رواية كاملة

لمحة نيوز

مستنية تسأل على ميعاد وصول الكحك عشان يفرقوه على حبايبهم زي ما متفقين.. هقولهم إيه؟ أقولهم أبويا طفش والكحك اتدلق للبط؟!
محمود ابتسم ابتسامة هادية، ومسح على راس تقى قولتلك عيب عليكي يا بت أختي، وانتي في ضهرك خال زي محمود الحداد.. بصي في الساعة كده؟ الساعة دلوقتي تمانية بالليل.. قدامنا لحد بكرة العصر عشرين ساعة.. فاطمة!
فاطمة مراته وقفت أمرك يا أبو أحمد.
محمود طلع رزمة فلوس من جيبه، كان شايلها عشان يجيب حديد جديد للورشة، حطها على الترابيزة وقال دي تمانية وعشرين ألف جنيه، شقايا اللي شايله.. تاخدي مروة، وتتصلوا بالحاجة أم محمد بتاعة حلواني الشبراوي الكبير اللي في أول الشارع، الست دي أصولية وجدعة وبتعمل طلبيات للمصانع والبيوت، وعندها مخبز آلي وفرن شغال ليل نهار.. تاخدوا الفلوس، وتروحولها، وتقولولها الطلبية دي تخلص قبل الساعة اتنين الظهر بكرة.. كحك سادة، وكحك ملبن، وكحك عين جمل، وبيتي فور، وبسكوت نشادر، وغريبة.. وتتعبى في الكراتين الدهبي اللي بنكتب عليها اسم العروسة!
أنا دمعت وجريت على محمود لأ يا محمود، دي فلوس شغلك، دي شقاك وشقا عيالك، مقدرش أخدها منك!
محمود مسك إيدي وباس راسي وقال فلوس إيه وۏسخ دنيا إيه يا مروة؟! إنتي أختي الكبيرة، لحمي ودمي، وكرامة بنتك من كرامتي.. لو معملتش كده للبت في يوم زي ده، مين هيعملها؟! الفلوس بتروح وتيجي، بس كسرة النفس مبتتداواش.. امشي مع فاطمة، ومتفكريش في مليم!
نزلنا من الشقة، نزلنا على السلم وروسنا مرفوعة. لما عدينا قدام شقة حماتي في الدور الأرضي، كان الباب موارب حتة صغيرة، وشوفت عين شيماء وأمها بيبصوا من الشق، مستنيين يشوفوني بجرجر رجلي وبعيط ورايحة أترجاهم.. بس لقوني لابسة عبايتي الخروج السودا النضيفة، ورابطة طرحتي بمشابك دهب، وماشية في إيد أخويا ومراته، وبنتي في النص، وضحكتنا سابقة خطوتنا. الباب اترزع في وشنا بغل وحسرة!
روحنا لحلواني الشبراوي، والست أم محمد أول ما شافت محمود وحكينالها الموقف باختصار من غير ما نفضح البيوت، الست شهقت ولطمت على صدرها وقالت يا نهار مش فايت! فيه ناس بالغل والۏساخة دي في الدنيا؟! وحياة النبي يا محمود، لخلي الفرن كله يشتغل لحساب عروستنا الليلة دي! عندي دست دقيق متجهزة للصباحية هقلبها كحك وبسكوت لتقى، وهنخبز وننقش ونعبي، وهتطلعي من هنا بأفخر كحك يتعمل فيكي يا جمهورية!
وفعلاً.. قضينا الليلة في المحل، مش نايمين، بنشرف على الصيجان، ريحة السمنة البلدي الصافية ملت الحتة، والبسكوت نازل من المكنة زي الدهب، والغريبة دايبة دوب، ومحمود جايب شاي وقهوة وبيوزع على العمال في الفرن ويقول جدعنة منكم يا رجالة، فرح بنت أختي بعد بكرة وعاوزين الشغل يشرف!
الصبح شقشق، الساعة حداشر الضهر، كان أدام المحل عربية نص نقل متأجرة، مرصوص فيها سبعين كرتونة دهبي فاخرة، كحك وبسكوت وحلويات تشيل وتفيض، وعليها شرايط حمرا مكتوب عليها ألف مبروك لأجمل عروسة.. تقى ومحمد.
الساعة تلاتة العصر، العربية دخلت الحارة..
الحارة كلها كانت مستنية تشوف الڤضيحة، الجيران طالعين في البلكونات بعد ما حماتي وشيماء نشروا في الصباحية إن مروة وبنتها انطردوا وإن صابر طلقها ومفيش كحك رايح لأهل العريس..
بس العربية وقفت، وشغلنا أغاني الكحك والزغاريد، والدي جي بتاع الفراشة بدأ يرن في الحارة! نزل محمود وصبيان الورشة، وبدأوا ينزلوا الكراتين الدهبي الفاخرة، ريحة السمنة البلدي قلبت الحارة كلها، والكراتين شكلها يشرف أفخم عيلة في مصر.
خرجت أم العريس، الست أم أحمد، ووراها قرايبها، كانوا جايين
ومعاهم عربيات عشان يستلموا الكحك.. أول ما شافت المنظر، وعرفت إن الكحك معمول مخصوص من أكبر حلواني، زغردت زغرودة شقت السما، وحضنتني وقالت قدام كل الجيران اللي واقفين مبحلقين تسلم إيدك يا أم العروسة! ده أنضف وأرقى كحك شوفته في حياتي، الله يكتر خيركم ويعلي مراتبكم، رفعتوا راسنا وشرفتونا!
بصيت لفوق، لشباك الدور الأرضي، لقيت شيماء واقفة ورا السلك، وشها متبرجل وعينيها هطق من الغيظ، وحماتي وافقة وراها كأنها شايفة عفريت.. كل غلهم ومؤامرتهم اتقلبت عليهم، والناس في الحارة بدأت تسقف وتبارك، وصابر ملوش أثر، مستخبي زي الفار في جحره مش قادر يرفع عينه في حد.
العربيات اتحملت ومشت بالزغاريد رايحة بيت العريس، والناس بدأت تتجمع عشان حنة الليلة..
دخلت شقتي، بصيت لبنتي تقى، لقيتها لابسة فستان الحنة الأحمر، وعينيها بتلمع بالدموع بس دموع فرح وفخر، قربت مني ومسكت إيدي وباستها راساً وعقباً وهي بتقولي سامحيني يا ماما.. سامحيني إني في لحظة ضعفت وفكرت في كلام الناس ونسيت إن كرامتك هي كرامتي.. ربنا يخليكي ليا ويخليلي خالي محمود، أنا راسي مرفوعة بيكي للسما.
حضنتها وقولتلها إنتي بنتي يا تقى، واللي ميعرفش يصون كرامته، ميعرفش يفرح.. الليلة حنتك، وبكرة فرحك، والليلة دي هنرقص ونهيص، ومش عاوزة أشوف دمعة واحدة في عينك!
الحنة بدأت، الصوان اتنصب قدام البيت، الأنوار تعلقت، والحريم اتلمت.. بس وسط الزغاريد والرقص والأغاني، والناس اللي داخلة وخارجه تبارك، تليفوني رن برقم غريب..
طلعت في البلكونة بعيد عن الدوشة، رديت وقولت ألو؟
جالي صوت ست بتنهج، صوتها مريب ومخيف، وقالتلي جملة واحدة خلت قلبي يقف في مكاني ويسقط في رجليه
إنتي فاكرة إن الليلة هتعدي على خير يا مروة وفرح بنتك هيكمل؟! اطلعي شقتك فوق بسرعة شوفي السقف بيشر إيه على فستان فرح بنتك والشنط بتاعتها، وحماتك ناوية على إيه الليلة دي مع صابر عشان يحرقوا قلبك قبل ما النهار يطلع!
الخط قطع، وأنا وقفت متسمرة مكاني.. يا ترى مين الست دي؟ وفستان الفرح جراله إيه فوق؟ وصابر وحماتي مجهزين مصېبة تانية إيه عشان يدمروا الليلة الأخيرة؟!
يتبع حكايات_مني_السيد
الجزء التالت والأخير حكايات_مني_السيد
التليفون فصل من هنا، وأنا حسيت بركبِي بتخبط في بعضها، الډم نشف في عروقي وبقيت زي اللي ممسوسة بڼار. الصوت اللي كان بيكلمني ده مش غريب عليا، ده كان صوت سعاد، مراة البواب اللي حماتي ممشياها على العجين متلخبطوش باللقمة والهدوم القديمة، بس باين ضميرها صحي لما شافت الغل وصل لإيه!
رميت الموبايل في جيبي، وطلعت أجري من وسط صوان الحنة زي المچنونة. الحريم كانت بترقص على أغاني الدربوكة والزغاريد مالية الحارة، وبنتي تقى وسط صحباتها بترقص ومبسوطة، مكنتش عاوزة أصرخ ولا ألفِت نظر حد، بس رجليا كانت بتسابق الريح على السلم.
طلعت التلات أدوار كل دور خطوتين في خطوة، وأول ما حطيت إيدي على أكره باب شقتي، شميت ريحة قلبت بطني.. ريحة جاز وسولار مخلوط بمية مجاري عفنة!
فتحت الباب وإيديا بتترعش، والمشهد اللي شوفته جوة كان كابوس بكل المقاييس الصالة كانت بتنقط نقط سودة من السقف، بس الکاړثة الحقيقية كانت جوة أوضة تقى.. الباب كان موارب، والمية السودة الزيتية نازلة زي الشلال من فتحة المنور اللي في سقف الأوضة، نازلة فوق السرير، وفوق الشنط المقفولة، وفستان الفرح الأبيض اللي كنا معلقينه على الدولاب برة الكيس عشان يتهوى ويتفرد، كان نصه غرقان بسائل أسود لزج ريحته تخنق بلد!
صړخة مكتومة وقفت في زوري، قعدت على الأرض أشد في شعري، بس مسكت نفسي بالعافية وقولت لأ.. مش هصرخ ولا هخليهم يشمتوا فيا تاني.. وحياة حليب أمي اللي رضعته ما هسيبهم يكسروا فرحة البت!
جريت على الفستان، شيلته من تحت المية، لقيت الجزء التحتاني من الديل والجيبونة القطيفة اتبهدلوا، والشنطة الجلد الكبيرة اللي فيها لانجيري العروسة وهدوم خروجها المية السودة لحستها من الجنب بس مكنتش دخلت لجوة أوي. طلعت على السطوح زي الصاروخ أشوف البلا جاي منين..
لقيت باب السطوح مفتوح على مصراعيه، وفوق أوضة تقى بالظبط، عند مزاريب السطح، جردلين كبار مقلوبين، وخرطوم طالع من تانك الغسيل بتاع شقة شيماء اللي تحت، وكان باين أثر الجاز والمية العفنة اللي ماليين الحتة، ومحدش كان فوق.. عملوا العملة ونزلوا استخبوا!
نزلت الشقة على لحم بطني، سحبت الفستان، وقفلت باب الشقة بالمفتاح، ونزلت شقة أم سيد جارتنا في العمارة اللي قصادنا، ست طيبة ودايماً في حالها ومالهاش في قعدة المساطب.
خبطت عليها، فتحت، أول ما شافتني بالفستان المتبهدل وريحتي جاز، شهقت ولطمت يا نهار مش فايت يا مروة! إيه ده؟! إيه اللي جرى لفستان العروسة؟!
قولتلها بدموع محپوسة استريني يا أم سيد.. السقف سرب مية وجاز عليه، الفرح بكرة العصر والبت لو شافت الفستان هتروح فيها، وأنا مش عاوزة الفرح ينكد عليه.. تعرفي حد بتاع دراي كلين وبقع شاطر يلحقه الليلة دي؟!
أم سيد مسكت الفستان وبصت فيه بعين خبيرة وقالت ده جاز ومية ۏسخة، لو اتغسل بمية عادية هيعلم ومش هينضف.. بس اسمعي، أخويا شغال في أكبر مغسلة وبخار في وسط البلد، وعنده مواد بتشيل الجاز والبقع المستعصية من غير ما تأثر على التل والجبير.. هكلمه حالا يبعت الموتوسيكل ياخده بالليل ويرجعهولنا الفجر متبخر ومكوي كأنه لسه طالع من المحل.. بس إنتي اهدي وبطلي رعشة!
اتصلت بأخوها والراجل طلع ابن حلال ومتربي، جه بعد نص ساعة، استلم الفستان في كيس مقفول من غير ما حد في الصوان يحس بحاجة، وأنا أخدت نفسي شوية، بس الڼار اللي في قلبي كانت لسه قايدة.. مين اللي عمل كده؟ صابر؟ ولا شيماء؟ ولا الحية

الكبيرة حماتي؟!
نزلت الصوان تاني، حاولت أرسم ابتسامة على وشي، روحت وقفت جنب تقى، رقصت معاها وزغردت، ومحمود أخويا كان واقف وسط الرجالة بيوزع الشربات والقهوة والكل بيهتف باسمه وباسم كرمه.
الساعة بقت اتنين بالليل، المعازيم مشيوا، والدي جي قفل، والحارة هديت تماماً. تقى طلعت تنام عند خالتها فاطمة في شقتها عشان ترتاح ومتحسش بحاجة.
أنا ومحمود قعدنا على قهوة في مدخل الحارة، شربنا شاي، وبصيت لمحمود وقولتله محمود.. الشقة فوق اتغرقت مية وجاز من عند السطوح، والفستان لولا ستر ربنا وأم سيد كان ضاع، وحماتي وصابر ناوين على حاجة تانية الليلة.. سعاد مراة البواب هي اللي نبهتني، والناس دي مش هتسكت إلا لما تجيب أجلنا أو تفضحنا في القاعة بكرة.
محمود عينيه ضيقت، وحط كوباية الشاي برنة قوية على الطقطوقة الرخام جاز ومية ۏسخة على فستان العروسة؟! وحياة النعمة الشريفة دي خسة وندالة ميعملهاش إلا ولاد الحړام! اسمعي يا مروة.. الحية لما تطلع من جحرها عشان تبخ سمها، مبيتقطعش ديلها.. بيتداس على راسها بالجزمة عشان ټموت ومترجعش تاني.. تعالي معايا.
روحنا على مدخل العمارة، روحنا لأوضة البواب تحت بير السلم.. خبطنا خبطتين خفاف، فتحت سعاد، أول ما شافتني اتخضت وكانت هتقفل الباب، بس محمود حط كف إيده الضخم على الباب وزقه براحة، دخلنا وقفل الباب وقالها بنبرة واطية بس حامية زي الړصاص سعاد.. إنتي ست غلبانة وبتاكلي عيش، وإحنا طول عمرنا
تم نسخ الرابط