مقلب في عيد ميـلادي حكـايات مني السيد حصري
المحتويات
يتقالي معزوم في بيت ابن أختي، ويتحط قدامي مشلتت وعسل؟! ده أنا لو دخلت قهوة بلدي كان المعلم عزم عليا بغدا أحسن من كده! وسّع يا واد إنت وهي.. أنا ماليش قعدة في البيت النحس ده!
البيت اتقلب دراما حقيقية. خاله زعل وخارج يخبط بالعصاية، وكوثر بتجري وراه تحلف عليه بالطلاق إنه ما ينزلش وهو جعان، وصفاء بتلم شنطتها وبتنق على البيت وعلى رنا، والعيال بيلعبوا بالفطير وبيزيتوا الصالون الجديد!
وفي عز المعمعة دي، جرس الباب رن تاني. عمر فتح الباب وهو خلاص هينفجر، لقى قدامه راجل لابس يونيفورم بتاع شركة نقل وشحن، ومعاه كرتونة كبيرة هنا شقة الأستاذ عمر؟ عمر بصله بذهول أيوه.. إيه دي؟ طرد واصل باسم المدام رنا، بس هي مش بترد ع التليفون، والراسل دافع الشحن وكاتب يُسلم للزوج باليد.
كوثر شافت الكرتونة، عينيها وسعت طرد؟! تلاقيها الهانم كانت طالبة خزين وأكل وحاجات وخبتها قبل ما تنزل! افتح يا واد الكرتونة دي بسرعة، افتح يمكن فيها اللحوم اللي أمها باعتها لها! الكل اتلم حوالين الكرتونة، حتى خاله إبراهيم وقف يبص من بعيد بفضول. عمر جاب سکينة المطبخ وفتح الكرتونة بإيدين بترجف.. الكل كان مادد رقبته، يتوقعوا فراخ، بط، حلويات، أي مصېبة تسد الجوع.. بس اللي طلع من الكرتونة خلى الصالة تسكت سكووووت تام، كأن ملك المۏت دخل المكان.
الكرتونة كان فيها شواية فحم متنقلة مقفولة بكرتونتها.. كيس فحم عشرة كيلو.. مريلة مطبخ مكتوب عليها بالبنط العريض أنا شيف العيلة النهاردة.. ومعاهم نوتة صغيرة بخط رنا، محطوطة على الوش عشان لما تحب تعزم خمستاشر نفر تاني، متعتمدش على مراتي.. اعتمد على دراعك. الشواية والفحم هدية مني ليك عشان تبدع، والمرة الجاية جهّز اللحمة من جيبك! باي يا عُمر!.
صفاء شهقت شهقة سمعت في الشارع يا لهويييي! دي متكتكة لكل ده! دي لا خالتها عيانة ولا نيلة، دي بتهزأنا يا كوثر! دي باعتالنا شواية ومريلة عشان ابنك يشوي لنا الهوا!
عمر قعد في الأرض في وسط الصالة، بين الفحم، وفتفيت الفطير، والعيال اللي بيتنططوا، وأمه اللي بدأت تصوت وتندب على حظ ابنها وخيبته، وخاله اللي قفل الباب وراه ونزل وهو بيتحسبن.
في نفس التوقيت، في شرم الشيخ.. رنا كانت قاعدة في كافيه مفتوح على الممشى، مشغلة أغاني رايقة في السماعات، وبتطلب كريب نوتيلا بالموز. شافت إشعار من البنك على تليفونها بخصم تمن الشواية والفحم اللي كانت طالباهم دليفري يوصلوا وقت العزومة بالظبط، ابتسمت ابتسامة هادية، رفعت فنجان القهوة ووشوشت لنفسها أحلى ستمية جنيه دفعتها في حياتي.. ودوق بقى يا سي عمر، عشان تعرف إن الله حق، وإن خدمة البيت دي كانت كرم مش فرض!
كانت الشمس بدأت تغرب، والسما اتقلبت برتقالي في دهبي، ورنا كانت حاسة براحة مكنتش حستها من سنين.. بس في نفس الوقت، كانت عارفة إن دي مجرد البداية، وإن الرجوع للقاهرة بعد تلت تيام مش هيكون عادي، ده هيكون مواجهة هتغير قواعد الجوازة دي كلها للأبديتبع
الجزء التالت والأخير
الصمت اللي نزل على صالة فيصل بعد ما خاله إبراهيم رزع الباب وراه كان أتقل من جبل المقطم.
العيال سكتوا فجأة من الخضة، ماسكين أطراف الفطير المشلتت المدهنن، وصفاء واقفة مربعة إيديها وبتبص لعمر كأنه برص مزنوق في ركن، بينما الحاجة كوثر كانت قاعدة على الكنبة بتنهج وصوت صدرها طالع زي وابور الجاز القديم، باصة لمريلة المطبخ وكيس الفحم اللي في نص الصالة.
بقى الهانم.. بنت الأكابر.. باعتالك مريلة وشواية تهزأك بيهم وسط أهلك وناسك يا عمر؟ كوثر نطقت الكلمات وهي بتجز على سنانها، وصوتها بيعلى تدريجي لحد ما بقى صړيخ وإنت قاعد زي اللوح متنح؟ رامينا في الفقر ده، مأكلنا جبنة قديمة وعسل أسود في عزومة عيد ميلادها اللي إحنا متكدرين وجايين لها مخصوص، وهي بتصيّف وبتضحك علينا في التليفونات؟!
عمر مكنش قادر يرفع عينه من الأرض. كرامته مكنتش بس في الأرض، دي كانت ممسوحة بمسطردة التلاجة الفاضية.
قوم يا واد اتصل بيها حالاً! كوثر زعقت وخبطت كف على كف اطلبها وقولها إنتِ طالق بالتلاتة! اللي ميكرمش أهل جوزه ويحطهم فوق راسه ميلزمناش! دي واحدة متسواش بصلة، عايزة تكسر كلمتك وتعمل لك راس براس!
صفاء دخلت على الخط وزادت الطين بلة والله يا خالتي كوثر، لو فضلت على ذمته بعد العملة السودة دي يبقى مفيش في البيت ده راجل! دي قاصدة تصغركم كلكم.. شوف العيال بياكلوا إيه؟ فطير بايت ومحروق، والراجل المحترم نزل ضغطه في الأرض ومشي يسب ويلعن! اتصل بيها يا عمر وسمعنا صوتها وهي بتترجاك!
عمر قعد على الأرض، سند ضهره على ترابيزة السفرة، وبص لأمه وخالته بجمود غريب أول مرة يظهر في ملامحه. شريط الخمس سنين اللي فاتوا كله عدى قدام عينيه في ثواني.
افتكر أول سنة جواز، لما أمه عزمت أربعين واحد في سبوع بنت أخته، ورنا وقفت على رجلها ستاشر ساعة متواصلة في المطبخ، ولما خلصت والناس مشيت، قعدت في زاوية المطبخ تبكي من ۏجع ضهرها، وأمه أول ما خرجت قالت الملح كان قليل في المحشي يا رنا، ابقي
زودي الملح المرة الجاية.
افتكر لما كان بيرجع الفجر من الورشة معاه أصحابه تلاتة الفجر جعانين، يصحيها من أحلى نومة ويقول لها بعين قوية قومي حمري بطاطس واقلي بيض للرجالة يا رنا، وكانت بتقوم من سكات عشان متكسفوش، وتاني يوم تنزل شغلها في الشركة عيونها منفخة من قلة النوم.
افتكر كل عزومة وكل واجب كان بيرميه على كتافها، وافتكر جملته اللي لسه رنانة في ودنه زي قلم سخن أنا قولت لأمي رنا بتعرف توجب وتشيل البيت.
هو مكانش بيوجب، هو كان بيبيع كرمها وتعبها برخص التراب عشان يتقال عليه قدام أهله راجل مسيطر ومراته خدامة تحت رجليهم.
عمر رفع راسه وبص لأمه بصة خلت كوثر تسكت فجأة مش هطلقها يا أمي.
صفاء شهقت نعم يا خويا؟! بعد الڤضيحة دي؟
عمر وقف على حيله، صوته كان هادي بس مليان ۏجع وخزي مش هطلقها، عشان رنا مغلطتش في حرف.. رنا ست البيت اللي شيلتُها فوق طاقتها خمس سنين وكنت فاكر إن ده حقي مكتسب. أنا اللي عزمت خمستاشر نفر من غير ما أسألها، وأنا اللي قولت لها اطبخي في يوم عيد ميلادك، وأنا اللي رميت العزومة ونزلت أفرّج أصحابي في الورشة وممعييش حتى أدفع تمن كيلو لحمة مفرومة!
كوثر وشها احمر من الغيظ ووقفت قصاده إنت بتغلط في أمك عشانها؟ دي رمتك في الڼار قدام خيلانك!
أنا اللي رميت نفسي في الڼار يا أمي لما حبيت أعمل فيها الباشا العازم من جيب غيري وتعب غيري! عمر مسك كيس الفحم وحطه على جنب، وبص لخالته صفاء خدي عيالك يا صفاء، ولمي الليلة دي. الشقة دي مبقاش فيها عزومات خلاص، ومفيش هنا طباخة شغالة ببلاش لحد. اللي عايز يبارك يبارك بكلمة حلوة، واللي جاي عشان بطنه، المطاعم مالية البلد.
صفاء بصت لكوثر بذهول وقالت بقى كده يا ابن أختي؟ بتطردنا عشان
متابعة القراءة