رواية كاملة
المحتويات
جوزي دخل الأوضة ورزع الباب وراه، وسابني مرمية على الأرض بلم كرامتي اللي اتبعترت مع الأكل. في اللحظة دي بالذات، حسيت بۏجع ما حسيتوش عمري كله... اكتشفت إني مكنتش بس بحارب الغلاء وضيق ذات اليد، أنا كنت بحارب جبهة تانية جوه بيتي، جبهة فيها الراجل اللي المفروض يكون ضهري وسندي، وبناتي اللي شلتهم تسع شهور في بطني وسهرت الليالي أكمد وأداوي وأخيط هدومهم المقطعة عشان ما يبانوش أقل من غيرهم.
خلصت لم الأكل ومسحت الأرض، وقومت غسلت وشي بمية ساقعة عشان أطفي الڼار اللي قايدة في نفوخي. دخلت المطبخ وقعدت على الكرسي الخشب، ورجعت بذاكرتي لسنين ورا... كنت فاكرة لما اتجوزنا، كنا بنقعد على الأرض ناكل عيش وجبنة وطماطم ونضحك من قلبنا، وكان يقولي إنتي اللي بتعملي من الفسيخ شربات يا وفاء. إيه اللي غيره؟ إيه اللي خلاه يتحول لشخص عايز يكسرني قدام بناتي؟
هل الفقر اللي زاد والضغوط خلوه عايز يعوض عقده ونقصه في إنه يلبي طلبات بناته حتى لو على حساب كرامتي وأصول البيت؟ كان دايمًا يهرب من مسؤوليته الحقيقية ورميها عليا... هو يجيب المصروف اللي يا دوبك يكفي أسبوعين بالعافية، ويرمي ويقول دبري بيتك. ولما أحاول أدبر وأقتصد عشان ميمدش إيده للي يسوى واللي ميسواش، يتدخل هو في دور البطل المنقذ، الأب الطيب الحنين، ويسيبني أنا في دور السجانة البخيلة النكدية.
البنات رجعوا بعد نص ساعة، شايلين أكياس الأكل، وريحة الأكل السريع ملت الشقة. مريم دخلت الصالة، رمت الكيس على السفرة، وقعدت تاكل هي وسلمى وأبوهم خرج وقعد وسطهم يضحك ويهزر بصوت عالي، كأنه بيغيظني، كأنه بيقولي شايفة؟ وجودك وعدمه واحد. جنى كانت قاعدة في الصالة بتبص للأكل برغبة أطفال، فمريم بصت لها وقالت بنغمة فيها تعالٍ تعالي كلي يا بت... بدل قرف القرنبيط بتاع أمك.
هنا مقدرتش أمسك نفسي... قمت من مكاني، ووقفت قصاد مريم، وقلت لها بصوت هادي بس مليان ڠضب مريم... احترمي نفسك، واعرفي إنتي بتكلمي مين... أمك دي اللي شالتك وربتك، وعيب الكلمة دي تطلع من لسانك.
مريم نفخت وبصت لأبوها كأنها بتستنجد بيه، وطبعًا الباشا مكدبش خبر. حط لقمته في الطبق وبصلي بشړ وقال ما تسيبي البت تاكل بقى! إنتي إيه يا شيخة؟ ما بتعرفيش تعيشي من غير مشاكل ثانية واحدة؟ هي قالت إيه غلط؟ مش هو كان أكلك قرف فعلًا وهي مش حباه؟ خلاص بقى حلي عن سمانا!
بصيت له في عينيه ولقيت الشماتة واضحة في وش مريم اللي ابتسمت ورا ضهره، وسلمى اللي كانت بتاكل ومبتتكلمش بس متضامنة مع مريم بنظراتها. بصيت لجوزي وقلت له إنت اللي بتعلمهم كده يا عادل... إنت اللي بكره هتبكي ډم لما تلاقيهم بيتكلموا معاك إنت بنفس الطريقة دي. اللي مبترميش على أصل وتربية بيتها، بكرة تدوس على الكل.
عادل ضحك باستهزاء بناتي وأنا حر فيهم... اطلعي إنتي منها بس والبيت هيروق ويبقى جنة.
انسحبت من الصالة ودخلت أوضة البنات، أخدت جنى في حضڼي، وقعدت على السرير. فكرت في كل كلمة قالها، وفي جملته المسمۏمة البيت ده مش بيتك.
ساعتها أدركت الحقيقة المرة... أنا فضلت سنين مستحملة وبضحي ومعتبرة إننا واحد، لدرجة إني حتى دهبي بعته لما كان مزنوق في مصاريف عملية أمه زمان، ومطلبتش منه يكتبلي بيه ورقة واحدة ولا قيراط في الشقة، والنهاردة بيعايرني بالمؤخر اللي في قسيمة الجواز اللي اتكتبت من ستاشر سنة وكان يدوب ألف جنيه!
الليل عدى تقيل
وطويل كأنه سنة... البنات ناموا، وعادل نام في الصالة قدام التلفزيون، وأنا فضلت صاحية عيني ما داقتش النوم. كنت بسمع صوت دقات قلبي وأنا بفكر في الخطوة الجاية. الاستسلام للموقف ده معناه إني هدوس على نفسي أكتر، والمرة الجاية مريم ممكن تمد إيدها عليا وتطردني برضا أبوها. لأ، أنا لازم أغير طريقتي تمامًا... مادام هو شايف إنه يقدر يدبر البيت ويلبي رغباتهم من غير ۏجع قلبي، يبقى يشيل بقى!
تاني يوم الصبح، عادل صحي ودخل الحمام وخرج لقى الصالة هادية، والترابيزة فاضية، ومفيش ريحة شاي ولا فول ولا طعمية زي ما كان متعود يلاقي أول ما يفتح عينه. دخل المطبخ لقاني قاعدة بشرب فنجان شاي لوحدي وجنى جنبي بتاكل حتة جبنة بلقمة عيش ناشف.
وقف على باب المطبخ وقال بنبرة مستغربة هو مفيش فطار ولا إيه يا وفاء؟ مريم وسلمى قربوا يصحوا عشان الدروس.
بصيت له ببرود تام، حطيت فنجان الشاي على الرخامة وقلت له مفيش أكل يا عادل... الأكل خلص امبارح، ومفيش في التلاجة غير شوية حاجات متصلحش غير للنكد اللي أنا بعمله، فمن هنا ورايح، إنت الأب الحنين، وإنت اللي بتعرف توكلهم الحاجة اللي تعجبهم... انزل هاتي لهم فطار من برة.
عادل اټصدم من ردي... وشه احمر وابتدت ملامحه تتوتر، وقال إنتي بتهزري؟ أنا هنزل اشتري فطار لده كله؟ ومنين يا هانم والقبض لسه مجاش؟
ابتسمت نفس الابتسامة الباردة اللي كان بيبتسملهالي معرفش... اتصرف زي ما اتصرفت امبارح وطلعت الخمسين جنيه عشان تطلب بيتزا وسندوتشات بطاطس سوري... ما البنات مبيحبوش الأكل اللي مش على مزاجهم، وقولتلي ما تاكلوش، يبقى اتصرف ودلعهم.
مريم صحيت على الصوت، وخرجت بشعرها المنكوش وهي متأففة إيه يا بابا ده، فين الفطار؟ أنا عندي درس فيزياء كمان ساعة ولازم أنزل شبعانة عشان أركز!
عادل فرك في دماغه وبص لمريم، ولقيته بيمد إيده في جيبه، طلع عشرين جنيه، وقال لها خدي هاتي بيهم أي سندوتشين فول وطعمية من تحت لحد ما أقبض.
مريم بصت للفلوس بقرف، كأنها بتشوف حشرة، وقالت بنفس الأسلوب اللي هو عودها عليه إيه ده يا بابا؟ عشرين جنيه هتعمل إيه؟ أنا مباكلش فول وطعمية من الشارع أصلاً، بيعملولي حموضة! هاتلي خمسين جنيه أجيب باتيه ومشروب طاقة من السوبرماركت.
عادل اتعصب، وصوته علي لأول مرة عليها هو إيه اللي خمسين جنيه؟ إنتي فاكرة الفلوس بتنزل عليا من السما؟ خدي العشرين وامشي بيها يومك!
مريم زقت إيده بالفلوس، زي ما زقت طبق القرنبيط بتاعي بالظبط امبارح، وقالت بصوت عالي مش واخدة! ومش رايحة الدرس! وبلاش امتحانات أصلاً طالما أنتم مش قادرين تصرفوا عليا! ورزعت باب أوضتها ودخلت.
عادل وقف متنح، باصص للفلوس اللي وقعت على الأرض، وشه اتقلب ألوان... بصيت له من ورا باب المطبخ وقولتله ببرود ها يا عادل؟ حسيت بحاجة؟ ولا لسه؟ الطبق اللي اتزق امبارح بالأكل، النهاردة إيدك بتترزع والفلوس بتترمي... وبكرة الدور على كرامتك كلها.
عادل صړخ فيا انتي السبب! انتي اللي بتزرعي السواد ده بيني وبين عيالي! انتي شمتانة فيا يا وفاء؟
قربت منه خطوة، وبصيت في عينيه بنظرة قوة عمري ما بصتلهاله قبل كده لأ يا عادل... أنا مش شمتانة، أنا بفوقك قبل ما تقع في حفرة مش هتعرف تطلع منها. إنت ربيتهم إن أي كلمة متتقالهمش لأ، وعلمتهم إن أمهم اللي بتدبر وتوفر هي العدوة، وإنت البطل اللي بتصرف... وريني بقى هتعمل إيه لما البطل ده محفظته تفضى وعياله
يطالبوه بالكماليات اللي
متابعة القراءة