مقلب في عيد ميـلادي حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

حكايات مني السيد حصري 
الجزء الاول 
يعني إيه ننزل نتعشى أنا وأنتِ برة؟ ما تستهبليش يا رنا، أنا خلاص عزمت خمستاشر واحد من العيلة عندنا في البيت عشان عيد ميلادك. اطبخي لنا بقى كلمتين حلوين كده على ذوقك ونلم الشمل مع الأهل!
ليفة المواعين والرغوة اتجمدوا بين صوابع رنا في الحوض.
أخدت ثانيتين تستوعب إن عمر ما بيهزرش.
هما عايشين في شقة إيجار أوضتين وصالة في فيصل. المطبخ قد علبة الكبريت؛ لو فتحت باب التلاجة للآخر تقفل الطرقة كلها. والصالة يدوب شايلة كنبة، وترابيزة سفرة أربع كراسي، وتربيزة التلفزيون.
وعمر بكل بساطة جاي يقول لها إن خمستاشر نفر من عيلته هيهلّوا عليهم يوم السبت!
خمستاشر؟ رنا سألت بهدوء يخوّف.
أه.. ويمكن ستاشر لو خطيب بنت عمتي جه معاهم.
عمر فتح التلاجة، طلّع كانز بيبسي، وكمل كلامه وكأنه بيوزع بوفيه في قاعة أفراح
أمي قالت لي خففي على نفسك ورنا تعمل مكرونة بشاميل، وفراخ بانيه، وصينية رقاق باللحمة، وسلطات.. وشوية جلاش بالجبنة. أه، وخالي إبراهيم ھيموت على الحواوشي البيتي من إيدك.
رنا بصت له وتنّحت
ده عيد ميلادي أنا يا عمر!
ما هو عشان كده بالظبط! الكل جاي يفرح بيكي ويحتفل!
يحتفل بيا ولا جايين يطفحوا؟
عمر ضربها بضحكة مستفزة
يا رنا بلاش شغل النكد ده.. دول أهلي، عيلتي!
بالنسبة لعمر، كلمة أهلي دي كانت زي التعويذة السحرية اللي بتحوّل رنا في ثانية لطباخة، وشغالة، ومتر مسرح.
ومين اللي هينزل يجيب الطلبات دي كلها؟
إنتِ أدرى بقى بطلبات مطبخك. أنا الجمعة خارج متأخر من ورشة العربيات ومش فاضي.
طلّع تليفونه وزاد الطين بلّة
صحيح، أمي فكرتني أقول لك كتّري اللحمة عشان خالي إبراهيم إيده فرطة في الأكل وبياكل بنهم.
رنا أخدت نفس طويل وهديت.
سنين وهي بتغلط نفس الغلطة تزعق، تتنرفز، وفي الآخر تشيل الليلة وتصلح كل حاجة.
كل ما عمر يطب بصحابه فجأة على غفلة، تقف تقلي وتعمل عشا.
كل ما حماتها ترن وتقول إحنا في الطريق، تجري رنا على السوبر ماركت وتملى البيت.
عمر رسخ في دماغه إن الأكل بينزل من السما، والمواعين بتغسل نفسها بالسحر، وإن عزومة خمستاشر بني آدم ما هي إلا جملة واحدة يقولها مراتي ست بيت وشاطرة وهتتصرّف.
المرة دي رنا ابتسمت ببرود
ماشي يا حبيبي.. سيب كل حاجة عليا، أنا هتصرف في العزومة دي من الألف للياء.
عمر باسها من راسها وهو مقتنع إنه سيطر
كنت متأكد إنك عاقلة ومش هتعملي دراما! ده أنا لسه قايل لأمي رنا دي ست بيت أصيلة وبتعرف توجّب وتشيل البيت.
الجملة دي بالذات كانت نقطة الصفر.. القرار اللي مفيش فيه رجعة.
تاني يوم في الشغل، وقت البريك، رنا فتحت اللاب توب.
زميلتها ندى لمحت صور بحر وشاليهات وشمس على الشاشة
إيه ده؟ بتهربي من نكد عيد ميلادك ولا إيه؟
رنا ضحكت
بالظبط كده.
بعدها بساعتين كانت حاكزا تلات ليالي في فندق على البحر في شرم الشيخ.
يوم الجمعة بالليل، عمر رجع البيت ومعاه ورقة بخط إيد أمه
اتنين كيلو لحمة مفرومة، تلات فرخات بانيه، لبن، جلاش، سمنة بلدي، خضار مشكل، كانزات بيبسي، تورتة، وفاكهة...
ليستة تموين تفتح مطعم كبابجي.
هتنزلي تجيبي الطلبات دلوقتي؟ سألها وهو بيقلع جزمته.
أه طبعاً، نازلة حالا.
نزلت رنا.
اشترت صن بلوك، شاور جل حجم صغير للسفر، نضارة شمس، مقرمشات وشيبسي للطريق، ومجلة تسلّي بيها نفسها في الطيارة.
ولا فتفوتة زيادة.
بالليل، دست شنطة السفر الصغيرة ورا الكراتين اللي في قعر الدولاب من غير ما يحس.
يوم السبت، عمر كان غرقان في سابع نومة وشخيره مالي البيت لما رنا اتسحبت من جنبه على الساعة ستة الصبح.
قبل ما تقفل الباب
وراها، طلعت قلم فلوماستر فوشيا وكتبت ورقة.
لزقت الورقة على باب التلاجة بمغناطيس على شكل قرن فلفل أحمر كانت حماتها الحاجة كوثر جايباه لهم السنة اللي فاتت هدية للمطبخ.
طلبت أوبر من الموبايل.
على تمانية وتلت كانت في مطار القاهرة.
وعلى عشرة ونص، وعمر لسه نايم متقلب في السرير، كانت رنا ساندة راسها على شباك الطيارة وبتتفرج على مية البحر الأحمر الفيروزية وهي بتلمع تحت السحاب.
صحى عمر على الساعة حداشر الظهر.
مفيش صوت حلل بتخبط.
مفيش ريحة بصل بيتحمر ولا بشاميل في الفرن.
مفيش رنا بتلف حوالين نفسها وبتجري في الشقة.
رنا؟ يا رنوش؟
سكوت تااام.
قال لنفسه تلاقيها بتجيب العيش ولا بتخلص حاجة من السوق.
دخل الحمام براحته، عمل لنفسه كوباية نسكافيه، وقعد مبلم قدام التلفزيون.
على الساعة اتنين الضهر، بطنه بدأت تقرص عليه من الجوع.
قام دخل المطبخ يعمل له أي سندوتش يسند بيه نفسه لحد ما الأكل يجهز.
فتح باب التلاجة.
لقى نص ليمونة ناشفة، برطمان مسطردة فاضل فيه لحسة، تلات ترغفة عيش بايتين ومحجرين، وإزازة مية مشبرة.
وهنا عينه وقعت على الورقة الفوشيا الملزوقة بمغناطيس أمه.
بدأ يقرا..
ملامح وشه نزلت في رجليه، ولونه اتخطف.
وقبل ما يستوعب آخر سطر في الورقة، الباب اترزع رزع عڼيف هز الشقة كلها ورنّ في عمارة فيصل بحالها
يا عوووومر! افتح يا واد! إحنا وصلنا وجبنا العيال كلها وجينا!
صوت الحاجة كوثر..
وراها زفة أصوات، دوشة، وضحك، وعيال بتجري وتصرخ على السلم فين التورتة وفين طنط رنا؟!
عمر بص تاني للورقة اللي في إيده..
وبص لباب الشقة اللي هيتخلع من الرزع..
وفهم إن أحلك وأسود كابوس في حياته هيبدأ حالاً.. والمصېبة الأكبر إن العيد ميلاد أصلاً مش عيده!
الجزء التاني
الورقة الفوشيا كانت بتهتز في إيد عمر كأنها شحنة كهربا، والخط كان واضح، مرسوم على مهل وبنفس هادي يفرس صباح الخير يا عمر.. بما إنك قررت تعزمني على شرف أهلك، وبما إنك قولت لي يا حبيبي إني ست بيت شاطرة وبتصرف، فأنا قررت أسيب لك الساحة كلها تبدع وتفرّج أمك أصول الضيافة.. التلاجة فيها مسطردة عشان تمشي بيها بطنك، وعيش ناشف ممكن تبله في مية وتسنده، وليمونة تبل بيها ريقك.. أنا طايرة على شرم الشيخ، تلت تيام بحر وشمس ومساج على حساب مرتبي اللي كنت ناسي إني بقبضه.. كل سنة وأنا طيبة، وسلّم لي على خالي إبراهيم وقوله البانيه اتلغى.. متتصلش بيا عشان الخط مقفول.
الخبط على الباب اتحول من رزع عادي لخبط إيدين ورجلين سوا. صوت الحاجة كوثر كان بيشرخ الصمت يا عمر! إنت نمت تاني يا ابني؟ افتح إحنا متشعلقين ع السلم بريحة عيالنا، وخالك إبراهيم ضغطه واطي وعايز ياكل لقمة قبل ما ياخد دوا السكر!
عمر ريقه نشف، بَص للورقة وبص لباب المطبخ، عقله عجز تماماً عن استيعاب إن رنا عملتها بجد. رنا الهادية، اللي كانت بتكتم وتلم الليلة وتبتسم قدام أهله مهما داسوا عليها، رمت القنبلة وطارت بطيارة! جرى على أوضة النوم، فتح الدولاب پجنون.. هدومها بتاعة الصيف مش موجودة، شنطة الضهر البرتقاني اختفت، حتى الصنادل اللي كانت بتفرش بيها الرف مش موجودة.. البت هربت بجد!
الرزع زاد وصوت كركبة شنط برة. طار على الباب بإيدين بتترعش، لف المفتاح وهو بيبلع ريقه المر، ووارب الباب سنتيمترين أ.. أهلاً يا ماما.. ثانية واحدة بس عشان...
الباب اتفتح في وشه بقوة دفع نسائية جبارة. الحاجة كوثر، بطرحتها التل وعبايتها الكحلي المطرزة، دخلت زي الإعصار ومعاها أكياس سودا فيها حلل فاضية ثانية إيه يا واد إنت موارر الباب في وشنا
ليه؟ وسّع كده وسّع..

تم نسخ الرابط