
الصالة كلها سكتت... مريم بصت لأختها بنظرة شړ وغيظ وصوتت فيها انتي بتسخني عليا ليه يا سلمى؟ انتي مش كنتي بتاكلي معايا امبارح وعاجبك البيتزا؟
سلمى عينيها دمعت وبصت في الأرض وقالت أكلت عشان كنت جعانة، بس ماما مكنتش غلطانة... ماما كل شهر بتشيل الأكل لبكرة عشان الفلوس تكفينا، وبابا اللي بياخده يرميهولنا ويقول كلوا وميهمكوش، ولما الشهر يزنق بنفضل نشحت المصروف منه بالعافية!
الكلام نزل على عادل زي الكرباج، وشه جاب ألوان الطيف، وحماتي وقفت تبص للبنات ولابنها وهي مذهولة. الأسطورة اللي عادل كان راسمها لنفسه قدام أمه إنه الأب المثالي المكافح اللي مراته بتبهدله وتنكّد عليه، اتهدت في لحظة واحدة بشهادة بنته التانية.
حماتي قعدت على الكنبة بتعب، وحطت إيدها على صدرها وقالت لا حول ولا قوة إلا بالله... بقى البيت وصل لكده وأنا نايمة في العسل؟
بصيت لحماتي وقلت لها بمنتهى الهدوء البيت وصل لكده عشان ابنك حب يلعب دور البطل الرخيص... الأب الحنين اللي يكسر كلمة الأم، اللي يعلم عياله إن النعمة تترمي وإن أمهم خادمة ملهاش رأي ولا كرامة. وفاكر إن الفلوس والرجولة بالدلع الفارغ! أنا صابرة ستاشر سنة، ببيع دهبي عشان عمليتك إنتي زمان لما وقعتي وركبتي شريحة ومسامير، وبعت حلق بنتي عشان جمعيته، ومفتحتش بوقي وقولت كله يهون عشان خاطر بيتي وعيالي. بس يجي لحد هنا ويقولي اطلعي برة بالهدوم اللي عليكي؟ لأ يا عادل... لحد هنا والفرملة تشتغل.
عادل حس إن موقفه بقى في الأرض، حب ينقذ ما يمكن إنقاذه،
متابعة القراءة