رواية كاملة
المحتويات
أكل دليفري أو يدخل المطبخ يطبخلها، لكن بيتي ملوش دعوة بيهم، وإلا قسماً بالله العظيم لو سمعت كلمة تانية من جوزها، هيكون ليا معاه تصرف مش هيعجب حد في العيلة دي كلها!.
لف طارق ضهره ومسك إيدي، وطلعنا السلم وحماتي واقفة ورا على الباب بتلطم على صدرها وبتقول ماشي يا طارق.. ماشي، طالع لمراتك وبتقف قدام أمك، بكرة تلف الأيام وتعرف مين اللي باقي لك ومين اللي غريب!.
طلعنا الشقة، قفل طارق الباب وراه ورمى المفاتيح على الجزمة. حسيت إن كل طاقتي خلصت، قعدت على أقرب كرسي وأنا برتعش من فوق لتحتي. البيت كان هادي، والولاد كانوا خايفين يتدخلوا.
قرب طارق مني، نزل لمستوايا على ركبه، ومسك إيديا الاتنين اللي كانوا متلجين، وقال بنبرة هادية بس فيها حزن عميق إنتِ زعلانة مني يا ندى؟.
بصيتله وعيني مليانة دموع أنا زعلانة من نفسي يا طارق.. أنا اللي حطيتك في الموقف ده بضعفي وإحراجي الخايب. كان المفروض أول ما مامتك قالتلي هاتي الصينية، أقولها لأ بالذوق، أقولها ده غدا ولادي ومش هينفع. كان المفروض أكون أجرأ من كدة ومسمحش لحد يدوس على بيتي.
طارق اتنهد تنهيدة طويلة كأنها طالعة من قاع روحه اللي فات مات يا ندى. المهم إنك تفهمي إن الطيبة لما تزيد عن حدها بتتحول لسذاجة، وإن بيتك وعيالك هما أولويتك الأولى في الدنيا دي، قبل أي حد وقبل أي خاطر. أنا نزلت وجبت حقك وحق الولاد، بس الحكاية مش هتخلص على كدة.. أنا عارف أمي، وعارف مروة، ومش هيسكتوا على اللي حصل النهاردة.
كلام طارق كان صح، وممرش نص ساعة والبيت كان لسه بيحاول يستوعب الصدمة، لحد ما تليفون البيت الأرضي رن، وتليفون طارق رن
في نفس اللحظة.. رنات متواصلة ومزعجة ومبتفصلش.
طارق بص للتليفون، لقى الاسم اللي ظاهر على الشاشة عمي فتحي.. كبير العيلة وأخو أبوه، الراجل اللي مبيتدخلش في حاجة إلا لما تكون الدنيا خربت، واللي كلمته سيف على رقاب الكل.
فتح طارق الاسبيكر بإيد ثابتة بس ملامحه اتشنجت، وصوت عمه جه من الناحية التانية حاد وقاطع كأنه رصاصة إيه اللي هببته تحت في شقة أمك ده يا طارق؟! أمك بتكلمني منهارة وبتقولي طارق طرد بنتي وبهدلني وقطع صلته بينا عشان خاطر مراته! جهز نفسك يا ابن أخويا، أنا وعمامك وجوز أختك في الطريق ليكم حالا، والقعدة دي الليلة مش هتعدي على خير أبداً، ومراتك لازم يكون ليها حساب معانا في اللي حصل ده!.
صوت عمي فتحي على الإسبيكر قفل المكالمة برزعة خلت الهوا في الصالة يتقل كأنه خرسانة. التليفون فضل يسكت بعد الرنة الطويلة، والهدوء اللي عم فجأة كان أخطر من أي زعيق. بصيت لطارق ولقيت عروق رقبته نافرة، وإيديه مضمومة لدرجة إن مفاصل صوابعه ابيضت. عيالي كانوا باصين من باب أوضتهم، يوسف حاضن أخوه الصغير سيف وعينيهم فيها خوف كأنهم مستنيين غارة جوية.
قربت من طارق، وحسيت إن أي دموع هتنزل مني دلوقتي هتكون رخيصة وضعيفة، كفاية ضعف لحد كدة، الضعف هو اللي وصلنا للباب المقفول ده. حطيت إيدي على كتفه وقلت بصوت حاولت أخليه أثبت من الجبل طارق، استهدى بالله. بلاش تقابل النار بنار. عمك فتحي راجل كبير، ومامتك أكيد حكتله القصة مقلوبة زي ما هي عايزة تبان.. مظلومة وابنها افترى عليها.
طارق لف وشه وبصلي، وكان في نظرته مزيج من التعب والوجع اللي يهد الحيل عارف يا ندى.. عارف إنها هتقلبهالي مظلمة وإنها ست مكسورة الجناح طردتها في عز الضهر، بس اللي واجع قلبي بجد هو رخص الحركة. يعني مروة تاكل، وتخلي جوزها يتريق، ولما أدافع عن كرامة بيتي، يروحوا يجروا يستقووا بعمي الكبير؟! ماشي يا مروة.. القعدة دي مش هتخلص إلا على حق واضح، ولو فاكرين إن عمي فتحي هيخليني أطاطي وأكسر مراتي قدامهم، يبقوا ميعرفوش طارق.
طب والعيال؟ سألته وأنا باصة ناحية الأوضة.
العيال يدخلوا جوة، يوسف ياخد سيف ويقفلوا الباب، وميطلعوش مهما سمعوا صوت. وإنتِ.. تقفي جمبي، راسك مرفوعة، ومترديش غير لما أقولك، بس متنزليش عينك من عين حد فيهم. إحنا مغلطناش، وإحنا أصحاب حق.
دخلت الولاد، بوست راس يوسف وقلتله حبيبي، خليك جوة وذاكر لأخوك ومتقلقش خالص، بابا وماما مفيش حاجة هتحصلهم، بس ده عمو فتحي جاي يسلم ويمشي. يوسف هز راسه بذكاء يفهم أكتر من سنه، وقفل الباب وراه بالراحة.
مرت نص ساعة تقيلة، كل دقيقة فيها بتمر كأنها سنة. عقارب الساعة في الصالة كانت بتكتك بصوت عالي كأنها بتعد تنازلي للمواجهة. وأخيرًا، سمعنا صوت خطوات تقيلة وكثيرة طالعة على السلم، خطوات مفيهاش ذوق ولا استئذان، وفجأة، رن الجرس رنة طويلة ومزعجة، ومعاها خبطتين بكف الإيد على الخشب.
طارق بصلي، أخد نفس طويل، وراح فتح الباب.
دخل عمي فتحي الأول، لابس عبايته الرمادي وطاقيته البيضا، راجل في أواخر الستين، وشه مبيضحكش للرغيف السخن، وماسك عكازه في إيده بيخبط بيه في الأرض مع كل خطوة. وراه كان عمي إبراهيم، راجل طيب شوية ومبيحبش المشاكل بس ماشي ورا فتحي في أي كلمة. ووراهم كان أحمد، جوز مروة، داخل عينه في الأرض وعامل نفسه الراجل المصلح والمحروق على العيلة، وأخيرًا، طلعت حماتي مسنودة على بنتها مروة، حماتي حاطة منديل على عينيها وبتمسح دموع مفيهاش أثر للبلل، ومروة ماشية وراها بصة بغيظ وكبرياء كأنها كسبت الحرب.
اتفضلوا.. البيت بيتكم، قالها طارق بصوت هادي وجامد، مفيش فيه لا ترحيب زايد ولا عداوة، مجرد وقفة راجل متمكن من مكانه.
عمي فتحي دخل وقعد على الكنبة الكبيرة في صدر الصالة، سند عكازه بين رجليه، ومردش السلام على طول. استنى لما الكل يقعد؛ حماتي قعدت جنبه وهي بتشهق، ومروة وقفت وراها زي الحرس، وأحمد قعد على طرف الكرسي جمب عمي إبراهيم. أنا وقفت جمب طارق، لا قعدت ولا دخلت المطبخ أعمل شاي ولا قهوة؛ الموقف ده مكانش فيه مكان للمجاملات العبيطة اللي بتضيع الحقوق.
عمي فتحي بص لطارق من فوق لتحت، وقال بنبرة صوت تقيلة وبطيئة إيه اللي سمعته ده يا طارق؟ من إمتى ولاد الحاج محمود الله يرحمه بيعلوا صوتهم على أمهاتهم؟ من إمتى يا ابن أخويا شقى السنين بيترد لأمك بزعيق وقلة قيمة قدام الجيران في بير السلم؟.
حماتي مسكت في الكلمة وانفجرت في العياط بصوت عالي شوفت يا أخويا فتحي؟ شوفت اللي جرالي على كبرتي؟ طردني وبهدلني وقال لي الباب اتقفل بالضبة والمفتاح، وكل ده عشان خاطر صينية أكل! بقى أخته العيانة اللي ضهرها واجعها تستكتر عليها لقمة نزلت في بطنها؟ وعشان مين؟ عشان خاطر السنيورة اللي واقفه جنبه دي، اللي ملت دماغه عليا وعلى أخته!.
مروة دخلت في الكلام بسرعة بنبرة مظلومة والله يا خالو، أنا ما كنت قادرة أقف على رجلي خالص من التعب، وأمي كتر خيرها شافتني كدة قالتلي خدي الصينية عشي بيها عيالك وراجل الغلبان ده اللي طالع عينه، قمت أنا فرحت بحنية أمي ومشيت، أفاجأ بجوزي بيقولي طارق بيكلمني يزعق ويغلط
متابعة القراءة