رواية كاملة
مش بتاعتنا. المرحوم طارق جوزي ماټ وسابلي كنز أعظم من كل دولاب، سابلي ولاد بيعرفوا ربنا وبيخافوا من الحړام. ووصية جدتك الست شريفة هانم في الجواب كانت ۏجع في قلبي كأم، ومكنتش هقدر أرتاح لو العرايس دي اتكسرت ولا اتهانت.
عمر ابتسم ابتسامة صافية، وطلع من جيبه دفتر شيكات وقلمدهبي
جدتي كتبت في وصيتها خذها.. بعها لمن يقدرها.. أطعم بها أولادك واستر بها بيتك. أنا مش هشتري منك العرايس، لأنها إرث عيلتي ومش هتدخل مزاد ولا هتتباع برة مصر أبداً، دي هتروح متحف الفنون الجميلة في الزمالك باسم عمتي نادية.. بس المكافأة اللي أنا كنت راصدها لحفظ الأمانة، ونصيبك الشرعي من إنقاذ التركة دي، ده حقك بقوة القانون وبحق الوصية الإلهية.
عمر كتب الشيك، وقطعه من الدفتر، ومده لأسماء.
أسماء بصت للرقم المكتوب في الشيك
خمسمائة ألف جنيه مصري لا غير.
إيدها رجعت لورا برهبة وخوف كتير يا بيه.. والله العظيم كتير أوي، أنا معملتش غير واجبي والأمانة ملهاش تمن!
عمر مسك إيدها وحط الشيك فيها وقفل صوابعها عليه بكل احترام ده مش تمن الأمانة يا أم كريم، ده رزق عيالك الأيتام اللي ربنا ساقه ليكي من سبعين سنة، شريفة هانم كتبته بحبر قلبها وربنا حپسه في الدولاب ده سنين طويلة عشان يوصل في معاده للبيت اللي يستحقه ويستره.. خدي الشيك، ومتقلقيش من نيفين ولا مدحت، المحضر اللي اتعمل النهاردة هيدخلهم السچن مش أقل من تلات سنين پتهمةالسطو المسلح والترويع، ومحدش فيهم هيجرؤ حتى يعدي من أول الشارع هنا تاني.
٥. شمس جديدة على الخانكة
مرت سنة كاملة على اليوم ده.
شوارع الخانكة لسه زي ما هي، بس بيت أسماء الصغير اتغير ملامحه تماماً.
حيطة الرطوبة اتقشرت واتعملت محارة وعزل نضيف ودهان بيج دافي منور الصالة. الحوش الصغير اتسقف بخشب موسكي شيك وبقى جنينة صغيرة مفرية شتلات فل وياسمين ونباتات زينة خضرا مبهجة، ريحتها بتملى البيت كله في الصباحية.
أسماء مسابتش شغلها في المشتل عشان هي بتحب خضرة الزرع، بس مبقتش عاملة يومية بتنكسر عشان اللقمة؛ شاركت الحاج عبد الرازق في مشتل جديد على الطريق السريع، وبقت شريكة برأس مالها ومجهودها، واسمها معروف بين هوانم المزارع بالست الشاطرة الأمينة.
كريم دخل كلية التجارة، وبقى راجل البيت اللي بيعتمد عليه بجد، لابس قميص وبنطلون مكويين، وشايل مصاريف دروس إخواته من غير ما يشيل هم الجنيه اللي رايح واللي جاي.
ومنة كبرت وبقت ست بيت صغيرة بتساعد أمها، والتوأم حسن وهناء بيلعبوا في الصالة بهدوم العيد الجديدة وشبعانين ومبسوطين.
أما نيفين ومدحت، المحكمة كانت نزلت عليهم بحكم رادع بالسجن سنتين مع الشغل والنفاذ، وخرجت نيفين من التجربة دي مکسورة الجناح، عرفت
إن الظلم آخره وحش، وإن ډم ابنها بريء منها ومن طمعها.
وفي يوم جمعة، بعد صلاة العصر، كانت أسماء قاعدة في الصالة بتشرب شاي بالنعناع، والعيال حواليها بيكتبوا واجباتهم المدرسية، وصوت إذاعة القرآن الكريم طالع هادي من الراديو.
بصت لحيطة الصالة الرئيسية..
مكانش في دولاب خلاص، بس كان فيه برواز خشب شيك جداً، فيه صورة فوتوغرافية قديمة بالأسود والأبيض للبنت الصغيرة نادية ذو الفقار وهي حاضنة
عروستها البورسلين وبتضحك ضحكة بريئة، وجنبها كارت شكر رسمي ممهور بختم وزارة الثقافة ومتحف الفنون، ومكتوب فيه
شكر وتقدير من إدارة المتاحف الوطنية إلى السيدة البارة أسماء، لحفظها التراث المصري وإعادة مقتنيات نادية ذو الفقار إلى موطنها الأبدي.
رفعت أسماء إيدها للسما، وعينيها مليانة دموع شكر وراحة، وقالت بصوت هادي طالع من أعماق قلبها الحمد لله يا رب.. سترتني وعوضت صبري خير، ورحمت عيالي من قهر الدنياوظلم القلوب القاسېة.