مقلب في عيد ميـلادي حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

إيه ده؟ إنت لسه بهدوم النوم يا خايب؟! فين رنا؟
وراها دخل الجيش.. خاله إبراهيم بجلابيته الصوف وعصايته وكرشه اللي سابقه بمترين، ومراته صفاء اللي عينيها بتلف في زوايا السقف كأنها لجنة تفتيش من الضرائب، وبنات خالتها التلاتة بعيالهم اللي بدأوا يجروا ويزحلقوا بالجوارب على السيراميك، والواد الصغير ابن بنت عمتها دلق كيس شيبسي على سجادة الصالة في أول تلاتين ثانية! يا فتاح يا عليم.. فين رنا يا عمر؟ ما بتستقبلناش ليه؟ دي حتى الشقة ريحتها كمكمة ومفيش ريحة تقلية ولا صواني طالعة من المطبخ! صفاء قالتها وهي بتلوي شفتها وتشمشم بقرف.
عمر كان واقف متسمر، الفانلة الداخلية معووجة وشعره منكوش رنا.. أصل رنا... خاله إبراهيم قعد على الكنبة الوحيدة ورما عصايته على الطرابيزة أصل إيه وفصل إيه؟ ناديها تطلع المية الساقعة بسرعة الأول، الطريق من شبرا لفيصل يقطع الخلف، والميكروباصات زحمة ڼار.. وبعدين فين صينية الرقاق؟ أنا من إمبارح بالليل مانع العشا ومستني البشاميل اللي حلفت لي بيه!
كوثر دخلت المطبخ تفرّغ الأكياس اللي جايباها عشان تروّح فيها ببواقي الأكل، وفجأة الصړخة طلعت من جوة عمرررررررر! إيه ده يا حيلتها؟!
عمر حس إن ركبه خابت، دخل وراها والمطبخ بقى زحمة بصفاء وبناتها اللي اتجمعوا وراهم. كوثر كانت ماسكة برطمان المسطردة بإيد، والتلات ترغفة المحجرين بالإيد التانية، وبتبص في الفريزر اللي بيصفّر ومفيهوش غير قالب تلج قديم فين الفراخ؟ فين اللحمة المفرومة اللي قولت لك عليها؟ دي التلاجة فاضية زي بيت الوقف! مراتك فين يا بني آدم؟!
عمر كان قدامه حل من اتنين يا يعترف إن مراته طفشت وسابته ملطوش قدام أهله وعيلته بسبب بجاحته، يا يخترع مصېبة تغطي على المصېبة دي. وبمنتهى الغباء، اختار التانية رنا.. جالها تليفون الصبح بدري، خالتها في طنطا.. تعبت فجأة ونقلوها العناية المركزة! ف.. فنزلت تجري على محطة القطر عشان تلحقها!
الهدوء ساد المطبخ ثانية واحدة، بس صفاء بذكائها الحړبي بصت له بشك خالتها نادية؟ دي لسه منزلة ستوري على الواتساب من ساعة بتسقي زرع البلكونة وكاتبة صباح الورد!
عمر اتزنق في زاوية التلاجة، وشه احمر وعرق ساقع نزل على قفاه لا! مش نادية.. خالتها التانية.. فايزة.. اللي مبتتعاملش مع حد، دي مستخبية هناك في الأرياف! المهم هي سابت لي الفلوس وقالت لي انزل هات أكل جاهز من برة أول ما يوصلوا عشان ملحقتش تعمل حاجة!
خالته صفاء ضړبت على صدرها أكل جاهز؟! إحنا جايين من شبرا لفيصل في الحر عشان ناكل من الشارع؟! ده إحنا قايلين هناكل أكل بيتي نمرة واحد! خاله إبراهيم سمع الحوار ومد راسه من الصالة وهو متعصب جاهز جاهز، المهم ناكل! بطني بتصوصو، اطلب لنا نص خروف من عند الحاتي اللي ع أول الشارع ولا هات لنا عشرين وجبة كباب وكفتة وحمام محشي! ما هي مش هتقل عن كده!
عمر طلع تليفونه وإيده بتترعش، فتح تطبيق البنك يشوف الرصيد.. الصدمة التانية نزلت زي الدبش على دماغه الحساب فيه ستمية وتلاتين جنيه بس! رنا كانت محولة فلوس الجمعية ومصروف البيت اللي بيحطه أول الشهر في حسابها هي بحكم إنها اللي بتدير البيت، وسابت له في حسابه فتافيت! عشرين وجبة كباب وحمام محشي؟! ده يبيع كليته عشان يدفع تمنهم بالأسعار دي!
في نفس اللحظة، على بعد مئات الكيلومترات، في خليج نعمة.. كانت رنا لابسة فستان صيفي أبيض واسع، ونضارة شمس شيك، وقاعدة على شزلونج قدام البحر، في
إيدها عصير مانجا مثلج، وريحة اليود والنسيم بتداعب وشها. طلعت التليفون، كانت قافلة الشريحة الأساسية، بس مشغلة الواي فاي بتاع الأوتيل. فتحت الشات، لقت ندى زميلتها باعتة لها عملتي إيه يا مچنونة؟! طمنيني وصلتي؟. رنا صورت لها البحر ورجليها في الرملة وكتبت وصلت الجنة يا بنتي.. وعمر زمانه بيستمتع بعيد ميلادي مع خاله إبراهيم دلوقتي في فيصل.. ربنا يقدره على فعل الخير!. قفلت الموبايل، وغمضت عينيها، وطلبت من الويتر ينزل لها ساندوتش جمبري مشوي.. لأول مرة من خمس سنين تحس إنها بتتنفس من غير ما تحسب حساب غسيل الأطباق ولا مين زعلان ومين راضي.
نرجع لچحيم فيصل.. الساعة بقت تلاتة العصر، والعيال في الصالة بدأوا يتخانقوا، واحد كسر أباجورة صغيرة، والتاني دخل الحمام وغرق الأرض مية. خاله إبراهيم كان وشه جاب ألوان من هبوط السكر يا عمر يا ابني، هناكل إمتى؟ أنا لو فضلت كده هطب ساكت عندك هنا! كوثر بصت لابنها پغضب ما تطلب الأكل يا زفت مستني إيه؟! وإلا انزل هاته بنفسك!
عمر اضطر ينزل، قال لهم نازل أجيب الأكل بنفسي عشان الدليفري هيتأخر، ربع ساعة وجاي!
نزل السلم بيجري وهو بيكلم صحابه في التليفون ألو.. مصطفى؟ إلحقني بألفين جنيه سلف حالا، أي حاجة، محتاجهم ضروري.. ألو؟ يا عم أنا على الحديدة ومستني الجمعية تقبض.. قفل واتصل بزميله في ورشة العربيات سيد.. معاك أي فلوس في المحفظة؟ معيش غير ميتين جنيه يا عمر، والدنيا واقفة زي ما إنت شايف.
عمر وقف في الشارع يلطم في سره. الحل الوحيد كان محفظة خاله إبراهيم أو أمه، بس لو طلب منهم، أمه هتفضحه في العيلة وتقول إن مراته مشيّاه على عجين ملخبط ومجوعاه، وخاله هيعايره لآخر العمر. بص حواليه لقى محل كشړي كبير في الشارع العمومي، وجنبه محل فول وفلافل، ومحل فطاطري بلدي على قده. دخل الفطاطري ووقف يفرك إيديه بقولك إيه يا أسطى.. الستمية جنيه دول يعملوا لي إيه يشبّع خمستاشر بني آدم؟ الراجل بصله من فوق لتحت باستغراب خمستاشر نفر بستمية جنيه؟! في سنة عشرين ستة وعشرين يا أستاذ؟! دول يدوبك يجيبوا لك تلت فطاير مشلتت سادة، وعلبتين عسل أسود وجبنة قديمة.. وتروح تكمل عليهم عيش وبتاو من بيتكم!
عمر غمض عينه بحسرة اعملهم يا أسطى.. كتر الجبنة القديمة والعسل والنبي عشان يغمسوا ويشبعوا، ولفهم كويس!
بعد نص ساعة، عمر كان طالع السلم بينهج، شايل التلات فطاير وعلب الجبنة والعسل في أكياس بلاستيك، ومستخبي بيهم كأنه شايل مصېبة. أول ما فتح الباب، الريحة بتاعة المشلتت فاحت. خاله إبراهيم رفع عينه من التلفزيون إيه ده؟ الريحة مش ريحة شوي خالص.. إنت جايب إيه يا عمر؟ عمر دخل الصالة، حط العلب على السفرة برعشة، وقال بصوت مهزوز بيحاول يخليه حماسي ق.. قولت أغير لكم الجو! أكل بيتي فلاحي أصيل.. فطير مشلتت بسمنة بلدي مع عسل نحل وجبنة قديمة مخدومة! قولت نرجع لأيام زمان وخيرات الريف!
صفاء وقفت وتنحت في الأكياس فطير وجبنة حادقة؟! إنت جايب لراجل عنده الضغط والسكر جبنة قديمة وعسل أسود يا عمر؟! دي وجبة عزومة دي؟! فين اللحمة وفين التورتة اللي قولنا عليها؟! كوثر اټصدمت، ضړبت بإيدها على صدرها فطير يا عمر؟! مريم.. قصدي رنا، رنا هي اللي وزتك على كده؟! دي بخلت علينا بالأكل وجريت لطنطا وسابتك تذلنا باللقمة دي؟! العيال هجموا على الفطير من الجوع، قطعوه وفتفتوه في كل حتة، وخاله إبراهيم بصلهم
بقرف، مسك عصايته وقام أنا راجل
تم نسخ الرابط