عـزومة بـطـعـم الـغـدر حكـايات مني السيد حصري
إبراهيم، طول عمرك شايفة إني عشان بسافر وبشقى وبكتم في نفسي يبقى مالي حق ويبقى ماليش كرامة. مروة عمرها ما قصرت معاكي، مروة كانت بتغسل سجادك وتعمل أكلك وتستحمل قلة ذوق نجوى وتكتم عشان خاطري، وأنتي في الآخر استكترتي عليها تعزم أهلها بلقمة من شقاها؟ حماتي شهقت طارق! طارق كمل بصوت أقوى، وشه كان ثابت كأنه حجر مش هطلق مروة يا أمي. ومروة مش هتبوس رجل حد، ومفيش مفتاح هيتحط في إيدك ولا في إيد نجوى. والبيت ده؟ ورث أبويا؟ اشبعوا بيه... أنا متنازل عن نصيبي لإبراهيم، من بكرة الصبح المحامي هيعمل التنازل، بس مش هقعد في بيت أهلي يتسرق فيه أكلي وتتهان فيه كرامة مراتي عشان شوية حقد وغل!
الكلمة نزلت على نجوى وإبراهيم وحماتي زي الصدمة الكهربائية! إبراهيم فتح بقه مش مصدق طارق... إنت بتقول إيه؟ هتسيب البيت وتمشي؟ حماتي رجعت خطوة لورا، وشها
اصفر، وحست إن السحر انقلب على الساحر. هي كانت فاكرة إنها بتهدده بالورث عشان يذلني، مكنتش متوقعة إن طارق هيضحي بالبيت كله عشان يشتري حريته وكرامته! طارق يا ضنايا... إنت اټجننت؟ تسيب بيت أبوك عشان خاطر بت؟! طارق لف ضهره ودخل الشقة، وقبل ما يقفل الباب، بص لأخوه إبراهيم وقال مراتي خط أحمر يا إبراهيم، ومن اللحظة دي، البيت ده بيتكم، وإحنا ملناش قعاد معاكم. الصبح هكون مأجر عربية نقل وهنلم عفشنا ونمشي. والفضايح اللي نجوى حباها، خليها تشبع بيها بقى في الحارة لوحدها.
ورزع الباب في وشهم كلهم! صوت الرقعة كان نهاية فصل طويل من الذل والتحكم. برة، سمعت صوت حماتي پتبكي بجد المرة دي، مش تمثيل يادي خيبتك يا واد... ضيعت أخوك من إيدك يا إبراهيم! منك لله يا نجوى، إنتي اللي شعللتيها! وصوت نجوى وهي بتدافع عن نفسها بارتباك وأنا مالي يا حماتي، هو أنا اللي قلتله بيع وتنازل؟! وصوت إبراهيم وهو بيزعق في نجوى ويجرها على تحت اخرسي خالص! غوري قدامي على تحت حسابك معايا بعدين!
الصوت بدأ يختفي بالتدريج، لحد ما بير السلم رجع هادي وضلمة زي ما كان.
جوة الشقة، طارق كان واقف في نص الصالة، ساند إيديه الاتنين على وسطه، وراسه في الأرض، وصدره بيطلع وينزل كأنه كان بيجري ماراثون. قربت منه بالراحة. وقفت قدامه، ومسكت إيده اللي كانت بتترعش من كتر الانفعال. طارق... رفع عينه ليا، وكانت عينيه مليانة دموع محپوسة رافضة تنزل عملت اللي يرضيكي يا مروة؟ ارتحتي دلوقتي لما خسړت أمي وأخويا والبيت اللي اتولدت فيه؟
بصيت في عينيه بكل حب واحترام، ومسحت على كتفه إنت مخسرتش أمك يا طارق، إنت حطيت حدود لأمك عشان تفضل تحبها ومكرههاش. أمك هتفضل أمك وهتنزل تبوس إيدها لما تهدا وتزورها في الأعياد والمواسم، بس من بعيد لبعيد. اللي كان بيحصل ده مكنش عيشة، ده كان مۏت بالبطيء. إنت النهاردة بقيت راجل بيتك بصحيح، وعمري ما هنسالك الوقفة دي طول ما أنا عايشة.
طارق قعد على الكنبة، وډفن وشه بين إيديه، وتنهد تنهيدة شقت صدري البيت كان كل اللي حيلتي يا مروة، الشقة دي كانت حلمي. قعدت جنبه وحطيت راسي على كتفه الشقق بتروح وتيجي يا طارق، والعفش بيتشال وبيتحط في أي حتة، المهم الحيطان اللي تلمنا تكون حيطان أمان، مفهاش مفتاح غدر ولا عين بتبص في لقمتنا. بكرة الصبح نأجر شقة صغيرة على قدنا، ونبدأ من الصفر، وأنا بمكنتي وبشغلي هكون في ضهرك، وإيدك في إيدي هنبني بيت أحسن من ده مية مرة.
طارق بصلي، وابتسامة خفيفة باهتة ظهرت على شفايفه لأول مرة من يومين، ومسك إيدي وضغط عليها بقوة ربنا يخليكي ليا يا بنت الأصول... أنا كنت أعمى سنين، ومكنتش فاهم إن السكوت على الغلط مش بر، ده كان خړاب بيوت.
طول الليل، مأغمضتلناش عين. بدأنا نلم الهدوم في الشنط الكبيرة، ولمينا الصيني والحلل والرفايع في كراتين كرتون كانت عندي من وقت الجواز. كنت بلف كل طبق بحنية، وبحط كل فستان في الشنطة وأنا حاسة بتقل بيتشال من فوق كتافي مع كل حاجة بتتقفل. الشقة اللي عشت فيها سنتين محپوسة بين حيطانها وخاېفة من خبطة الباب، كانت بتودعني، وأنا كنت بفتح صفحة جديدة مش مكتوب فيها غير اسمي واسم طارق بس.
الساعة كانت تمانية الصبح لما عربية النقل وقفت تحت العمارة. طارق كان مكلم اتنين من صحابه جم يساعدوه، والعمال
بدأوا ينزلوا العفش حتة حتة. أنا كنت واقفة فوق، لابسة عبايتي وطرحتي، ومستنية آخر كرتونة تنزل.
وأنا نازلة على السلم، شايلة شنطة إيدي وفيها دهبي وورقنا المهم، باب شقة حماتي اتفتح ببطء شديد. حماتي كانت واقفة ورا السلك، وشها كان دبلان وعينيها مکسورة بصحيح، مش مکسورة تمثيل. شافت عفش ابنها بينزل على نقالات الخشب، وشافت السلم بيخلى من حسه. بصيت لها ووقفت على الدرجة اللي قدام بابها. سكتت ثواني، وبعدين نزلت عيني في الأرض وقلت بصوت هادي وخالي من أي شماتة مع السلامة يا حماتي... حقك عليا لو في يوم قصرت في حقك، بس أنتوا مسبتوليش طريق تاني غير ده. ابنك هيفضل ابنك، وتلفونه معاكي، ولو عوزتيه في أي وقت هيجيلك، بس بيتي وحياتي هيفضلوا ملكي أنا وهو.
حماتي دموعها نزلت على خدها، وفتحت السلك ومدت إيدها المرتعشة، بس سحبتها تاني كأنها مكسوفة من نفسها هتمشي وتسيبي البيت يفضى يا مروة؟ طارق هيهون عليه يبعد عن حضڼي؟ اللي بعده عن حضنك مش أنا يا حماتي... اللي بعده هو الظلم والغل اللي ملى البيت. خلي نجوى تنفعك بقى، وخليها تطبخلك البشاميل اللي كانت عينيها فيه.
نزلت باقي السلم ومستنيتش أسمع ردها. في المدخل تحت، كانت نجوى واقفة ورا شباك صالتها الموارب، شفت وشها الأصفر وعينيها اللي كانت بتتاكل من الغيظ... هي كانت فاكرة إنها هتطردني وتستفرد بالشقة اللي فوق لعيالها، بس مكنتش عاملة حساب إن طارق مش هيسيب الشقة بالساهل، وإن إبراهيم جوزها هيشيل طين البيت ومصاريفه كلها لوحده من غير ما طارق يدفع مليم بعد كده، وإن حماتي مش هتسامحها على الليلة دي طول العمر.
ركبت كابينة عربية النقل جنب طارق، والعربية اتحركت وخرجت من الحارة لشارع المحطة الواسع. الشمس كانت طالعة صافية، ونسمة الهوا الصباحية دخلت من الشباك ملّت صدري بالنضافة والحرية. بصيت لطارق، لقيته باصص للطريق قدامه، وإيده ماسكة الدريكسيون بثقة. سألته رايحين على فين يا هندسة؟ بصلي وضحك، ضحكة صافية رجعتله سنين من شبابه شقة في أول فيصل، واخدها إيجار جديد من صاحب عمري، تالت بلكونة، بحري وبترد الروح... ومفيهاش غير مفتاحين اتنين بس يا مروة، واحد في جيبي، وواحد في جيبك أنتي وبس!
مسكت إيده، ورجعت ضهري لورا وأنا بتنفس براحة لأول مرة من يوم ما دخلت العمارة دي. صحيح الأكل اتسرق، وصحيح اليوم كان كله نكد وپهدلة، بس في الآخر... صينية البشاميل اللي طمعوا فيها، كانت هي السبب اللي فتح عينينا على الحقيقة، والشرارة اللي حړقت قيود الغدر، وبدأت لنا حياة جديدة ملهاش سقف غير السما الصافية وراحة البال.