رواية كاملة

لمحة نيوز

طول ما أنا ماشية في الطرقة بتاعة الكيدز إيريا وبوزع اللوح والألوان اللي اشتريتها في الفصل، كان كل همي أرتب اليوم وأجهز نشاط الرسم اللي وعدت الولاد بيه.
في وقت البريك، كنت قاعدة في أوضة المدرسين بصلح كشاكيل النشاط. الباب اتفتح ودخلت ريهام وميادة، وكان باين على وشوشهم إنهم بيدوروا على أي حد يتسلوا عليه.
ميادة رمت شنطتها على الترابيزة وقعدت تحط روج في المراية، وبصتلي في الانعكاس وضحكت بخبث إيه يا نورين، وصلتي البيت إمبارح بالسلامة ولا فضلتي بايتة في محطة الميكروباص لحد الصبح؟
ريهام قعدت جنبها وهي بتشرب عصير تلاقيها لقت توكتوك يدخلها الحارة يا بنتي، إنتي عارفة إن المواصلات دي أسلوب حياة لناس معينة، فيه ناس كده ربنا خلقهم عشان يعافروا في الزحمة وميعرفوش يعيشوا غير فيها.
أنا مكنتش حابة أعمل دوشة ولا أدخل في نقاش ملوش لازمة، كملت تصليح في الورق اللي قدامي وبرود تام الحمد لله روحت في معادي وعمر مكنش قلقان، وشكراً على سؤالكم اللطيف.
ريهام لوت بوزها ومردتش، وميادة كملت كلام في مواضيع تانية عن الهدوم والشوبينج وعربيتها اللي ناوية تغيرها وتجيب حاجة أحدث. أنا قفلت الكشكول وخرجت من الأوضة كلها. اتعودت إن كلامهم ميهزنيش، لأن اللي شايل هم بيت ومسؤولية عيل يتيم، ميبقاش عنده رفاهية إنه يتأثر بتفاهات ناس كل همها المظاهر وقشور الدنيا.
عدى اليوم الأول، والتاني، والتالت، وأنا في نفس الدايرة اللي بتلف بيا كل يوم. شغل في الحضانة من الصبح، بعد الضهر دروس خصوصية خفيفة عشان أزود الدخل، وبالليل مذاكرة لعمر وأكل وتنضيف.
ريان رن عليا في اليوم التاني بعد العصر، كنا بنتكلم مكالمة قصيرة مفيهاش أي خروج عن حدود الأدب. سألني عن يومي، وعن عمر وعمل إيه في المدرسة، وسألني لو الأدوات نفعت في الفصل والولاد فرحوا بيها. طريقته كانت غريبة، مكنش بيحاول يتكلم عن نفسه خالص ولا يتباهى بأي حاجة، كان بيسمع أكتر ما بيتكلم، وأنا لقيت نفسي بحكيله بتلقائية عن تفاصيل صغيرة عن شغلي وعن الصعوبات اللي بتقابلني. كان بيكتفي إنه يقول ربنا يقويكي يا نورين، إنتي بتعملي حاجة كبيرة أوي بس يمكن إنتي مش حاسة بقيمتها عشان متعودة عليها.
جه اليوم الرابع، وكان يوم خميس.
من أول ما دخلت من بوابة المدرسة الصبح، حسيت إن فيه حالة طوارئ غير طبيعية. عمال النظافة كانوا بيجروا في كل حتة، بيمسحوا الرخام بمطهرات ريحتها فاقعة، والزرع كان بيتقص ويتسقى بعناية، والأمن عند البوابة كان لابس اللبس الرسمي ومتشنج. حتى مديرة المدرسة، مدام ماجدة، اللي نادراً ما بنشوفها بتتحرك من مكتبها المكيف، كانت رايحة جاية في الطرقة وبتزعق في المدرسين والعمال عايزة كل حاجة بتلمع، مش عايزة غلطة واحدة النهاردة! الاجتماع ده هيتحدد عليه حاجات كتير للمدرسة ومينفعش نطلع بمظهر مش لائق!
دخلت فصلي وبدأت شغلي عادي مع الأطفال، بس الفضول كان مالي المدرسة كلها. في وقت الفسحة، دخلت أوضة المدرسين عشان أشرب مية، لقيت المدرسين كلهم متجمعين حوالين ريهام وميادة وهما بيتكلموا بلهفة.
ريهام كانت عنيها بتلمع من الفرحة وهي بتقول مش مصدقة إن هو اللي جاي بنفسه! ده كان المفروض يبعت وفد من الشركة، إيه اللي خلاه

ييجي المدرسة عندنا؟
ميادة كانت بتعدل شعرها وبتسأل واحدة من مدرسات الإنجليزي هو متجوز؟ حد يعرف عنه أي تفاصيل؟ أصل الصور بتاعته اللي في الجرايد كلها في مؤتمرات وافتتاحات مشاريع، ومحدش بيعرف حاجة عن حياته الشخصية.
أنا وقفت جنب كولمن المية وبسأل زميلة تانية بهدوء هو مين اللي جاي ده وعاملين علشانه كل الدوشة دي؟
ريهام لفت وشها وبصتلي من فوق لتحت بنظرة استهزاء كأنها شافت كائن من كوكب تاني مين اللي جاي؟ إنتي بجد عايشة في كوكب تاني ولا بتتصنعي؟ ريان بيه السلحدار بنفسه جاي النهاردة! صاحب مجموعة السلحدار للتطوير العقاري والاستثمار. الراجل اللي اشترى الأرض اللي جنب المدرسة وبيعمل أكبر كمبوند في المنطقة، وجاي النهاردة عشان مجلس الإدارة بيحاول يقنعه يدخل شريك في إدارة وتطوير مدارس تانية تابعة للمجموعة، غير إنه هيتبرع بتطوير كل الملاعب وأجهزة الكمبيوتر في المدرسة هنا.
الاسم نزل على ودني زي الصاعقة.
ريان السلحدار؟
قلبي دق بسرعة، بس فجأة عقلي قالي أكيد تشابه أسماء. مصر كلها مليانة عائلات اسمها السلحدار، واللي وصلني ده كان لابس جاكت عادي وجينز وراكب عربية جيب، آه شكلها محترم بس مش لدرجة إنه يكون الملياردير صاحب المجموعة اللي بتتكلم عنها مصر كلها في التلفزيون واليافطات في الشوارع. الراجل اللي قابلته كان بسيط، بيشرب قهوة في كوباية كرتون وواقف في الشارع يستنى معايا ميكروباص. استبعدت الفكرة تماماً وقولت لنفسي إني بدأت أخرف من كتر التعب وقلة النوم.
الساعة كانت حوالي واحدة الضهر لما جه استدعاء لكل المدرسين والمشرفين إنهم يتجمعوا في الصالة الرئيسية عند المدخل عشان يرحبوا بالوفد والضيف الكبير. الكل كان متوتر، والمديرة كانت واقفة وشها أصفر من كتر ما هي قلقانة.
ريهام وميادة كانوا واقفين في أول الصف، حاطين ميك أب كامل وواقفين بابتسامات عريضة جاهزة لأي لقطة، وأنا فضلت واقفة ورا خالص جنب باب الفصل بتاعي، لابسة الجاكت الكحلي البسيط بتاعي وشنطتي القماش على كتفي، يدوب مستنية المولد ده يخلص عشان ألحق أروح البيت لعمر.
فجأة، البوابات الحديدية الكبيرة اتفتحت. دخلت موكب من تلات عربيات سودا فخمة جداً، وحراس أمن نزلوا بسرعة وفتحوا باب العربية اللي في النص.
نزل راجل طويل، لابس بدلة رمادية متفصلة عليه بالملي، ساعته بتلمع في الشمس، وخطوته تقيلة وفيها هيبة خلت الساحة كلها تسكت فجأة، حتى صوت العصافير كأنها كتمت.
رفعت راسي أبص عليه من بعيد... وفجأة الدنيا كلها وقفت.
هو.
نفس الملامح الهادية، نفس النظرة الثابتة، بس الفرق الوحيد إنه مكنش لابس الجاكت البسيط ولا القميص الجينز. ده كان ريان السلحدار بكل سلطته ونفوذه اللي بيهز السوق.
المديرة جريت عليه بابتسامة مصطنعة وهي بتمد إيدها وترحب بيه أهلاً وسهلاً بحضرتك يا ريان بيه، نورت مدرستنا، الزيارة دي شرف كبير لينا ولكل الإدارة، إحنا محضرين لحضرتك جولة كاملة في المبنى عشان تشوف إمكانياتنا.
ريان سلم عليها ببرود وبابتسامة يدوب مرسومة على شفايفه احتراماً للبروتوكول أهلاً بيكي يا فندم، الشرف ليا.
ريهام وميادة كانوا واقفين في أول الطابور، ريهام قربت خطوة لقدام وحاولت تلفت نظره بصوت ناعم ومفتعل أهلاً بحضرتك في قسم الكيدز إيريا يا فندم، إحنا المشرفات على القسم وبنحب نرحب بوجودك معانا في المدرسة.
الكل كان متوقع إنه يوقف يتكلم معاهم أو يشكرهم ويكمل مع المديرة للمكتب الرئيسي، خصوصاً وإن ريهام وميادة كانوا واقفين في وشه ومستنيين أي كلمة.
لكن اللي حصل خلى المكان كله يتشل حرفياً.
ريان مبصلهمش حتى. عينه كانت بتدور بين الوجوه اللي في الخلفية، بيعدي الصفوف بنظراته لحد ما عينيه جت في عيني مباشرة. ملامحه الجادة اتبدلت فجأة لنظرة دافية مألوفة، وابتسامة خفيفة ظهرت على وشه، نفس الابتسامة بتاعة القهوة اللي بالصدفة.
من غير ما يرد على المديرة ولا يلتفت لريهام وميادة اللي كانوا مادين إيديهم في الهوا،
تم نسخ الرابط