رواية كاملة

لمحة نيوز

بس ندى جوه من نص ساعة، الدكاترة رافضين يدخلوني ولسه مخرجوش يطمنونا.
في اللحظة دي، أم ندى قربت وهي بتعيط وسألته إيه اللي حصل يا أحمد؟ البنت كانت سايباني الصبح زي الفل ومفيهاش الهوا، إيه اللي وداها عندك ولا نزلت ليه أصلًا؟
أحمد بص لحماته باستغراب، وسكت لحظة كأنه بيفتكر، وبعدين قال بنبرة مشوشة ندى اتصلت بيا الصبح بدري، كانت منهارة في التليفون وبتقولي لازم أشوفك حالًا في موضوع يخص بابا وفلوسه، وطلبت مني أستناها عند محطة الرمل بعيد عن البيت خالص. روحت قابلتها، لقيتها شايلة شنطة جلد تقيلة في إيدها وشكلها مرعوب وبتتلفت وراها زي ما تكون حد بيطاردها. أول ما ركبت معايا العربية، حاولت أسألها في إيه ومالك، مرضيتش تنطق بحرف، وكل اللي كانت بتقولهولي اطلع بالعربية بسرعة يا أحمد، خدني على شقتك أو حط الشنطة دي عندك في البيت واوعى تفتحها لحد ما أقولك!
أول ما أحمد نطق الجملة دي، أنا بصيت لأم ندى نظرة سم، والست وطت راسها في الأرض وشهقت، مكنتش قادرة تبص في وشي. أحمد كمل وهو مش فاهم نظراتنا لبعض لسه بسألها الشنطة دي فيها إيه وليه نوديها بيتنا، لقيت وشها اصفر فجأة وعينيها قلبت لفوق، ووقعت في الكرسي اللي جنبي وبدأت تنزف، اتخضيت ومحستش بنفسي غير وأنا طاير بيها على هنا. والشنطة لسه في شنطة عربيتي تحت قدام المستشفى!
حسيت بدمي بيفور. يعني البنت كانت بتنفذ خطة أبوها بالحرف! كانت ناوية تلبس ابني المصيبة وتحط الشنطة اللي فيها الدهب والورق المسروق في بيت ابني، عشان تبعد الشبهة عن بيتهم وتخلي أحمد هو اللي في المدفع قدام الناس اللي مابيرحموش!
كنت لسه هفتح بؤي وأصرخ وأكشف كل حاجة لأحمد، لكن باب الطوارئ اتفتح فجأة وخرج الدكتور وهو بيقلع الجوانتي من إيده وملامحه جد ومشدودة مين أهل الحالة ندى إبراهيم؟
جريت أم ندى عليه بلهفة أنا أمها يا دكتور، طمني والنبي بنتي مالها؟ عاشت؟
الدكتور اتنهد تنهيدة تقيلة وقال الحمد لله لحقناها، ضغطها كان واصل لمستوى خطير جداً عمل نزيف حاد، ده غير هبوط حاد في الدورة الدموية ناتج عن توتر عصبي غير طبيعي وامتناع عن الأكل بقالها كذا يوم. إحنا علقنالها محاليل ووقفنا النزيف، بس المريضة مش مستحملة أي ضغط نفسي، لو كانت اتأخرت ربع ساعة كمان كانت دخلت في جلطة لا قدر الله. هي فاقت دلوقتي وبتقدر تتكلم، بس بلاش أي شحن أعصاب عشان تفضل مستقرة.
الدكتور مشي، وأحمد اتنفس براحة كأنه كان شايل جبل على كتافه، وبصلي وقال الحمد لله يا رب.. الحمد لله إنها بخير. هندخل نطمن عليها يا ماما، وبعدين نفهم حكاية الشنطة دي إيه، عشان أنا مش مرتاح من الصبح.
بصيت لأم ندى وقولت بصوت واطي بس حاد زي السيف إحنا هندخل سوا، بس الشنطة دي حسابها بعدين، ولما تخرجوا بالسلامة لكل حادث حديث.
دخلنا الأوضة، كانت ندى نايمة على السرير، وشها أبيض زي الشمع والمحاليل متعلقة في دراعها. أول ما شافت أمها، عنيها دمعت، ولما شافتني داخلة ورا أحمد، حسيت بجسمها كله اتشنج وسحبت الملاية عليها كأنها عايزة تستخبى من الدنيا كلها.
أحمد قرب منها ومسك
إيدها بحنية ألف سلامة عليكي يا ندى.. خضتيني عليكي يا شيخة، إيه اللي وصلك لكده بس؟
ندى بصت لأحمد بكسرة وندم حقيقي، وبعدين بصت لأمها اللي كانت واقفة تبكي، وفي الآخر عينيها جت في عيني. النظرة اللي في عينيها مكنتش نظرة واحدة خبيثة ولا واحدة بتدبر مصيبة، كانت نظرة بنت صغيرة تايهة ومغلوبة على أمرها وخايفة تضيع.
ندى اتكلمت بصوت واضعف من الهمس سامحني يا أحمد.. سامحني والنبي يا طنط.
أحمد استغرب وبصلي وبصلها أسامحك على إيه يا بنتي؟ إنتِ عيانة ومحدش زعلان منك، فهميني بس في إيه ومالك؟ ومين اللي كان موترك كده؟ والشنطة اللي في العربية دي بتاعة مين؟
ندى غمضت عينيها والدموع نزلت سيول على خدودها، وقالت بصوت متقطع الشنطة دي خراب بيوت يا أحمد.. الشنطة دي نار، وأنا كنت هحرقك بيها عشان أنقذ نفسي وأنقذ أبويا.
أحمد اتنطر من مكانه وبص لأمه وبصلها بذهول نار إيه وخراب إيه؟! حد يفهمني في إيه في البيت ده من إمبارح للنهاردة؟!
هنا مقدرتش أسكت، وقفت جنب السرير وبصيت لأحمد وقولت بحسم اسمع يا أحمد.. جه الوقت اللي تعرف فيه الحقيقة كلها من غير لف ولا دوران. خطيبتك وأهلها واقعين في ورطة سودة بسبب أبوها، أبوها هربان وسايب عليهم ديون وبلطجية، وسارق أوراق ودهب من ناس كبار ومخبيهم عندهم في البيت. والبيت اللي روحناه إمبارح مكنش مكركب عشان هما مهملين، كان مهدود عشان البلطجية هجموا عليهم وقلبوه! وأمها كانت خايفة تشوف الشنطة دي في المطبخ عشان ماتعرفش الكارثة، والنهاردة أبوها اتصل بالبنت وخلاها تجيب الشنطة دي عندك، عشان لو الناس دي طبوا، يطبوا عليك إنت، وتلبس إنت القضية وتضيع مستقبلك وشغلك!
أحمد رجع خطوتين لورا، ملامحه اتجمدت ووشه احمر بطريقة ترعب، وبص لندى وهو مش مصدق ودانه الكلام ده حقيقي يا ندى؟ إنتِ كنتِ جايبالي الشنطة عشان تلبسيني مصيبة أبوكي؟! أنا اللي وثقت فيكي وكنت بجهز شقتنا سوا؟!
ندى انهارت تمامًا وقعدت تصرخ وتبكي بهستيريا، والممرضة دخلت تجري تهديها، بس ندى زقتها وقالت وهي بتشهق لا والله العظيم ما كنت هسيبك تتأذى! والله العظيم يا أحمد أبويا هددني.. أبويا اتصل بيا الصبح وقالي لو مخرجتيش الشنطة دي من البيت وحطيتيها في عربية أحمد، الناس هيدخلوا يدبحوا أمك ويدبحوكي، وقالي أحمد مهندس ومحدش هيشك في عربيته ولا هيفتش وراه، وساعة واحدة والراجل صاحب الحاجة هياخدها منه في الشارع وخلاص! بكت بحرقة وكملت أنا من خوفي على أمي خدت الشنطة وجريت، بس أول ما ركبت جنبك وشوفت خوفك عليا وسؤالك الحنين، حسيت إني حقيرة.. حسيت إني ببيع الإنسان الوحيد اللي وقف جنبي وحبني عشان راجل رمانا وهرب ومسألش فينا! مقدرتش أنطق، مقدرتش أقولك خبيها عندك، وجالي نزيف من كتر الرعب والذنب ووقعت بين إيديك! أنا استاهل الحرق يا أحمد.. ارميني في الشارع وبلغ عني البوليس، بس أمي ملهاش ذنب، أمي كانت بتموت من الرعب زيي!
الأوضة كلها سكتت، ومبقاش مسموع غير صوت شهقات ندى وبكا أمها اللي قعدت على الأرض في زاوية الأوضة حاطة راسها بين ركبها.
أحمد فضل باصص لندى بنظرة عمري ما شوفتها في عينه قبل كده.. نظرة خيبة أمل ممتزجة بصدمة ووجع يقطع القلب. الراجل لما ينكسر من أقرب حد ليه بيبقى أصعب من الموت. طلع مفاتيح عربيته من جيبه، وحطها على الترابيزة جنب السرير، وبص لأم ندى وقال بصوت هادي بشكل يخوف الشنطة دي هتنزل من عربيتي دلوقتي حالًا. مش هتفضل دقيقة واحدة فيها.
أم ندى رفعت راسها برعب وقالت والناس اللي بره يا ابني؟ دول لو عرفوا إنها معانا هيقتلونا!
أحمد مسح وشه بإيده الاتنين، وأخد نفس عميق، وظهر فيه معدن ابني اللي ربيته عليه.. الشهامة والأصل حتى مع اللي جرحوه. بص
تم نسخ الرابط