رواية كاملة
وهمس بصوت دافئ حاول أن يخفي ارتباكه تعالي يا حبيبتي.. نكتب الكتاب ونبدأ حياتنا مع بعض. لم تبتعد، ولم تقترب أيضاً. بل ثبتت في مكانها، وقالت بصوت واضح وصل إلى كل زاوية في القاعة قبل ما نكتب الكتاب، عندي كلام لازم أقوله.. قدام كل الناس هنا.
تململ شريف، وبدت ملامح القلق على وجهه كلام إيه يا شيرين؟ كل حاجة في وقتها.. الناس بتنتظر. أمه سعاد وقفت بسرعة، وصوتها ارتفع عيب يا بنتي! العروسة ما تتكلمش كده في يوم فرحها! تعالي يا حبيبتي، خلينا نمشي في المعاد. حينها التفتت شيرين نحو سعاد، ونظرت إليها نظرة جعلت المرأة تتراجع خطوة دون أن تدري لماذا.
الفرح ده فرحي.. وكل الكلام اللي هيتقال هنا لازم يُسمع، قالتها شيرين بثبات، ثم أشارت إلى الشاشة الكبيرة التي كانت مُجهزة لعرض صور خطوبتهما. توهجت الشاشة، لكن لم تظهر صور الورود ولا اللحظات السعيدة.. بل ظهر تسجيل صوتي بدأ يُشغّل بصوت واضح، صوت شريف بنفسه منذ الليلة الماضية
أول ما الفلوس والشقة يبقوا باسمي مناصفة.. مش هكون مجبر أفضّل معاها يوم واحد زيادات! هي شايلة حمل 3 عيال ومحتاجة أي راجل يشيل عنها الحمولة.. أي ورقة هحطها قدامها هتمضي عليها وهي ممنونة!
صمت مُطبق خيّم على المكان، ثم تحول الصمت إلى همسات مذهولة. وجه شريف اصفر كالورق، وتجمد في مكانه كالتمثال. سعاد حاولت الصراخ كذب! ده كلام مُفترى! إيه اللي بتعمله يا شيرين؟! لكن شيرين رفعت يدها لتنصت للجميع، واستمر التسجيل.. كلمة بكلمة، كل خطتهم، كل كلمة قيلت عن العيال، عن الأموال، عن كيف أن كل ابتسامة وكل مساعدة كانت مجرد خدعة لاستغلال حاجتها للدعم.
لم تكتفِ بذلك. أشارت مرة أخرى، فظهرت على الشاشة وثائق رسمية صكوك الملكية الموثقة في الشهر العقاري تثبت أن الشقة بأكملها مسجلة باسمها وحدها، وشهادات الإيداع البنكية التي تحمل أسماءها وأسماء أطفال أختها المتوفية مباشرة، وتعهد موثق من قبلها بأن هذه الأموال مخصصة بالكامل لمستقبلهم التعليمي والمعيشي ولا يحق لأي زوج أو قريب التصرف فيها.
كنتِ فاكرة إنني وحيدة وضعيفة فأستسلم؟ قالت شيرين وهي تنظر مباشرة إلى سعاد، ثم تحولت نظراتها إلى شريف الذي بدأ يتراجع نحو المخرج. كنتم بتقسموا مستقبلي ومستقبل أيتام في سبيلكم.. ونسيتوا إن الحق له صوت ما يخمدش.
بينما كان يحاول الهرب، وقف عند الباب رجلان بملابس رسمية محامٍ وموظف من جهة حماية الأموال والأسرة. تقدما نحو شريف وسلّما له إشعاراً قانونياً بدعوى الحماية من الابتزاز والتلاعب، بالإضافة إلى إخطار بأنه ممنوع من الاقتراب من شيرين أو الأطفال أو أي من ممتلكاتها بمسافة تزيد عن مائتي متر.
أنتِ حطيتيني في مصيبة! همس شريف بصوت مرتجف حين اقتربت منه خطوات شيرين. ردت بهدوء لم يخلُ من قوة أنتِ اللي حطيت نفسك فيها.. اخترت الغدر بدل الأمانة، والطمع بدل المحبة. واليوم ده مش يوم فرحك.. يوم انككشاف الحقيقة.
لم يكن هذا كل شيء. فبعد أن استوعب الناس الموقف، دعت شيرين الأطفال الثلاثة ليصعدوا إلى المنصة معها. كانوا خائفين في البداية، فاحتضنتهم بقوة، ثم قالت كنت أختار لكم أبًا يحبكم لذاتكم.. فوجدت من يريد أن يستغلكم. فقررت أن أكون لكم كل شيء، وأن أؤمن مستقبلكم كما تستحقون.
ثم أعلنت أمام الجميع أنها وقّعت في الصباح الباكر على وثيقة وقفية رسمية تضمن لكل طفل منهم منزلاً مستقلاً، وصندوقاً تعليمياً يكفيه حتى التخرج من الجامعة، ورصيداً شهرياً ثابتاً يضمن له حياة كريمة مدى الحياة كل ذلك محمي بقانون ولا يمكن لأي شخص مهما كان الاقتراب منه أو تغييره. وقررت كذلك أن تسجل أسماءها كوصية قانونية عليهم بشكل رسمي، ليكون حقهم في رعايتها وحمايتهم مكفولاً أمام الجميع.
مرت الساعات، وانفضّ الحشد وقد تغيرت نظراتهم تماماً.. لم يروا فيها عروسة خُذلت، بل امرأة انتصرت على من حاول كسرها. لم تبكِ شيرين حين رأت شريف وأمه يخرجان من القاعة خاسرين مُذلّين. بل أمسكت بيد كل طفل من أطفالها، ونظرت إلى المستقبل بثقة لم تشعر بها من قبل.
لم يكن الطريق سهلاً بعد ذلك. ففي الأيام التالية، واجهت شيرين محاولات يائسة من شريف وأمه لاستعادة ما خططوا له اتصالات هاتفية، رسائل تهديد، ثم محاولات للمساومة. لكنها كانت قد أحكمت كل باب. كل وثيقة محمية، كل حساب مُؤمّن، وكل خطوة مدعومة قانونياً. لم ترد على تهديداتهم إلا ببلاغات رسمية، وسرعان ما توقفوا حين أدركوا أنهم لا يواجهون امرأة ضعيفة بل إرادة لا تنكسر.
مع مرور الأشهر، بدأت الحياة تستقر. استأجرت شيرين شقة أكبر قليلاً ليتسع لهم جميعاً، ووضعت جدولاً زمنياً منظماً للدراسة واللعب والرحلات. لم يكن هناك رجل يملأ المكان، لكنه لم يكن هناك نقص في الحب ولا في الأمان. كانت تُعوّضهم بكل ما أوتيت من قوة، وتعلّمتهم أن القوة لا تأتي من الاعتماد على الآخرين بل من القدرة على حماية من نحبهم.
كانت تذهب معهم في بداية كل إجازة إلى المقابر لزيارة قبر أختها، وتقول لها بصوت هادئ أنا حافظت على أمانتك.. هم بأمان. وكلما كبروا قليلاً، أشركت كل طفل في معرفة حقوقه وممتلكاته، لا ليكونوا معتمدين على المال بل ليكونوا واثقين أن لديهم ما يكفيهم ليكونوا أحرارًا في اختيار مستقبلهم دون