رواية كاملة

لمحة نيوز

فاكرة. أنا بدأت من الصفر، اتمرمطت في المواصلات واشتغلت في عمارات تحت الإنشاء وشيلت الطوب على كتفي لحد ما ربنا كرمني. أنا عارف يعني إيه الواحد يبقى ماشي في الشارع وكرامته بتوجعه عشان مش معاه اللي مع غيره، وشفت فيكي الجدعنة اللي بجد، الست اللي تضحي براحتها عشان خاطر ابن أختها وعشان عيال غرب مش عيالها. أنتي مش ناقصك حاجة، هما اللي ناقصين أصل وتربية.
كلامه دخل قلبي زي المية الباردة في عز الحر، حسيت بصدقه وبإن الراجل ده شايفني بجد، مش شايف قشرة المظاهر.
ومن اليوم ده، حياتي بدأت تتغير بالتدريج، خطوة خطوة، وكل خطوة كان فيها درس جديد في الاحترام والتقدير.
بدأت أمارس شغلي في الإشراف على ميزانية الأنشطة، وريان مكنش بيتدخل في قراراتي، كان بيديني المساحة والحرية كاملة، ولما كنت أحتار في حسابات أو عقود، كان يقعد معايا ويفهمني بالراحة ومن غير ما يحسسني إني مش فاهمة.
العلاقة ما بيننا كبرت في جو من الاحترام المتبادل. ريان كان راجل تقيل وراكز، مكنش من نوعية الرجالة اللي بتطارد أو تقول كلام معسول ملوش أصل. كان كل اهتمامه يظهر في أفعاله. يطمن عليا كل يوم لما أروح، يسألني على عمر ومذاكرته، ويبعتلي سواق من الشركة يوصلني ويرجعني لو اليوم اتأخر، ومكنش بيقبل إني أرفض، كان يقولي ده مش دلع يا نورين، دي مسؤولية وأنا مش هطمن وإنتي في الشارع في وقت متأخر.
وفي يوم جمعة، بعد حوالي شهرين من معرفتنا، اتصل بيا وقالي جهزي نفسك إنتي وعمر، أنا هاجي أخدكم نتغدى سوا في مكان هادي.
عمر كان فرحان جداً، كان بيحب ريان من كتر ما حكيتله عنه وعن جدعنته. ريان جه بعربيته وأخدنا لمطعم مفتوح على النيل. كان قاعد بيتعامل مع عمر كأنه ابنه، بيسمع لحكاياته التافهة عن الكارتون والمدرسة بكل تركيز، وطلبله الأكل اللي بيحبه، وجابله طيارة ورق صغيرة يطيرها في الهوا في الجنينة اللي جنب المطعم.
وأنا قاعدة ببص لعمر وهو بيجري وفرحان، لقيت ريان بيبصلي بابتسامة دافية عمر ولد محترم ومتربي كويس، باين إنك شيلتيه في عينيكي.
عمر هو كل اللي فضلّي من الدنيا يا ريان، هو حتة من قلبي ومن ريحة نهى.
ريان سكت لحظة، وبص للنيل، وبعدين رجع بصلي بنظرة مليانة مشاعر عميقة كان مداريها ورا هدوءه كل الفترة دي وإنتي يا نورين، مين بيشيلك في عينيه؟
ارتبكت وبصيت في الأرض ربنا موجود، وهو السند.
ريان مد إيده وقربها من إيدي اللي كانت محطوطة على الترابيزة، بس ملمسهاش احتراماً ليا، وقال بصوت واطي ومحمل بالرجولة والحنان ونعم بالله. بس ربنا بيسخر عباده لبعض يا نورين. أنا من الليلة اللي شفتك فيها في محطة المعادي، وأنا حاسس إن ربنا باعتك في طريقي لسبب. أنا طول عمري عايش في وسط بيزنس وفلوس وناس كلها مصالح ووشوش بلاستيك. مكنتش لاقي الإنسانة الحقيقية، الست اللي أأمنها على بيتي وعلى اسمي، الست اللي شايلة جواها أصل وطيبة مش موجودين في الزمن ده.
قلبي دق بسرعة جنونية، حسيت إن وشي سخن من الخجل ومكنتش قادرة أرفع عيني فيه.
ريان كمل وهو واثق من كل حرف أنا مش بس معجب بيكي يا نورين، أنا بحترمك قبل ما أحبك، والاحترام عندي هو الأساس. أنا شايف فيكي العوض اللي كنت بدور عليه، وشايف في نفسي الراجل اللي يقدر يشيل عنك الحمل اللي قصم ضهرك سنين، ويحميكي إنتي وابن أختك من أي وجع.
رفعت عيني فيه، وكانت دموعي بتلمع في عيني ريان... أنت عارف الفرق اللي بينا؟ أنت ريان السلحدار، وأنا بنت بسيطة عايشة في شقة إيجار وبجري على عيل يتيم.
ريان ابتسم ابتسامة واثقة وهز راسه بنفي قاطع الفروق دي معمولة للناس التافهة اللي زي ريهام وميادة، الناس اللي بتقيس البني آدم بماركة عربيته وماركة جزمته. أنا ريان اللي تعب وعرق، وعارف قيمة القرش وقيمة البني آدم. إنتي قيمتك عندي تسوى كل مليارات الدنيا دي يا نورين. ومفيش فرق بيننا غير إنك تستاهلي كل خير وأنا ناوي أكون الخير ده بإذن الله، لو وافقتي.
سكتت، بس نظرة عيني كانت كفيلة تديله الجواب. الراجل ده كان هو العوض الحقيقي، العوض اللي أختي نهى دعتلي بيه قبل ما تموت، العوض عن كل يوم ذل عشته في المواصلات، وعن كل كلمة تجريح نزلت على كرامتي وبلعتها عشان أربي ابنها.
بعدها بأسبوعين بالظبط، اتقدم ريان رسمي. جه شقتنا البسيطة في الهرم، ومعاه أهله وناس كبار من عيلته. مكنش داخل بتعالي ولا بتكبر، بالعكس، كان قاعد مع خالي والناس الكبار اللي من طرفنا بكل تواضع وأدب ولاد البلد. طلب إيدي على سنة الله ورسوله، وشرطه الوحيد كان إن عمر يفضل في وفي بيتنا ويعيش معانا معزز مكرم كأنه ابنه من صلبه.
ويوم الفرح كان حكاية المدرسة والبلد كلها اتكلمت عنها.
اتعمل الفرح في قاعة مفتوحة فخمة جداً بتطل على النيل، متزينة بالورد الأبيض والإضاءات الدافية. كنت لابسة فستان أبيض بسيط وراقي جداً، مكنتش مصدقة نفسي وأنا شايفة ريان لابس بدلته الكحلي الأنيقة وواقف مستنيني، وعينه بتلمع بالحب والفرحة وهو بيمد إيده يستلمني.
وعمر كان لابس بدلة صغيرة زي بدلة ريان بالظبط، وكان ماسك في إيده التانية ومبسوط وبيضحك من كل قلبه.
المدرسة كلها كانت معزومة، مدام ماجدة كانت حاضرة في أول الصفوف وبتبارك بحرارة، أما ريهام وميادة فكانوا قاعدين في ترابيزة بعيدة ورا خالص، باصين عليا بنظرات ممزوجة بالصدمة والندم على كل كلمة اتقالت في يوم من الأيام، بعد ما شافوا البنت اللي اتريقوا عليها عشان معندهاش عربية بقت هي سيدة البيت وسيدة قلب ريان السلحدار، الراجل اللي كانوا بيتمنوا بس يلمحوا طيفه.
لما الموسيقى بدأت تشتغل، ريان أخدني في وسط الساحة ورقصنا سوا على أغنية هادية. مسك إيدي قدام كل الناس الحاضرين، وبص في عيني وقالي بهمس شوفتي؟ صبرتي ونولتي، والطيبة والجدعنة بتسدد الفواتير وأكتر كمان لما يكون وراها رب كريم.
دمعة فرح نزلت من عيني، مسحتها بابتسامة وقلتله ربنا يعوضني بيك يا ريان، أنت العوض الجميل اللي مسح كل التعب اللي فات.
قرب عمر ووقف في وسطينا، وريان شاله على كتفه في اللحظة دي، حسيت إن روحي نهى بترفرف حوالينا ومطمنة، وإن السنين العجاف خلصت للأبد، وإن ربنا لما بيدي عوض، بيدي بسخاء يفوق كل خيال وتوقعات.

تم نسخ الرابط