كرامه بنت الاصول حكايات منــال عـلـي
مع مراتك ضد أخوك الوحيد؟
رد عليه أحمد بثبات وقال
أنا مع الحق يا إبراهيم والحق ما يزعلش حد. لما سلفتها الكبيرة كانت هنا، كانوا إيد واحدة دي تطبخ ودي تنضف، دي تتعب ودي تشيل، وعمرنا ما سمعنا حسهم في العمارة. لما إنت اتجوزت، شيماء قالت من أول أسبوع أنا ماليش دعوة ببيت العيلة ولا هنزل أخدم. ومريم قالت لها براحتك يا حبيبتي كل واحد على راحته. محدش أجبرها على حاجة ولا حد زعل منها. إيه بقى اللي يخلي شيماء النهاردة تتدخل في نزول مريم ولا قعادها في شقتها؟ إيه اللي يخليها تتنطط عليها؟
إبراهيم سكت لحظة، وبص لمراته شيماء پغضب مكتوم وريب، وكأنه بدأ يفهم إن الصورة اللي شيماء نقلتّهاله فوق في الشقة كانت ناقصة ومتحورة عشان تولع الدنيا بين الأخوات.
شيماء حسّت إن البساط بيتسحب من تحت رجلها، ولجلجت في الكلام وقالت
أنا أنا كنت فاكرة إن طالما مريم بتنزل كل جمعة، تبقى هي المسؤولة عن المطبخ وتنضيف السلم والمكان، فقلت أفكّرها عادي!
رديت عليها بمنتهى الثقة وأنا حاطة إيدي في إيد جوزي
لأ يا شيماء أنا مش مسؤولة عن حد، ولا خدامة عند حد. أنا كنت بنزل أخدم حماتي وحمايا لأنهم في مقام أمي وأبويا ولأنهم كبار في السن، وكنت بعمل ده بحب وطيب خاطر. ما كنتش بنزل أخدمك إنتي ولا أعملك أكلك وتنضيفك وتيجي تقعدي على الجاهز وتحاسبيني!
وفي وسط الصهد والكلام الشديد ده، سمعنا صوت خطوات عصايا بتمشي على
السلم ببطء وثقل
عصايا الخشب بتاعة الحاج حمايا.
الراجل الكبير اللي نادرًا لما يتدخل في مشاكل الحريم، ولا بيحب ينزل من شقته في وقت متأخر.
كان ماسك عصايته ونازل على السلم ببطء، وحماتي ماشية جنبه ومسكاه وبتبص للأرض من الخجل.
أول ما شفنا الحاج، الكل سكت وتمسح الكلام من الشفايف.
وقف الحاج على باب الشقة، وبص لإبراهيم، وبعدين بص لأحمد، ورجع بص لشيماء وليا.
قح قحة خفيفة هزت المكان، وقال بصوت هادي بس فيه هيبة تخلي الكبير والصغير يقف انتباه
حكايات منال علي
إيه الضجة دي اللي واصلة لحد الشارع؟ إنتوا كبرتوا في السن ولا صغرتوا في العقل؟ أخوات بيزعقوا في وش بعض في أنصاص الليالي عشان كلام حريم؟
إبراهيم نزل رسه للأرض وقال
يا أبا الموضوع بس إن
الحاج رفع عصايته حتة صغيرة وقال بصرامة
اسكت يا إبراهيم! ما تنطقش ولا كلمة!
وبعدين الټفت لحماتي وقال لها بصوت زعلان
إنتي السبب يا أم أحمد إنتي اللي سيبتي الدنيا تسيح على بعضها من الأول، ولما مريم كانت بتشيل وتتعب كنتي فاكرة إن ده حق مكتسب، لحد ما الولاد قعدوا يتخانقوا ويشتموا بعض عشان مين يمسح ومين يطبخ!
حماتي نكست رأسها وما قدرتش ترد بكلمة واحدة.
الحاج الټفت ليا، وبصلي بنظرة حنونة جداً أب حقيقي بيصالح بنته، وقال
تعالي يا مريم يا بنتي قربي.
قربت منه ونزلت راسي احتراماً له وتقديراً لكبر سنه.
الحاج حط إيده الداقية على رأسي وقال بحنية
إنتي بنت أصول يا مريم، وعمرك ما قصرتي معانا في حاجة. تسع سنين شيلتينا فوق رأسك من غير ما نسمع منك كلمة عيب ولا تأفف. حقك عليا أنا يا بنتي إذا كان حد ضايقك ولا حسسك إن تعبك وطيبتك دول فرض عليكي ولا إنك خدامة في البيت ده.
دموعي نزلت ڠصب عني وسالت على خدي كلام الراجل الكبير ده وموقفه مسح كل الۏجع والمرارة اللي حسيت بيهم من يوم الخناقة.
كمل الحاج كلامه وبص لإبراهيم وشيماء بصوت صلب وقاطع
سمعوني كلكم البيت ده بيت عيلة، يعني بيت الأدب والاحترام والواجب. من النهاردة، محدش من الكبار ولا الصغيرين ينزل تحت يعتب شقتي
عشان ينضف ولا يطبخ. أنا وأمكم هنجيب ست تدخلوها تنضف لنا الشقة والسلم كل أسبوع وتاخد أجرها، والأكل هيجيلنا جاهز أو نعمل على قدنا.
سكت شوية وبص لشيماء بحدية وقال لها حكايات منال علي
وإنتي يا شيماء يا بنتي طالما اخترتي من أول يوم إنك مالكيش دعوة بنظام بيت العيلة ولا بحد، يبقى تقعدي في شقتك معززة مكرمة. تنزلي تسلمي عليا وعلى أم أحمد وتطلعي. مالكيش دعوة بمريم نزلّت ولا ما نزلّتِش، طبخت ولا ما طبختش، ولا ليكي دعوة بمين نضف ومين مسح!
وبعدين بص لإبراهيم وقال له بعين حمرة
خد مرتك واطلعوا على شقتكم، وما أسمعش صوت حد فيكم تاني النهاردة! وإياك أشوفك رافع صوتك على أخوك الكبير تاني!
إبراهيم هز رأسه بخجل، وبص لأحمد بصة اعتذار وقال بصوت واطي
حقك عليا يا أحمد حقك عليا يا أخويا. حكايات منال علي
أحمد طبطب على كتف إبراهيم وقال له
حصل خير يا إبراهيم المهم كل واحد يعرف حدوده ومراته تحترم التانية.
طلعت شيماء وإبراهيم على شقتهم وسكوتهم يسبقهم، والحاج بص لأحمد وليا وقال ابتسامة خفيفة
خد مرتك وادخلوا شقتكم يا أحمد، وربنا يهدّي سركم يا ولادي.
بعد ما نزل الحاج وحماتي، قفلنا باب الشقة. متوفره على روايات واقتباسات
الصالة كانت هادية وساكنة، وصوت النبض جوايا بدأ يهدى.
قعدت على الكنبة وأنا حاسة بإرهاق شديد كأني كنت في معركة حرب، بس جوايا راحة ونظافة بال عمري ما حسيت بيهم من سنين طويلة.
راحة إن كرامتي أتردت لي، وإن جوزي وقف في ضهري راجل جدع، وإن الحدود بين كل الناس اتحددت بوضوح ومن غير ما أكون ظلمت حد ولا اتظلمت.
أحمد قعد جنبي، ومسك إيدي بين إيديه وقال بحنان
تعبتي يا مريم؟
ابتسمت له من كل قلبي وقلت له
التعب بيروح يا أحمد لما تحس إنك مقدّر، وأن أصلك وطيبتك ما اتفهموش غلط على إنهم ضعف أو استكانة.
مسك إيدي وباسها وقال لي
من النهاردة كل حاجة اتغيرت خلاص. محدش هييجي على حقك، ولا إنتي هتيجي على صحتك ونفسيتك عشان ترضي حد. اللي هيتعمل بعد كده هيتعمل بالود والرضا والجميلة، ومش بالڠصب ولا بالفرض.
ومن اليوم ده حياتي اتغيرت تماماً في بيت العيلة.
شيماء بقت في حالها وشقتها، وأنا في حالي وشقتي، والسلم بقت بتيجي ست تنضفه وتطهره كل أسبوع.
بقيت أنزل لحماتي وحمايا لما أكون عايزة بنفسي ورغبتي، أعملهم اللقمة الحلوة بحب، أنضف لهم شقتهم من نفسي وأنا مبسوطة لأنها بقت بجميل مني ومش فرض عليا ولا واجب أكراه.
وحماتي بقت تشيلني من على الأرض شيل، وكل ما تشوفني طالعة ولا نازلة تدعيلي وتقول لي قدام الكل
ربنا يبارك لي فيكي يا مريم يا بنت الأصول إنتي البركة الحقيقية بتاعة البيت ده.
واتعلمت من الدرس ده إن السكوت على الحق والسكوت على قلة التقدير مش أدب ولا أصل وأحيانًا لازم تحط حدود صريحة عشان تحافظ على كرامتك، وعلى الحب والصحبة اللي بينك وبين الناس.
تمت