رواية كاملة

لمحة نيوز


كويس إنك فوقتنا.
عدت شهور.
البنت كبرت شوية.
وسميناها ليان.
وفي يوم عيد ميلادها الأول، عملنا حفلة صغيرة في البيت.
ما كانتش حفلة ضخمة.
ولا حجز فندق.
ولا عربية فخمة.
مجرد أهل وأصحاب قريبين.
وأنا واقف بعيد، بصيت على أمي وهي بتلعب مع ليان.
وأبويا كان بيحاول يخليها تضحك.
وداليا كانت بتصورهم.
وسلمى واقفة جنبي.
قالت
فاكر الرحلة؟
ضحكت.
رحلة أوروبا؟
أيوه.
قلت
بقيت حاسس إنها كانت أغلى درس أخدته في حياتي.
قالت
خسرت فلوس كتير.
بصيت لها.
الفلوس راحت.
وبعدين بصيت على بنتي.
لكن لو كنت كملت بنفس الطريقة، كنت ممكن أخسر بيتي.
سلمى مسكت إيدي.
وقالت
بس إنت اخترت صح.
بصيت لها.
لأ.
لأ إيه؟
أنا اخترت أفهم.
بعد الحفلة، أبويا قعد جنبي في البلكونة.
قال
ياسين.
نعم؟
الرحلة لو كنت سيبتها كانت هتفرق؟
ضحكت.
مش عارف.
قال
أنا عارف.
بصيت له.
قال
كانت هتفضل مجرد رحلة.
سكت.
كمل
لكن اللي عملته بعدها هو اللي فرق.
ابتسمت.
بابا، أنا ما كنتش عايز أعاقبكم.
عارف.
كنت عايزكم تفهموا إني مش بنك.
ضحك.
وإحنا فهمنا.
سكتنا.
وبعدين قال
بس في حاجة.
إيه؟
لو عايز تعمل رحلة تانية، خدنا معاك.
ضحكت بصوت عالي.
على حسابك المرة دي.
ضحك هو كمان.
وقال
ماشي.
بعدها بفترة، عملت حاجة ما كنتش أتوقع إني أعملها.
حجزت رحلة.
لكن المرة دي
مش لأوروبا.
ومش بمبلغ ضخم.
ومش عشان أشتري رضا حد.
حجزت كام يوم ليا ولسلمى وليان.
رحلة عائلية بسيطة.
وقبل ما نسافر، روحنا بيت أهلي.
أمي قالت
طب وإحنا؟
بصيت لها.
المرة دي لأ.
ضحكت.
عشان نتعلم.
قلت
عشان كل واحد يعرف يعيش بفلوسه، ويستمتع بحياته من غير ما يستنى حد يشيل عنه كل حاجة.
أبويا قال
كلامك اتغير.
قلت
أنا كمان اتغيرت.
ومن يومها، علاقتنا ما بقتش مثالية.
لكن بقت حقيقية.
بقينا نختلف ونتصالح.
نقول لأ من غير خوف.
نعتذر لما نغلط.
نساعد بعض من غير ما نحول المساعدة إلى حق مكتسب.
وأهم حاجة
سلمى بقت تدخل بيت أهلي وهي مرتاحة.
مش لأنها ضمنت إن محدش هيزعلها.
لكن لأنها عرفت إن لو حصل أي تجاوز، أنا هكون واقف جنبها.
وفي مرة، وإحنا قاعدين كلنا على سفرة واحدة، داليا قامت من مكانها وقالت
سلمى، تحبي تقعدي هنا؟ الكرسي ده أريح.
سلمى ضحكت.
وقالت
لأ، أنا مرتاحة هنا.
داليا قالت
براحتك.
وأمي بصت لي وضحكت.
أنا كمان ضحكت.
محدش افتكر الكوباية.
ومحدش احتاج يجيب سيرة الرحلة.
لأن الدرس كان خلص.
أنا ياسين عبد الرحمن.
كنت فاكر إن دوري في العيلة إني أدفع.
وكنت فاكر إن الحب معناه إني أوافق.
وكنت فاكر إن بر الوالدين معناه إني أسكت عن أي حاجة تحصل لمراتي.
لكن اتعلمت حاجة أهم.
إنك تقدر تحب أهلك وتحترمهم، وفي نفس الوقت تحط حدود.
تقدر تساعد من غير ما تتحول لمصدر تمويل دائم.
وتقدر تسامح من غير ما تسمح بتكرار نفس الغلط.
وأهم حاجة
إن الإنسان اللي اختارك شريك لحياته، خصوصًا في أصعب فترات حياته، لازم يحس إن بيته أمان.
مش ساحة يضطر فيها كل يوم يثبت إنه يستحق مكانه.
أما الرحلة
فالفلوس اللي راحت منها ما رجعتش كلها.
لكن بصراحة؟
أنا ما بقيتش ندمان.
لأن في بعض الخسائر بتكون مجرد فلوس.
وفي خسائر تانية ممكن تكلفك بيتك وراحتك وكرامتك.
وأنا يومها دفعت تمن رحلة اتلغت
عشان أكسب حاجة أهم بكتير.
إني أخيرًا فهمت الفرق بين
إني أكون سند لعيلتي
وبين
إني أسمح لعيلتي إنها تتكئ عليّ لدرجة إني أقع.
ومن يومها، بقيت أساعدهم
لكن بحدود.
وبقيت أحبهم
لكن من غير ما أكره نفسي.
وبقيت أقول لأ
من غير ما أحس إني ابن عاق.
وأما سلمى؟
فكل ما بشوفها شايلة ليان ، بفتكر اليوم اللي خرجت فيه من بيت أهلي وهي بتحاول تخبي دموعها.
وأفتكر الكوباية المية.
وأفتكر جملتهم
لو هتعيطي على كل حاجة، روحي كلي في المطبخ.
وأقول بيني وبين نفسي
الحمد لله إني في اليوم ده ما دافعتش عن الغلط بحجة إنهم أهلي.
لأني لو كنت سكت
كان ممكن الكوباية تخلص على السفرة.
لكن اللي كان هيكمل
كان الإهانة.
والنهارده، بعد سنين، لما ليان تسألني
بابا، ليه جدتي بتحب ماما أوي؟
ببتسم وبقول لها
عشان جدتك اتعلمت حاجة مهمة.
إيه؟
أبص لسلمى وأقول
إن البيت اللي كله حب لازم يكون فيه احترام.
وأنا أبص لهم وأحمد ربنا.
لأن في النهاية
أنا ما ألغيتش رحلة أوروبا عشان أنتقم من أهلي.
أنا ألغيتها عشان أفهمهم إن الحب مش فاتورة مفتوحة.
وإن العيلة الحقيقية مش هي اللي تاخد منك أكتر.
العيلة الحقيقية
هي اللي لما تقدر تساعدها، تفرح.
ولما ما تقدرش، ما تحبكش أقل.
ودي كانت أغلى رحلة سافرت فيها في حياتي رغم إني ما ركبتش فيها طيارة واحدة.

 

تم نسخ الرابط