رواية كاملة
المحتويات
حاجة، بس شوية لخبطة وتعب من مشوار المركز. هعدي عليكي بكرة الصبح إن شاء الله وأشوفك.
قفلت مع ماما، ولقيت الباب بيخبط خبطات جامدة ومتتالية. فتحت الباب، لقيت حماتي واقفة وبتبصلي بطرف عينها
اطلعي عشان تعملي الأكل، ولا ناوية تفضلي حابسة نفسك وتسيبي جوزك جعان بعد يوم شقاه في الشغل؟
قلت بهدوء من غير ما أبصلها
حاضر، طالعة.
خرجت على المطبخ، لقيت كيس اللحمة محطوط على الرخامة. فتحت الكيس ووقفت قدامها وأنا بقطع البصل والدموع بتنزل من عيني مش من البصل، لكن من حړقة قلبي على نفسي. وائل دخل المطبخ، وقف ورايا من غير ما يتكلم، حسيت بيه بس ما التفتش. مد إيده وفتح التلاجة خد إزازة مية وشرب، وبعدين قال بنبرة جافة
أمي عايزة الشوربة تكون خفيفة، وما تكتريش البهارات عشان معدتها، والرز يتعمل بالشعرية زي ما بتحبه.
ما رديتش عليه، فضل واقف مستني رد، ولما سكت قال بنرفزة
أنا بكلمك على فكرة! ما بترديش ليه؟!
بصيت له بعينين مليانة عتاب وبرود
حاضر يا وائل، هعمل الشوربة خفيفة والرز بالشعرية. في تعليمات تانية لحضرتك أو للوالدة؟
اتضايق من أسلوبي البارد وقال
بطلي الطريقة دي، وبطلي تعملي فيها المظلومة اللي الكل جاي عليها. إنتي لو بتسمعي الكلام
من أول مرة وبتتصرفي بوعي ما كانش حد فتح بقه معاكي، لكن إنتي اللي بتجيبي الكلام لنفسك.
خرج وسابني، وخلصت الأكل وحطيته على السفرة. قعدت حماتي وقعد وائل، وكنت لسه هرجع أوضتي عشان ماليش نفس أحط لقمة في بطني، حماتي قالت
اقعدي كلي، مش عايزين حد يقول حارمينك من الأكل في بيت جوزك، ولا هتروحي تقولي لأمك برضه إننا ما بناكلكيش؟
قعدت على طرف الكرسي، أكلت معلقتين بس عشان مابقاش بعمل مشكلة تانية، وكل لقمة كانت بتنزل زي المرار في حلقي. وفجأة حماتي داقت الشوربة وحطت المعلقة على الطبق بصوت رن في الصالة كلها.
بصيت لها وقلبي انقبض.
قالت وائل وهي بتوجه كلامها لابنها مش ليا
شايف يا بني؟ دي اللحمة اللي المدام كانت جايباها وفرحانة بيها؟ اللحمة شادة وزي الكاوتش، والشوربة سمنتها تقيلة وعايمة على الوش، دي لحمة عِجوزة وما تنفعش تتسلق أصلًا، دي تنفرم وتتعمل كفتة! ضحك عليكي الجزار للمرة التانية ورما عليكي بضاعته البايتة، وإنتي طبعًا فرحانة وجاية تفرضي رأيك علينا!
وائل بص في طبقه، وبصلي، وحسيت إن الخناقة هتبدأ من أول وجديد، بس المرة دي أنا اللي سكت خالص، بصيت لحماتي وابتسمت ابتسامة ۏجع، وقلت
بالهنا والشفا يا ماما... مطرح ما يسري يمري.
قمت من على السفرة ودخلت أوضتي، وسمعت صوتها برة بتقول لوائل
شايف قلة ذوقها؟! بتسيب الأكل وتقوم تستهزأ بيا قدامك وإنت قاعد زي خيال المآتة مش عارف تحكم بيتك!
قعدت على السرير وضميت ركبي لصدري، وأنا بفكر في حياتي اللي بقت كلها مشاكل على أتفه الأسباب، وحسيت إن الموضوع مش مجرد كيلو لحمة ولا مشوار جزار... الموضوع كان كسر إرادة، وحرب نفسية بتتعمل عليا عشان أفضل دايمًا مکسورة الجناح وماليش رأي في البيت ده.
طلعت كراستي الصغيرة اللي بخبيها في قاع الدولاب، وكتبت فيها كلمتين كنت حاسة إنهم بداية لنهاية الصمت اللي عشته اللي يقبل يتهان في اللقمة والمشوار، هيتهان بكرة في كرامته وعياله، والسكوت عمره ما كان ستر، السكوت أوقات بيكون أكبر غلطة.
الساعة دقت اتنين بعد نص الليل، البيت كله كان نايم والهدوء رجع تاني يعم المكان. قمت على طراطيف صوابعي، جهزت شنطة صغيرة فيها هدوم بنتي وشهادة ميلادها وأوراقي المهمة وحطيتها ورا الدولاب. مكنتش عارفة بكرة مخبيلي إيه،
بس كنت متأكدة من حاجة واحدة بس اللي حصل النهاردة ده مش هيعدي بالساهل، واليوم اللي رفع فيه وائل إيده عليا كان النقطة اللي انتهت عندها مرحلة وبدأت مرحلة تانية خالص حصري علي صفحة روايات و اقتباسات.. وفجأة وأنا واقفة في الضلمة، سمعت صوت حركة غريبة جاية من الصالة برة، وصوت همس مكتوم... اتسحبت وبصيت من خرم الباب، وشفت حماتي واقفة مع حد في الصالة والأنوار مطفية، واللي شفته خلاني اتجمد في مكاني وأنسى كل
الۏجع اللي عشته طول اليوم من الصدمة الجديدة اللي مستنياني.
يتبع
الجزء الثالث و الاخير
وقفت متصلبة ورا الباب، قلبي كان بيدق في وداني لدرجة حسيت إن الصوت هيتفضح برة في الصالة. عيني كانت متبتة في فتحة الباب والأنوار كلها مطفية، ما عدا ضوء خاڤت جدًا جاي من شباك المطبخ منور طرف الطرقة.
شفت حماتي واقفة، وقدامها حد طويل وضهره ليا، بس أول ما لف وشه في الضوء الخاڤت، اتسعت عيني ومسكت في أوكرة الباب عشان ما أقعش... ده كان سامح، أخو وائل الكبير، اللي مفروض إنه مسافر شغال في دولة تانية ومحدش متوقع رجوعه إلا بعد شهور!
كان ماسك شنطة جلد في إيده وبيوطي صوته على الآخر، وحماتي عمالة تطبطب عليه وهي مبتسمة ابتسامة أنا عمري ما شفتها بتضحكها في وشي ولا حتى في وش وائل. قربت ودني من شق الباب عشان أسمع الهمس المكتوم اللي داير بينهم.
حماتي بتقوله بصوت واطي حمد الله على سلامتك يا حبيبي، جيت في ميعادك بالظبط... البيت كله نايم ومحدش حس بحاجة. عملت إيه في موضوع الشقة التحتانية؟
سامح حط الشنطة على الترابيزة وقال بصوت هادي كل حاجة تمام يا أمي، المحامي جهز العقود القديمة، بس فاضل وائل يمضي على التنازل اللي اتفقنا عليه عشان البيعة تتم رسمي من غير شوشرة، وإنتي عارفة وائل مبيفهمش في الأوراق دي وكلمتك عنده سيف.
حماتي ضحكت بخبث وقالت سيبلي وائل، ده عجين في إيديا، بس البلوة مراته... دماغها ناشفة وبدأت تحشر مناخيرها في المصاريف والفلوس، وكل شوية تقولي فين حقنا ومصروفنا مش مكفي! النهاردة عملتلي حكاية عشان كيلو لحمة ونزلتها ورجعتها مرتين عشان أكسر عينها وأوريها إنها ولا حاجة في البيت، ووائل زي الألف رفع إيده عليها وكان هيضربها، يعني كاسر عينها وضامنين سكوتها ومش هترفع راسها بكلمة في أي ورقة هو هيمضي عليها!
سامح ضحك وقال تسلم إيدك يا ست الكل، إنتي دايمًا حاسبة كل خطوة. الشقة دي لو اتباعت للمقاول بالسعر اللي اتفقنا عليه، هطلع أنا بنصيبي كامل، ووائل يا دوب يفضل قاعد هنا في شقة السطوح يخدم عليكي من غير ما يحس إنه خسر نصيبه في ورث أبويا.
الكلام نزل عليا زي مية ڼار! الشقة اللي تحت، اللي هي أصلًا مفروض ورث وائل وأخوه من أبوهم الله يرحمه، واللي كان وائل دايماً واعدني إننا هننزل نجددها ونعيش فيها بدل الأوضتين اللي فوق السطوح اللي السقف فيهم بينقط في الشتا وپيتحرق في الصيف، حماتي وسامح متفقين يبيعوها ويسرقوا نصيب وائل، والمخطط كان مبني على إني أتهان وأتكسر عشان وائل يفضل متوتر ومضغوط ويسلم كل أوراقه لأمه من غير مراجعة!
حسيت بدمي بيفور، الضعف اللي كان في قلبي طول اليوم والخۏف والدموع اتقلبوا فجأة لڼار وبركان. مسكت نفسي بالعافية، رجعت على أطراف صوابعي للسرير،
قعدت جنب بنتي وضميتها، بس المرة دي ما عيطتش... مسحت دموعي بإيدي الاتنين، وعرفت إن الست اللي بتنكسر هي اللي
متابعة القراءة