رواية كاملة
ويحبسهم في قفص؟ كريم قالها وهو بيهرش في راسه ومستغرب شكلهم يقلق يا أمي.. عينيهم دي كأنهم هينطقوا ويقوموا يمشوا.
ده شغل خواجات يا ابني.. مش لعب عيال من اللي بتتباع في العتبة والموسكي بثلاثين جنيه، أسماء قالتها وهي بتمشي صوابعها بحذر على القماش الناعم اللي كأنه لسه جديد شوفي التطريز والخياطة.. مفيش فتلة طالعة برة، والبورسلين ده نقي جداً.. أناياما شوفت مجلات قديمة عند
صاحب المشتل اللي بشتغل عنده، كان بيجيب كتب عن الديكورات الفرنساوي عشان الحدائق، التحف دي ليها ناسها.
في اللحظة دي، الباب بتاع الشقة اتوارب، وطلت منه منة وهي شايلة طبق فيه غسيل ناشف، ووراها هناء وحسن بيجروا ورا بعض
ماما! إيه الصوت اللي كان برة؟ كريم عمل إي...
منة سكتت والطبق وقع من إيدها على عتبة الحوش، والهدوم اتنطرت. التوأم جريوا يستخبوا ورا ضهر أختهم الكبيرة وهما بيشاوروا على الدولاب
عفاريت يا ماما؟! في عفاريت جوة الدولاب؟!
تعالوا هنا بس ومتبقوش خوافين، أسماء ندهت عليهم بنبرة هادية وبتربت على كتافهم دي عرايس خشب ولعب قديمة.. محدش ېخاف.
الأطفال قربوا بالراحة، الفضول غلب الخۏف عندهم، وبدأت هناء تمد إيدها الصغيرة تلمس طرف فستان العروسة اللي لابسة كحلي
شعرها حقيقي يا ماما.. شكلها زي سندريلا بتاعة الكرتون، بس حزينة أوي.
أسماء اتنهدت، وفي وسط الزحمة دي لاحظت حاجة في أرضية الدولاب. لما كريم حرك العروسة المتكفنة بالقطيفة النبيتي عشان يعدلها، سمعوا صوت خشب بيتحرك تحتها.
استنى يا كريم.. متنزلهاش.
أسماء وطت بجسمها، ولمست القاع الخشبي بتاع الدولاب كان فيه لوح خشب أرو سميك، بس لما ضغطت عليه من طرفه الشمال، الطرف اليمين ارتفع سنتيمتر لفوق.
ده سحارة سرية! كريم قالها وعينيه وسعت.
أسماء رفعت اللوح الخشبي بحرص شديد عشان متكسرش المجرى بتاعته. وتحت اللوح، مكنش فيه دهب ولا مجوهرات زي ما كريم اتخيل في أول لحظة.. كان فيه علبة سېجار نحاس قديمة أوي متأكسدة بلون أخضر، وجنبها كيس قماش كتان مربوط بدوبارة، وجواهم دوسيه كرتون مقوى مربوط بشريطة ستان بهت لونها وبقى رمادي.
قلب أسماء دق تاني، بس المرة دي دقات فضول وخوف من المجهول.
شالت العلبة والدوسيه، وقعدت على كرسي خيزران قديم في الصالة، والعيال كلهم اتلموا حواليها على الطبلية زي الفراشات حوالين اللمبة.
فتحت الدوسيه الكرتون بالراحة، طلعت منه أوراق كتيرة.. شهادات مكتوبة بالفرنساوي ومختومة بأختام شمع أحمر بيضاوي، وعليها تواريخ قديمة جداً، أقدم تاريخ فيهم كان سنة ١٩٣٦. كانت شهادات أصالة من شركة فرنسية مشهورة في باريس اسمها Jumeau، وشهادات تانية ألمانية عليها رسمة نسر وكلمات مش مفهومة.
لكن في وسط الأوراق دي كلها، كان في جواب مكتوب على ورق أبيض مسطر ومكتوببحبر سائل أزرق، خط عربي رقعة منمنم ومنسق جداً، كأن اللي كاتبه كان بيكتب رسالة ملكية.
أسماء عدلت نضارة القراءة الضعيفة بتاعتها، وبدأت تقرأ بصوت واطي والكل ساكت بيسمع
٣. حكاية الست شريفة هانم
إلى من يقع هذا الدولاب بين يديه.. أياً كنت وأياً كان الزمان الذي تقرأ فيه هذه الكلمات.
أعلم أنك قد ترتعب حين ترى هذه الوجوه الصامتة، لكن أرجوك باسم الإنسانية وباسم كل أم فقدت فلذة كبدها، لا تؤذِ هذه الدمى ولا تدع يد الجهل تمزقها أو تلقي بها إلى النيران.
هذه الدمى لم تكن يوماً مجرد خشب وشعر مستعار وبورسلين ناعم. هذه كانت روح ابنتي الوحيدة نادية، التي اختطفها مرض السل وهي في سن الحادية عشرة، في خريف عام ١٩٥٢، قبل أن ترى حلمها في أن تصبح فنانة تشكيلية يتحقق.
بعد مۏتها، أظلمت الدنيا في عيني، وضاقت بي جدران فيلتي في حي مصر الجديدة. لم يبقَ لي من ريحتها إلا هذه الدمى النادرة التي كان والدها، المغفور له كمال باشا ذو الفقار، يجلبها لها من رحلاته إلى باريس وفيينا وبرلين. كانت نادية تمضي الساعات تحيك لهن الفساتين، وتصفف شعورهن، وتتحدث إليهن كأنهن شقيقاتها اللاتيلم تلدهن أمها.
وحين اشتد
بي المړض وعلمت أن أيامي باتت معدودة، ورأيت أعين الورثة من أقارب زوجي تتربص بكل ركن في البيت كذئاب جائعة، لا يبحثون إلا عن سبائك الذهب وعقود الأراضي وسيارات الأوستن، وأيقنت أنهم سيحطمون غرفة ابنتي ويبيعون ذكرياتها بالبخس في سوق الجمعة
أو يلقونها في القمامة ليتقاسموا المتر والمكعب، لم أجد ملاذاً لستر هذا الإرث إلا أن أودعه في هذا الدولاب.
أمرت النجار الأرمني أرتين أن يصنع له قفلاً مستعصياً، وسحارة مخفية لا يعلم سرها إلا الله، وأوصيت حارس العقار الأمين أن يخرجه من الفيلا فور وفاتي إلى مخزن قديم بعيد عن أعينهم.
إن وصلت إليك هذه الدمى، فاعلم أن قيمتها التاريخية والمادية كفيلة بأن تبدل حال أسرة بأكملها من الفقر إلى الغنى، فالشهادات المرفقة تثبت أنها من أندر مجموعات الخزف الفرنسي من القرن التاسع عشر وبدايات العشرين. خذها.. بعها لمن يقدرها.. أطعم بها أولادك واستر بها بيتك، لكن تذكر في صلاتك ودعائك روح ابنتي نادية، وترحم على أم لم تجد في خريف عمرها من تودعه سرها غير الخشب والأوراق الصامتة.
شريفة عبد الحميد ذو الفقارشتاء ١٩٧٨
سكتت أسماء، وكان صوت شخير خفيف طالع من الشارع مع صوت بياع روبابيكيا بعيد بينادي على الحديد القديم.
منة كانت حاطة إيدها على خدها والدموع بتلمع في عينيها
يا حبيبتي يا نادية.. يعني هي ماټت وهي صغيرة كدة زينا؟ والست دي فضلت حابسة العرايس دي كلها السنين دي كلها عشان مفيش حد يرميهم؟
كريم مكانش مركز في الدراما والدموع قد ما ركز في جملة واحدة في الجواب
أمي.. قريتي الجملة دي؟! كفيلة بأن تبدل حال أسرة بأكملها من الفقر إلى الغنى! أنتي فاهمة ده معناه إيه؟!
أسماء بصت للجواب وللأوراق بحيرة وخوف
معناه إيه يا كريم؟
معناه إن الدولاب ده مكنش مرمي في الژبالة صدفة! أكيد المخزن اللي الست شريفة كانت شايلاه فيه اتهد، أو الورثة الجداد باعوا العمارة القديمة، والعمال رموا الكراكيب في المقلب بتاع الژبالة وهما مش عارفين إن جواه كنز! يا أمي العرايس دي تمنها يجيب ألوفات.. يمكن عشرات الألوفات!
وطي صوتك يا ولد! أسماء نترته بحدة وهي بتبص على شباك الصالة اللي بيبص على المنور الحيطان ليها ودان، وإحنا يدوب لسه داخلين المنطقة على قشربيض، لو حد سمعك ولا شم خبر إن دخل بيتنا حاجة ليها قيمة، مش هنخلص من عنين الناس ولا من طمع اللي يسوى واللي ميسواش!
حسن الصغير شد طرف جلابية أمه وقال ببراءة
يعني يا ماما هنشتري شيبسي ولحمة كل يوم ومش هتاكلي عيش حاف؟
كلام الواد نزل على قلب أسماء زي المية الساقعة. فكرت في كل جنيه كانت بتشيله من يوميتها في المشتل، في الشتا اللي داخل والعيال معندهمش غير كوتشيات مقطعة وبناطيل دايبة ومرقوعة، في حيطة الصالة اللي بتنقط مية من الرطوبة ومحتاجة تتقشر وتتعالج بمحارة وأسمنت، في فواتير الكهربا والمية اللي طالعة ونازلة، وفي كرامتها اللي دست عليها حماتها لما طردتها في نص الليل ورمت شنطهم في الشارع.
بس الخۏف كان أكبر.
محدش يفتح بقه بكلمة برة البيت، أسماء بصت للعيال الأربعة بعينين حازمة اللي هيجيب سيرة الدولاب ولا العرايس دي قدام جار، ولا في مدرسة، ولا حتى قدام ابن عمه.. هعتبره مش ابني! فاهمين؟
العيال هزوا روسهم برهبة، حتى كريم بلع ريقه وسكت.
٤. ضړبة من الماضي
يوم الأحد الصبح، نزلت أسماء على شغلها في المشتل زي العادة، بس عقلهامكانش معاها. كانت
ماسكة المقص بتقلم شجر الفيكس وبتسقي أحواض الصبار، بس عينيها بتسرح كل دقيقة.
صاحب المشتل، الحاج عبد الرازق، راجل ستيني طيب وله هيبة، كان تاجر نباتات قديم وشاطر، وعنده زباين من أتقل هوانم وباشوات القاهرة اللي بيحبوا يفرشوا جناين الفلل بتاعتهم في التجمع وأكتوبر والشيخ زايد بنباتات ظل نادرة.
وهو بيمر عليها، لاحظ إنها بتقص فرع سليم من شجرة دراسينا
جرى إيه يا ست أسماء؟ الشجرة عملت فيكي إيه عشان تقصي قلبها كدة؟
أسماء انتبهت بسرعة ورجعت المقص لورا باعتذار
حقك عليا يا حاج عبد الرازق.. السهو خدني بس وڠصب عني.
اللي واخد عقلك يتهنى به.. بس إنتي مش عوايدك تسرحي. العيال فيهم حاجة تعبانة؟ محتاجة سلفة من المرتب وأنا تحت أمرك؟
ربنا يبارك في عمرك يا حاج ويصلح حالك، لا والله العيال بخير ونعمة الحمد لله.. بس هي الدنيا وضغوطها.
كانت على تكة وهتسأله.. كان لسانها هياكلها عشان تقوله يا حاج، متعرفش حد بيفهم في التحف والأنتيكات بتاعة زمان؟ بس مسكت نفسها في آخر لحظة. الحاج عبد الرازق راجل طيب، بس برضه كلمة تجر كلمة، وسرها لو خرج برة باب بيتهامش هتعرف ترجعه تاني.
رجعت العصر على الخانكة، شايلة في إيدها كيس فيه شوية بطاطس وخضار، ونفسها رايقة شوية إنها هتدخل تطبخ لعيالها وتشوف هيتصرفوا إزاي في الدولاب.
أول ما دخلت الشارع الصغير بتاعهم، حست بحاجة مش طبيعية.
كان فيه عربية تاكسي بيضا واقفة قدام مدخل البيت القديم، وشوية نسوان من الجيران واقفين في البلكونات بيبصوا وبيتساسروا، وعيال الحارة ملمومين بيتفرجوا.
قلب أسماء اتقبض. سرّعت خطواتها، وأول ما عدت البوابة بتاعة البيت ولقت باب شقتها مفتوح على مصراعيه، سمعت الصوت اللي مكنتش تتمنى تسمعه في كوابيسها
أنا بقولك أهو يا نرجسية، الشقة دي اتدفعت من ډم ابني ومن لحمه ودمه، وإنتي هنا قاعدة تتهني وتنعنشي وتشتري وتبيعي من ورانا؟!
نيفين.
حماتها كانت واقفة في نص الصالة، لابسة عبايتها السودا الټفتا ونضارتها الشمسية شايلاها على راسها، وجنبها واقف مدحت، ابن أختها، شاب صايع وعاطل وشغال بعربية كبوت في الموقف، عينه بتلف في الصالة كأنه بيثمن العفش.
وكريم كان واقف قدامهم، فارغ دراعاته وحابس إخواته ورا ضهره، وعروق رقبته هطق من الڠضب
اخرجيبرة يا ستي ومتقلّيش أدبك على أمي في بيتنا!
بيتك مين يا ابن طارق؟! الشقة دي لولا قرشين التأمين بتوع أبوك المرحوم مكانتش أمك عرفت تشم ريحتها! جايبانا في الخړابة دي ومستخبية وفاكرة إن محدش هيعرف يوصلك؟!
أسماء رمت كيس الخضار على الأرض ودخلت زي اللبؤة