رواية كاملة
الساحل والقاهرة الجديدة، ولما فشل بالقانون والبيزنس، قرر يلعب اللعبة بطريقته.
طارق أول ما شاف يوسف نازل درجات السلم الرخام الخارجية لوحده وراسه مرفوعة في المطر، ابتسم ابتسامة صفرا ومستفزة ورفع صوته فوق هدير الرعد أخيرًا اتكرمت وخرجت تقابلنا يا باشا؟ فاكر نفسك محمي ورا الحيطان دي كلها ومش هنعرف نوصلك؟ ورق الصفقة الجديدة يتسلم دلوقتي بالذوق، والفيلا دي بأراضيها تتنازل عنها قبل الصبح، وإلا مش هيطلع عليك نهار وسط أهلك وناسك!
يوسف وقف على آخر درجة سلم، المطر بينزل على شعره الأسود وملامحه الصارمة، حط إيديه في جيوبه وبص لطارق ببرود شديد، نظرة مليانة احتقار تليق بأسد بيبص لضبع تافه إنت فاكر نفسك جيت هنا بمزاجك يا طارق؟ إنت دخلت مصيدتك برجلك. فاكرني مكنتش عارف إنك باعت مراقبة على مداخل الفيلا بقالك تلات أسابيع ومستني لحظة تعبي وسخونيتي عشان تهجم زي التعالب؟
طارق وشه اتقلب، وعينيه بدأت تلمح يمين وشمال بارتباك، لكنه حاول يداري خوفه وصرخ في رجالته كتفوه وهاتوهولي راكع قدامي، علموه مين هو طارق النمر!
وقبل ما أول راجل يمد إيده أو يقرب شبر واحد من درجات السلم، صفر يوسف تصفيرة قصيرة وحادة قطعت صوت المطر. وفي ثانية واحدة، النور الكاشف في كل أركان سور الفيلا اشتغل فجأة بقوة عمت عيون كل اللي واقفين، وظهر من ورا الأشجار والمداخل رجالة أمن يوسف المتدربين، محاوطين العربيات ورجالة طارق بالكامل في كماشة محكمة مفيهاش مخرج.
طارق اتفزع وبص حواليه، وعرف إنه وقع في فخ متنظم بدقة إنت... إنت كنت عامل حسابك لكل ده؟!
يوسف نزل الخطوة الأخيرة وقرب من طارق وشه في وشه، وبحركة خاطفة وسريعة جدًا مخدتش جزء من الثانية، لوى دراع طارق اللي كان بيحاول يرفع سلاحه، ونزع السلاح منه بمهارة، وزقه للخلف لدرجة إنه وقع على الأرض في المية والوحل. يوسف بص له من فوق لتحت وقال بصوت تقيل أنا يوسف الرفاعي يا طارق. أنا عمري ما دخلت معركة وخسرتها، واللعب معايا تمنه عمرك كله. بس أنا مش هوسخ إيديا بيك... الشرطة على البوابة برة، وتاريخك الأسود كله والملفات اللي سرقتها من البنوك بقالها ساعة في إيد النائب العام.
في نفس اللحظة، صوت سرينات البوليس ملا الشارع برة، ودخلت قوات الأمن واقتحمت الفيلا، قبضوا على طارق ورجالته واحد ورا التاني، وكل ده تحت عيون يوسف الثابتة اللي موقفتش مراقبة المشهد بجمود وهيبة.
لكن وسط المعمعة دي، سمع يوسف صوت صرخة خفيفة جاية من جوة القصر. قلبه اللي فضل سنين مبيتهزش لأي خطر، حس برعشة خوف حقيقية لأول مرة في حياته... الخوف مش على نفسه، الخوف على ريتان وعمر!
يوسف جرى جوة القصر بخطوات سريعة ملهوفة، طلع السلالم خطوتين في خطوة، طلع المفتاح من جيبه وفتح باب المكتب وهو بينادي بصوت عالي ومخنوق ريتان! ريتان إنتي كويسة؟!
أول ما الباب اتفتح، كانت ريتان واقفة في ركن الأوضة، ضامة عمر لصدرها بكل قوتها، والطفل كان ساكت وحاطط راسه على كتفها. ريتان أول ما شافت يوسف داخل والمطر مبلل هدومه وشعره لكن سليم ومعافيه ومفهوش خدش، سابت كل الخوف اللي جواها وجريت عليه بلهفة وبكت من قلبها.
ارتمت بتلقائية تامة، ماسكة في جاكيته الأسود كأنها ماسكة في طوق نجاة وسط طوفان، وبتقول وصوتها متقطع بالدموع الحمد لله إنك كويس... كنت مرعوبة عليك، صوت الرصاص والخناق خلاني هموت من القلق... الحمد لله يا يوسف، الحمد لله!
يوسف اتفاجئ ، لكنه في نفس اللحظة لف دراعاته الاتنين حوالين عمر الصغير. لأول مرة يحس إن صدره مش مجرد قفص عضمي ناشف، لأ، حس إن جواه قلب بينبض بقوة وبيعيش من جديد. ، وهمس جنب ودنها بحنان فايض اهدي يا ريتان... متخافيش، كل حاجة خلصت، والكابوس انتهى خلاص. طول ما
أنا عايش في الدنيا دي محدش هيقدر يقرب منك ولا يلمس شعرة من ابنك.
الطفل عمر رفع راسه من كتف أمه، وبص ليوسف بعينيه الواسعتين البريئتين، ومد إيده الصغيرة ولمس دقن يوسف المبللة بالمطر وابتسم ابتسامة طفولية رقيقة، ونطق بكلمة خلت الأوضة كلها تسكت والدنيا تقف عند يوسف بابا...
الكلمة دي نزلت على قلب يوسف زي الغيث بعد جفاف سنين طويلة. دموعه اللي كان حابسها من عشرين سنة، من يوم ما فقد أبوه وعاش وحيد ملوش صاحب ولا أهل، نزلت على خده لأول مرة. شال عمر من بين إيدين ريتان، ورفعه لفوق في الهوا، وبعدين ضمه لصدره بحرارة وعينيه بتلمع بدموع الفرحة يا قلب وعيون أبوك... يا عوض السنين اللي راحت كلها.
ريتان كانت بتبص للمشهد ودموعها نازلة من التأثر، مش قادرة تصدق إن الراجل القوي اللي الناس بتخاف منه، بيقف قدام طفل صغير بمنتهى البراءة والحب ده.
يوسف قرب منها وهو شايل عمر على دراعه، وبص في عينيها بنظرة واضحة وصريحة مفهاش أي تردد، وقال بنبرة هادية بس طالعة من أعماق روحه ريتان... أنا لما شفتك أول مرة دخلتي مكتبي كنت فاكرك مجرد بنت جاية تمشي في طريقها وخلاص. بس مع كل يوم عدى، مع كل ابتسامة وخفة دم، ومع الليلة اللي قعدتي فيها جنبي وسهرتي عليا وكنت هموت ومسيبتيش إيدي... حسيت إني بدأت أحيا من جديد. أنا لقيت فيكي ومع عمر العيلة اللي اتحرمت منها سنين. أنا مبقتش عايز أعيش يوم واحد في القصر ده من غيركم. تقبلي تتجوزيني يا ريتان؟ تقبلي تكملي معايا المشوار وتكوني مراتي وسندي وأكون أنا أب لعمر وأحميه بعمري كله؟
ريتان قلبها كان بيدق طبول، الخجل والفرحة اتجمعوا على وشها، بصت ليوسف وبصت لعمر اللي كان ماسك في رقبة يوسف ومبسوط، وقالت بصوت ناعم مليان حب وصدق أنا عمري ما حلمت بأكتر من راجل يحبني ويصون كرامتي ويحب ابني زي ما إنت عملت يا يوسف... موافقة طبعًا، موافقة من كل قلبي.
بعد تلات شهور من الليلة دي، كانت فيلا يوسف الرفاعي في التجمع الخامس متبدلة تمامًا ومشبهة لجزء من الجنة على الأرض. أنوار الفرح كانت مالية الجناين والأسوار، الورد الأبيض والياسمين مفروش في كل مدخل وممر، والموسيقى الهادية والفرحة كانت طاغية على المكان كله.
كان الفرح أسطوري بمعنى الكلمة، بس مش بالبهرجة والمظاهر الكدابة، الفرح كان أسطوري بالحب الحقيقي والدفا اللي مالي كل ركن. يوسف كان واقف لابس بدلة توكسيدو كحلي غامقة في منتهى الشياكة والأناقة، والابتسامة مش مفارقة وشه أبدًا، لدرجة إن كل رجال الأعمال وأصحابه اللي حاضرين كانوا مبهورين ومش مصدقين إن ده يوسف الرفاعي اللي كانوا بيشوفوه دايمًا حاد وقاسي.
والحاجة نوال كانت واقفة في أول الصف لابسة توب شيك وبتزغرد من قلبها والدموع في عينيها، حاسة إن يوسف ابنها اللي ربنا كرمه أخيرا بعد طول صبر ووجع.
وفجأة، سكتت الأصوات كلها لما انفتحت بوابة القصر الرئيسية، وطلعت ريتان وماشية على السجادة البيضا. كانت طالعة زي الملكة أو حورية نازلة من السما، لابسة فستان فرح أبيض هادي وراقي، من غير مبالغة في التطريز، فستان
شيفون ناعم ومزين بلمسات رقيقة من الدانتيل واللؤلؤ، وطرحتها الطويلة بتجر وراها على الرخام. شعرها البني متسرح بنعومة، ومكياجها خفيف مبرز جمال ملامحها الطبيعية ونقاء قلبها.
وفي إيدها، كان ماشي عمر الصغير، لابس بدلة توكسيدو صغيرة بنفس لون بدلة يوسف، وماشي بخطواته الصغيرة وفرحان بالورد والأنوار.
يوسف أول ما شافها، وقف قلبه للحظة، ومقدرش يستنى مكانها تكمل المشي، مشي بخطوات سريعة ولهفة واضحة وراح لحد عندها ووقف قدامها ومسك كفوف إيديها الاتنين بوقار وحب كبير قدام كل الناس الحاضرين. همس لها وعينيه مليانة لمعة العشق قمر نازل من السما ليا لوحدي... مفيش كلام في الدنيا يقدر يوصف إنتي حلوة في عيني إزاي يا ريتان. ربنا يخليكي ليا وما يحرمني منك أبدًا.
ريتان ابتسمت برقة وخدودها موردة بحمرة الخجل، وعينيها بتلمع بالسعادة ويخليك لينا يا يوسف... إنت أجمل عوض وأعظم نعمة ربنا رزقني بيها بعد كل التعب ده.
يوسف نزل على ركبته قدام عمر الصغير، ولبسه كاب صغير على راسه وضحك معاه إيه رأيك في بابا يا كابتن عمر؟ جاهز نحمي ماما مع بعض ونعيش أحسن أيام في حياتنا؟
الطفل رمى نفسه في حضن يوسف وضحك بصوت عالي يلا يا بابا!
شال يوسف عمر على كتفه ومسك إيد ريتان بالتانية، ومشيوا سوا وسط المعازيم اللي سقفوا من قلبهم وبدأوا يباركو ويهنوا، والكل كان شايف إن المعجزة الحقيقية مش في الفلوس ولا البيوت الكبيرة، المعجزة الحقيقية هي الحب الصادق والقلب الأبيض اللي يقدر يغير أصعب طباع الدنيا ويملأ القلوب المكسورة بالسكينة والأمان.
وقف يوسف وريتان في وسط الجنينة تحت أضواء النجوم والقمر، بص في عينيها وقال وهو بيطمنها من النهاردة، مفتاح البيت ده وقلب صاحبه في إيدك إنتي يا ريتان، ومفيش قوة على الأرض هتقدر تبعدنا عن بعض تاني أبداً.
ريتان مسكت إيده بقوة وضغطت عليها بكل رضا وحب، وعرفت إن رحلة الوجع انتهت، وبدأت حكاية جديدة كلها فرح وعوض حقيقي يدوم العمر كله.
تمت بحمد الله
بقلم مني السيد