رواية كاملة
حكايات مني السيد حصري
كنت عند أمي، رايحة أشرب معاها الشاي زي ما بعمل كل كام يوم، لكن أول ما دخلت البيت حسيت إن في حاجة مش طبيعية... أمي كانت قاعدة ساكتة، وشكلها متغير، ولما قربت منها لقيتها متضايقة جدًا. وعينيها حمرا من العياط ومبلمة في الأرض. جهاز الضغط مرمي جنبها على الكومودينو، والشريط مفرود كأنها لسه قايساه حالا.
جريت عليها وأنا قلبي هيقف من الخضة مالك يا أمي؟ في إيه يا حبيبتي حاسة بإيه؟ الضغط عالي تاني ولا إيه؟.
أمي رفعت وشها وبصتلي، شفت في عينيها كمية قهرة تكسر الضهر، مسحت دمعة نزلت غصب عنها وقالت بصوت مخنوق ورايح مفيش يا بنتي.. صداع عادي من السكر، متقلقيش نفسك.
أنا عارفاها وحافظة ملامحها صم، دي أمي اللي ربتنا، عارفة لما بتخبي بيبقى وراها جبل شايل شايل هم. قعدت على ركبي قدامها على الأرض، مسكت إيديها اللي كانت متلجة وقعدت أتحايل عليها، نص ساعة كاملة وأنا بحلفها بغلاوة ولادي وغلاوة إخواتي، لحد ما انفجرت في العياط وكأنها كانت ماسكة نفسها بالعافية عشان متنهارش.
مرات أخوكي يا بنتي.. مرات أخوكي اللي عايشة في شقة فوق راسي، عملت عيد ميلاد لابنها، حتة مني ومن ريحتي، وعزمت أهلها كلهم من ورا ضهري ومكلفتش خاطرها تقولي كلمة واحدة، ولا حتى تديني خبر إن في ناس طالعة عندي البيت!. حصري على صفحة روايات و اقتباسات.
اتسمرت مكاني ومبقتش مستوعبة. كملت أمي بقهرة وصوتها بيترعش بعد المغرب لقينا أهلها كلهم طالعين ورا بعض، أمها وأخواتها، طالعين يتسحبوا من سكات كأنهم خايفين نعمل صوت. قولت لأختك يمكن طالعين يزوروها عادي ويسألوا عليها ومردتش أضيق عليهم ولا أطلع.. لحد ما أختك طلعت بعد العشا عشان تجيب كيس مانجة كنا مفرزينه عندها في الفريزر، خبطت والباب اتفتح، لقت الصالة متزوقة وبلالين، وتربيزة في النص عليها تورتة كبيرة بشمعها، وأهلها متجمعين وبيهيصوا.. أختك وشها جاب ألوان من الإحراج ونزلت تجري وهي بتعيط من الكسرة. هي دي الأصول؟ ده أنا لحم كتافها وكتاف ابنها من خير ابني وبيتي!.
حكايات_مني_السيد
الدم غلي في عروقي، وحسيت بنار قادت في نافوخي. قومت وقفت وقولت لأمي وحياتك عندي ما هسكت، أنا طالعالها أشوف إيه قلة الأصل دي، هو إحنا غرب في بيتنا ولا إيه؟!.
طلعت السلم خطوتين خطوتين، ورنيت الجرس بقوة. فتحتلي مرات أخويا، أول ما شافتني ارتبكت، بس وشها اتقلب في ثانية لمسكنة ودفاع مستميت قبل حتى ما أفتح بوقي بكلمة. دخلت وراها وقفلت الباب وواجهتها بقى كدة يا ياسمين ؟ تعملي عيد ميلاد لابن أخويا وتجمعي أهلك وتداروا على أمي؟ دي أم جوزك وفي مقام أمك، تهون عليكي قهرتها دي؟.
لقيتها ضربت على صدرها وعينيها دمعت وبدأت تحلف بكل الأيمانات والله العظيم مظلومة يا أختي! والله ما كنت أعرف حاجة ولا رتبت لأي حاجة! ده أهلي هما اللي فاجئوني، أخويا جاب التورتة على غفلة واشترى شوية بلالين وجايين يفرحوا يوسف ابن أختهم على الضيق كدة، وأنا والله اتفاجئت بيهم زيي زيكم، وملحقتش حتى أستوعب عشان أنزل أقول لطنط، كنت لسه هنزلها طبق تورتة أول ما يمشوا!.
كلامها كان مقنع وطريقتها فيها حزن وكسرة تخلّي الحجر يلين، حسيت بلخبطة، طب لو هي مظلومة وأهلها هما اللي كبسوها، هحاسبها هي على إيه؟ بس كان في غصة في قلبي.. حتى لو مفاجأة، مش كان المفروض الصبح على الأقل ألاقيها داخلة بطبق تورتة تراضيها وتقولها حقك عليا؟ مقدرتش أعاتبها بزيادة وسكتّ، خصوصاً وإن جوزها أخويا مش موجود في البيت.
نزلت لأمي تحت، حاولت أهدي النفوس عشان ضغطها ميرفعش أكتر معلش يا ماما، استهدي بالله عليكي.. طلعت مظلومة وبتحلف إن أهلها هما اللي فاجئوها وأخوها هو اللي اشترى التورتة وجايين يفرحوا الواد.
هنا أمي بصتلي بصه عمري ما هنساها، ابتسمت بمرارة وقالتلي بجمود مرعب مظلومة؟ وأخوها فاجئها بالتورتة؟.. أنا كنت واقفة ورا شيش البلكونة وشيفاهم بنفسي وهما داخلين العمارة بعد المغرب يا بنتي.. كانوا طالعين وإيديهم فاضية، مفيش في إيد أخوها غير كيس بلاستيك كحلي خفيف فيه شوية هدوم.. مفيش علبة تورتة دخلت من باب العمارة دي يا بنتي من الشارع أبداً.
الكلام نزل عليا زي الصاعقة.. وقبل ما أرد على أمي، سمعنا صوت كركبة ورزع عالي جداً جاي من شقة أخويا فوق، وصرخة مكتومة خلت شعر جسمنا يقف ووو.....!!!!
حكايات_مني_السيد
الصرخة دي شقت سكوت البيت شق، خلت الدم ينشف في عروقي وأنا واقفة متسمرة مكاني قدام أمي. أمي شهقت ولطمت على صدرها بإيديها المرتعشة، وعينيها اللي كانت مليانة كسر وقهرة اتقلبت لرعب حقيقي يا لهوي يا بنتي! الواد جراله حاجة؟! إلحقي يا منى.. إلحقي أخوكي مش فوق والبت لوحدها بالعيال!.
مجريتش.. أنا طرت على السلم. رجلي مكنتش بتلمس الدرج، ضربات قلبي كانت طالعة في وداني زي صوت طبل بيخبط ورا راسي. مكنتش عارفة الصرخة دي صوت ياسمين ولا صوت ابن أخويا الصغير، بس الرزع اللي كان شغال فوق كان وراه مصيبة مش طبيعية، صوت خبط كراسي وحاجة بتتكسر وصوت هدير رجالي مكتوم! رجالي؟! أخويا طارق المفروض مسافر مأمورية شغل ومش راجع إلا بكرة المسا!
وصلت لباب الشقة، لقيت الباب متوارب مش مقفول بالترباس زي ما
سيبته من خمس دقايق بس. زقيت الباب بإيدي الاتنين ودخلت وأنا بنهج وبصرخ يا ساتر يا رب! في إيه يا ياسمين؟!.
المنظر اللي شفته جوة في الصالة شلّ حركتي وخلاني ألجم لساني. الصالة اللي كانت لسه من شوية متزوقة ببلالين العيد ميلاد وشرايط الزينة الملونة، كانت متبهدلة على الآخر؛ تربيزة الصالون مقلوبة على جنبها، وكوبايات العصير مكسورة على السجادة، وياسمين قاعدة على الأرض ساندة ضهرها على الكنبة، حاطة إيديها الاتنين على وشها وبتشهق شهقات تقطع القلب، وشعرها منكوش وطرحتها مفكوكة ومرمية في الأرض.
وفوق راسها... كان واقف طارق!
طارق أخويا الكبير، راجل بطوله وعرضه، الشنطة بتاعة السفر بتاعته كانت مرمية عند عتبة الباب الداخلي، لابس قميصه اللي مفتوح زرايره من فوق من كتر النهجان، وعينيه جاحظة وحمرا زي الجمر، وشرايين رقبته نافرة كأن الدم هينفجر منها. كان ماسك في إيده إزازة مية مثلجة، كأن حد دلقها عشان يفوق حد، وعلى الأرض جنبه كان في تليفون ياسمين المحمول، الشاشة بتاعته متدشدشة مية حتة.
طارق؟!.. نطقت اسمه بصوت مخنوق ومكنتش مستوعبة أنت جيت إمتى يا حبيبي؟ في إيه؟ إيه اللي بيحصل هنا؟ الولد حصله حاجة؟!.
طارق مبصليش أصلاً، كان باصص لياسمين اللي على الأرض بنظرة كره ورعب عمري ما شفتها في عيون أخويا الطيب الهادي اللي طول عمره ماشي جنب الحيط، اللي بيشتغل ليل مع نهار عشان بس يوفر قرشين يستر بيهم بيته ويفرّح مراته.
اسألي الهانم.. صوته طلع واطي ومبحوح، واطي بطريقة ترعب أكتر من الزعيق اسألي بنت الأصول اللي راسي كانت مرفوعة بيها وبقول مربيها على إيدي.. اسأليها مين اللي كان بايت هنا ومين اللي جاب التورتة وفرحان على قفايا!.
ياسمين رفعت وشها فجأة، وشها كان شاحب زي