رواية كاملة

لمحة نيوز


ضغط أو حاجة لأحد.
في إحدى الليالي، وبينما كانت تُراجع الدروس مع الأكبر منهم، قال لها الصبي بصدق ماما شيرين.. أنا كنت بحب شريف.. كنت فاكره هيبقى بابا لينا. تجمدت يدها فوق الكتاب للحظة، ثم احتضنته وقالت أعرف يا حبيبي.. وأنا كمان كنت فاكرة. لكن الحب الحقيقي ما بيخدعش.. ما بيخططش لضرّك. اللي بيحبك بيكون معاك في السرّا والضرّا، وما يستغلّكش وقت ضعفك. سألها ببراءة وإحنا معاكِ دايماً صح؟ ابتسمت ومسحت على شعره دايماً.. وإحنا أقوى من أي حاجة.
مرت السنوات.. وكبر الأطفال. التحقوا بالجامعات، وكل منهم أثبت جدارته في مجاله. لم ينسَ أحد منهم ما فعلته شيرين من أجلهم. كانوا يذكرونها في كل مناسبة، ويقولون إنها لم تكن مجرد خالة أو وصية.. كانت لهم الأم والأب والوطن.
أما شريف فحاول أن يكرر خدعته مع غيرها، لكن سيرته انتشرت، وسرعان ما وجد نفسه منبوذاً من كل من يعرفه. تدهورت حالته المادية، واضطر للعمل في وظائف متواضعة لا تتناسب مع طموحاته الزائفة. سعاد لم تتغير طباعها، لكنها فقدت نفوذها واحترام الناس، وعاشت في عزلة تكاد تكون تامة، تندم كل ليلة على ما فعلته، لكن الندم جاء متأخراً جداً.
شيرين في أوج شبابها لم تتزوج مرة أخرى. لم يكن ذلك رفضاً للحب، بل لأنها وجدت فيه ما يكفيها في عيون أبنائها. حين سألها أحدهم في مناسبة تكريمية عن سبب عدم ارتباطها، قالت بابتسامة هادئة لقد ملأتموا قلبي.. فما عاد فيه مكان لغيركم.
في اليوم الذي تخرّج فيه أصغر الأطفال، وقفت شيرين في الحفل ترتدي ثوباً بسيطاً أنيقاً، وعيناها تلمعان بدموع سعادة لم تمنعها. اقترب منها الخريج واحتضنها وقال بصوت مسموع أنتِ من صنعت هذا اليوم.. لولاكِ ما كنا وصلنا لهنا. ردت بكل فخر أنتم من صنعتموه.. أنتم ثمر عمري، وسبب صمودي.
بعد سنوات أخرى، اجتمعت العائلة التي صنعتها بنفسها حول مائدة الغداء في منزلها الكبير. أحفادها يلعبون حولها، وأبناؤها يتحاورون ويضحكون. نظرت إليهم شيرين وشعرت بالسلام يملأ روحها. لقد مرّت بأصعب التجارب، وكادت أن تفقد ثقتها في الناس، لكنها اكتشفت شيئاً ثميناً أن الكرامة لا تُعطى.. تُسترد. وأن الأمان الحقيقي لا يكون في يد رجل أو زوج.. بل في القدرة على حماية نفسك ومن تحب بكل ما تملك من قوة.
كان هناك دفء في المنزل لا يُقاس بثمن. لم يكن كل شيء مثالياً طوال السنوات.. كانت هناك أوقات صعبة، وأيام مرهقة، ولحظات شعرت فيها بالوحدة. لكنها لم تتراجع أبداً. كانت تنهض كل صباح وتكمل الطريق، لأنها عرفت أن وراءها أرواحاً تعتمد عليها، وأن العدالة وإن تأخرت لا تموت.
في مساء هادئ، جلست على شرفة المنزل تنظر إلى النجوم، وفكرت في ذلك اليوم المشؤوم.. يوم نسي شريف إقفال المكالمة. لم تكن تكرهه كما كانت تظن في البداية. بل شعرت بالشفق عليه.. لقد باع نفسه مقابل وهم، وخسر كنزاً حقيقياً لم يدرك قيمته إلا حين فات الأوان. هي لم تخسر شيئاً.. بل استعادت نفسها.
دخل عليها ابنها الأكبر ووضع يده على كتفها بتفكري في إيه يا ست الكل؟ التفتت إليه وابتسمت بفكر إن كل حاجة حصلت.. كانت لازم تحصل. عشان أعرف مين أنا.. ومين يستاهلني. مسح على كتفها بحنان إنتِ الأفضل يا شيرين.. وكل اللي خسروك هم الخاسرين.
نعم.. هكذا كان. الحياة أثبتت أن من يبني على الغدر يبني على رمالٍ متحركة تنهار به سريعاً. ومن يبني على الصدق والمسؤولية يبني صرحاً لا تهزه العواصف. شيرين لم تنتقم بالشرّ.. بل انتقمت بالنجاح، بالحياة الكريمة، ببناء مستقبل مشرق لمن ائتمنوها عليهم. وهذه كانت أقوى انتقام وأجمل نصر.
انتهت القصة.. لكن حكايتها لا تزال تُحكى. ليس كقصة خيانة وانتهاء، بل كقصة صمود وبداية جديدة. تُحكى لكل من تعتقد أنها وحيدة، ولكل من يظن أن الحق يُنسى، ولكل من ينتظر أن يأتي أحد ليُنقذه.. فتعلم أن المنقذ الحقيقي هو القوة التي تسكن داخلنا حين نقرر ألا ننكسر أبداً.
تمت بحمد الله

 

تم نسخ الرابط