رواية كاملة

لمحة نيوز

كلها. عشرين سنة محدش لمس يوسف الرفاعي كده، من غير مصلحة، من غير خوف، ومن غير ما يمد إيده يدفع تمن الخدمة. يوسف بص لعينين ريتان القريبة منه، صوته كان مبحوح ومتحشرج من التعب أنا عمري ما سمحت لحد يقرب مني بالشكل ده... إنتي عملتي إيه فيا؟!
ريتان ارتبكت لما استوعبت حركتها، وسحبت إيدها بسرعة ووشها احمر خجل أنا... أنا معملتش حاجة، ده واجبي الإنساني. أي بني آدم يشوف حد بيموت من السخونية كان هيعمل كدة.
يوسف كرر الكلمة بابتسامة باهتة على شفايفه الناشفة إنساني؟ إنتي مش عارفة أنا مين يا ريتان؟ كل اللي في القصر ده لو شافوني بقع، مكنش حد هيجرؤ يمد إيده عليا إلا بعد ما يطلب الإذن من عشرين حارس، والكل بيخاف مني حتى في ضعفي... ليه فضلتي هنا؟ وابنك طول الليل في السقعة؟
ريتان قامت من على الكرسي براحة، وعدلت البطانية الصفرا على ابنها اللي بدأ يتمطع، وبعدين بصت ليوسف بابتسامة هادية وبسيطة من غير أي تكلف أنا مش بشوفك الأستاذ يوسف اللي الناس بتترعب منه، أنا شوفت إنسان تعبان ومحتاج مساعدة. وبعدين... مهما كنت قاسي ومبتضحكش، في الآخر إنت صاحب فضل، وفتحتلي باب بيتك واشتغلت هنا عشان أربي ابني بكرامتي.
سكتت ثواني، ولفت ضهرها تاخد طبق الكمادات وقالت بمرح خفيف عشان تكسر التوتر وبعدين قولتلك قبل كده، إنت بني آدم برضه... مش روبوت شغال بكهربا عشان متتعبش.
يوسف ضحك، ضحكة خفيفة طالعة من قلبه هزت صدره، وبص لها بذهول والله شكلك هتبوظي هيبتي في البيت ده.
ريتان وقفت عند الباب، وبصت له من فوق كتفها الهيبة في القلب يا أستاذ يوسف، مش في الكشرة اللي شايلاها على وشك بقالك سنين. هروح أحضرلك شوربة دافية وليمون، وهبعت نوال تجيبلك الدوا.
خرجت ريتان، ويوسف فضل سارح في أثرها، حاسس إن في حاجة في قلبه اتكسرت... حاجة اسمها الجليد والوحدة.
مرت الأيام بعد الليلة دي، وفيلا يوسف مبقتش زي الأول. الهدوء المقبض اللي كان شبه المقابر بدأ يتبدل. يوسف بقى يتعمد يقعد في ركن الجنينة يشتغل على اللابتوب في الميعاد اللي ريتان بتطلع فيه ابنها عمر يلعب على النجيلة.
كان يوسف بيراقبها من ورا النضارة الشمسية، يشوف ضحكتها الرنانة وهي بتجري ورا ابنها، خفة دمها، حنيتها اللي بتوزعها على كل ركن في المكان. كانت بتدخل روحه بالتدريج، زي النور لما يتسلل لأوضة ضلمة بقالها سنين مقفولة.
وفي يوم، كان يوسف قاعد في مكتبه بيمضي أوراق مهمة، الجو برة كان بيمطر بغزارة وصوت الرعد بيهز الشبابيك. فجأة الباب خبط خبطات سريعة ومرتبكة، وقبل ما يلحق يقول ادخل، لقى ريتان داخلة ووشها شاحب، وماسكة عمر والولد بيعيط بهستيريا من صوت الرعد.
ريتان اتكلمت بصوت بيترعش أنا آسفة... والله آسفة إني دخلت من غير إذن، بس النور قطع في أوضتي وعمر بيخاف جدا من الرعد، والمكان هنا فيه المولد الشغال... ملقتش حتة تانية أروحها.
يوسف قفل الملف اللي في إيده بهدوء، وقام من مكانه. مشي بخطوات واثقة لحد ما وقف قدامها. ريتان كانت بتترعش هي كمان، كانت خايفة من البرق ومن صوت الرعد، ومش بس عمر.
يوسف مد إيده، ولأول مرة يلمسها هو بإرادته. مسك دراعها براحة، وصوته كان مليان حنية عميقة وغريبة عليه اهدي يا ريتان... إنتي هنا في أمان، متخافيش.
ريتان رفعت عينيها ليه، شافت في ملامحه نظرة حماية ودفء عمرها ما حست بيهم في حياتها كلها. يوسف نزل على ركبته لمستوى الطفل عمر، وطبطب على خده بحنان مكنش يعرف إنه جواه متبقاش بطل وبتخاف من شوية صوت يا كابتن؟ الرعد ده السحاب بس بيتكلم بصوت عالي.
الطفل هدي تدريجياً وبص ليوسف بعينيه البريئة، ومسك صباع يوسف الصغير. اللحظة دي كانت زي السحر، ريتان دموعها نزلت من غير ما تحس، ويوسف لما قام ولقى دموعها، مقدرش يمسك نفسه، ومد صباعه مسح الدمعة السايلة على خدها ليه الدموع دي دلوقتي؟
ريتان قالت بصوت متقطع محدش حمانا قبل كده... محدش وقف جنبي وجنب ابني بالطريقة دي، أنا كنت دايما لوحدي وبحارب لوحدي.
يوسف قرب خطوة زيادة، عينيه كانت بتحكي كلام كتير ملهوش نهاية، وقال بصوت واطي ومليان مشاعر مكتومة معدتيش لوحدك يا ريتان. من الليلة اللي سهرتي فيها جنبي ورجعتيلي الحياة، وأنا حاسس إن كل حاجة بملكها ملهاش قيمة لو إنتي مش موجودة فيها. إنتي الوحيدة اللي دخلتي حصوني من غير ما أسمحلك، ودلوقتي... أنا مش عايزك تخرجي منها أبداً.
ريتان قلبها كان بيدق بسرعة جنونية، الحيرة والدهشة والراحة اتجمعوا في صدرها في نفس اللحظة أستاذ يوسف... إنت رجل أعمال كبير، وأنا مجرد...
يوسف قاطعها وحط صباعه على شفايفها برقة تامة انسي كل الكلام ده. إنتي الست الوحيدة اللي شافت يوسف البني آدم مش يوسف الرفاعي... وأنا مش هسيب البني آدم ده يضيع منك تاني.
وفي اللحظة دي، سمعوا خطوات سريعة ومرتبكة جاية من الممر الخارجي، وصوت نوال بتنادي بفزع يا أستاذ يوسف! إلحق، رجالة من شركات المنافسين واقفين برة على البوابة ومصممين يدخلوا يقابلوك بالقوة!
يوسف بعد خطوة عن ريتان، ملامحه الحنينة اتقلبت في ثواني للجمود والقوة، لكنه مسك كف إيد ريتان وضغط عليه برقة وقال لها خليكي هنا ومتحركيش، ومتقلقيش من أي حاجة في الدنيا طول ما أنا عايش.
خرج يوسف بخطوات ثابتة عشان يواجه اللي برة، وساب ريتان قلبها متعلق معاه، عارفة إن في سر كبير وعالم غامض وراه، بس مشاعرها تجاهه خلاص عدت كل حدود الخوف.
يتبع...
الفصل الثالث والأخير
الهوا برة القصر كان قاطع، والمطر نازل يضرب في الأسفلت والرخام كأنه رصاص، لكن البرود اللي في عروق يوسف الرفاعي في اللحظة دي كان أشد بمراحل من برودة الجو. نظرة واحدة ألقاها على ريتان وابنها عمر قبل ما يقفل باب المكتب وراه بهدوء تام، قفل الباب بالمفتاح علشان يطمن إنهم في أمان كامل ومحدش يقدر يوصلهم مهما حصل.
الحاجة نوال كانت واقفة في الصالة الواسعة أيديها بتترعش على صدرها، وشها لونه أصفر زي الليمونة، وبتهمس بصوت مرعوب يا ابني بلاش تخرج ليهم كده، دول مش جايين يتكلموا في بيزنس ولا شراكة، دول رجالة طارق النمر... ومعاهم سلاح ومحدش فيهم قلبه فيه رحمة!
يوسف مشي بخطوات بطيئة، ملامحه كانت جامدة ومتحجرة كأنها منحوتة في صخر، زرر جاكيت بدلته الأسود بإيد واحدة وقال بنبرة هادية جدًا ترعب أكتر من أي صراخ البيت ده عتبته متداسش برجل غريب طول ما أنا عايش يا نوال. اطلعي فوق واقعدي في أوضتك، وسيبيلي أنا الحساب.
على البوابة الخارجية الكبيرة للفيلا، كانت الحراسة الخاصة بيوسف محاوطة المكان، لكن عربيتين دفع رباعي سودا بدون نمر كانوا كاسرين حاجز البوابة الحديدية وواقفين في نص المدخل، ومنهم نزل طارق النمر ومعاه خمس رجالة مفتولي العضلات، كل واحد فيهم ماسك سلاحه وظاهر الشرر من عينيه. طارق كان بيتنفس بغل وغضب سنين، بيحاول من شهور يكسر شوكة يوسف في السوق ويسيطر على مجموعة الأراضي الجديدة في
تم نسخ الرابط