رواية كاملة
المحتويات
شياطين من جواه. بصلي وقال بقهرة فلوس مين اللي هتديهالك؟! هو إنتِ عبيطة يا ندى؟! إنتِ بقالك معايا كام سنة في البيت ده؟ لسه مفرزتيش أمي وطريقتها؟ لسه متعلمتيش إن الطيبة مع اللي مبيقدروش اسمها غباء وخيبة؟! هتديكي فلوس منين وهي لو لقت في جيبها مليم هتديه لبنتها وعيال بنتها ومستخسرة فينا اللقمة؟! وبعدين فرضي إدتك فلوس.. هتعملي صينية تانية في دقيقة؟ هتاكلي الولاد الهوا لحد ما تسلقي وتعصجي وتخبزي؟ العيال راجعين من مدارسهم ودروسهم جعانين، وأنا طالع عيني من سبعة الصبح في الشغل، عشان في الآخر أكلنا يتاخد على الجاهز يروح لبيت تاني راجلها ممدد على السرير ومروة مأنتخة وبتتفرج على التليفزيون؟!.
الولاد فضلوا باصين وساكتين، ابني الكبير يوسف قام براحة وقرب من أبوه، مسك إيده وقال بصوت طفولي موجوع بابا، متزعقش لماما.. ماما كانت زعلانة والله في المطبخ وبتعيط وهي بتعمل الصلصة، وكانت بتقولنا حقكم عليا مكنش بإيدي.
الكلمة دي هدّت طارق شوية، بص ليوسف وطبطب على راسه، بس غليانه الداخلي مهدّاش، بالعكس، شكله كان ناوي على قفلة حساب قديم متراكم بقاله سنين. بصلي بنظرة صارمة، نظرة عمري ما شفتها فيه قبل كدة، وقال اسمعي يا ندى.. السكوت بتاعك ده اللي جابنا ورا، وخلاكِ ملطشة في البيت ده. من أول ما اتجوزنا وإنتِ تراضيهم على حساب نفسك وعلى حسابي، أمي تطلب نديها، مروة تحتاج حاجة تاخدي من بيتك وتعطيها، وكل ده وأنا بقول معلش، ندى بنت أصول وبتشتري خاطر العيلة.. بس لحد لقمة عيالي، ولحد كرامتي قدام الغريب، الخط الأحمر اتقطع خلاص.
مسك إيدي بقوة، شدني من المطبخ للباب، وقال بصوت حاسم انزلي معايا دلوقتي حالا.
أنزل فين يا طارق؟ أرجوك استهدى بالله بلاش فضايح في العمارة، بلاش نعمل شوشرة الناس تسمعنا!.
فضايح؟ هو اللي عملوه ده مش فضيحة؟! الفضيحة إن بنتها تاكل لقمتنا وجوزها يشمت فيا ونتعشى إحنا قهرة! انزلي ورايا وما تفتحيش بقك بكلمة، تشوفي بس الراجل لما يقرر يحط النقط على الحروف بيعمل إيه، عشان تتعلمي إزاي توقفي أي حد عند حده لما يتعلق الأمر بحقك وحق ولادك.
نزل طارق على السلم بخطوات ترن في العمارة كلها، وأنا ماشية وراه بقلب مقبوض ورجليا بتخبط في بعضها من الرعب. كنت عارفة حماتي كويس؛ ست قوية، صوتها عالي، مبتعترفش بغلط، ودايمًا شايفة إن ابنها وبيته ملكية خاصة ليها ولعيالها التانيين، وإن أي كلمة من مرات الابن تعتبر قلة أدب وعقوق.
وصلنا قدام باب شقة حماتي في الدور الأرضي. طارق ممدش إيده يرن الجرس بهدوء، خبط على الباب تلات خبطات جامدين ورا بعض ورا بعض ورا بعض.
ثواني والباب اتفتح، وظهرت حماتي لابسة جلابيتها السودة الواسعة، حاطة الطرحة على كتافها، وماسكة في إيدها كوباية شاي بنعناع، وعلى وشها ابتسامة باردة اتحولت فجأة لاستغراب لما شافت وش طارق وهو بيغلي خير يا طارق؟ في إيه يا ابني داخل ترزع على الباب كده ليه كأن البيت بيولع؟ مفيش سلام عليكم؟.
طارق مدخلش وقفل الباب، فضل واقف على العتبة، وقال بصوت جهوري مسموع في كل شقق العمارة وعليكم السلام يا أمي. فين مروة؟.
حماتي حطت كوباية الشاي على التربيزة اللي جنب الباب ورفعت حاجبها مروة خدت الصينية ومشيت من بدري روحت لبيتها ولراجلها، خير في إيه؟ قلبك واكلك على أختك أوي كدة ليه؟.
قلبي واكلني على أختي؟ طارق ضحك ضحكة استهزاء توجع القلب، لأ يا أمي، قلبي مش واكلني على أختي، قلبي
واكلني على كرامتي اللي اتبعترت على تليفونات جوزها، وقلبي واكلني على عيالي اللي قاعدين فوق بياكلوا مكرونة ناشفة ومحروق دمهم عشان صينيتهم اتوزعت على الجاهز!.
حماتي وشها اتغير، ولفت بصتلي بنظرة كلها سم وكيد، وقالت آآآه.. قولي بقى كدة! السنيورة طلعت اشتكتلك ونقلتلك الكلام؟ بتجري تسخنك على أمك وأختك عشان حتة مكرونة؟ خسارة اللقمة اللي نزلت في بطنها والله! ده أنا قايلالها هنزلها تمن الطلبات تعمل غيرها، هو إحنا شحاتين يا سي طارق عشان تعمل الليلة دي كلها على صينية مكرونة؟.
طارق قاطعها بصوت حاد خلى حماتي ترجع خطوة لورا أولاً، ندى مشتكتش، ولا نطقت بنص كلمة، ندى كانت قاعدة بتعيط في مطبخها وبتسلق شوية مكرونة للعيال مكسورة الخاطر! اللي اتصل بيا هو أحمد جوز بنتك المصون، بيتصل يتشمت ويقولي كتر خيركم البشاميل كانت حلوة ومروة كلت وشبعت! ده يرضي مين يا أمي؟! يرضي مين إن راجل غريب يكلمني يمن عليا بأكل أنا دافع تمنه من شقايا وتعب عيني؟!.
جرى إيه يا طارق! حماتي صوتها علي وابتدت تفرك في إيديها بغضب، إنت بتعلي صوتك عليا عشان أختك شالت صينية أكل؟ مروة كانت عيانة وضهرها هيموتها، والست لما تعيا في بيت أمها بتتدلع! إيه يعني لما مراتك تخدمها وتديها أكل؟ هي مراتك هانم وإحنا منعرفش؟ ما طول عمرنا في البيت الكبير اللي بيطبخ بيدي للتاني، ولا خلاص مراتك نسيت أصلها؟.
هنا طارق ملمش نفسه، وقرب منها وقال بحدة البيت الكبير ده لما يكون فيه عدل يا أمي! لما تكون بنتك بتخدم ندى لما تعيا، لما تكون مروة بتنزل تطبخلك وتطبخ لعيالي لما ندى كانت في المستشفى بتولد، مش كانت ندى بتولد ومروة قاعدة حاطة رجل على رجل ومسألتش حتى في كباية ماية؟! لما يكون الأكل بيطلع برضا، مش تيجي تكسري عينها وتطلبي الصينية كلها بحجة هتديلها فلوس، وفي الآخر تقعدي تاكلي وتشربي ولا تعبريناها بمليم ولا حتى بكلمة شكر؟!.
أنا مكنتش هكل عليها حاجة! حماتي زعقت ودموع التماسيح بدأت تلمع في عينها عشان تقلب الترابيزة وتعمل نفسها المظلومة، أنا نسيت، الفلوس في المحفظة جوة، كنت هطلعهالها بكرة، إنت اللي داخل تهجم عليا كأني سرقتكم! خلاص يا سيدي، ادخلي يا ندى هاتي من الدرج ألف جنيه خدي تمن صينيتك الدهب اللي مفيش زيها، عشان تشبعي إنتِ وجوزك، ومتفضحيناش قدام الجيران!.
الكلام كان قاسي وجارح، وحسيت بإهانة عمري، بصيت لطارق وكنت لسه هقوله كفاية يا طارق وخلينا نطلع، بس طارق شاورلي بإيده إني أسكت، ووقف قدام أمه بمنتهى الحزم والجمود.
فلوسك مش عايزينها يا أمي، خليهالك بنتك أولى بيها، قالها طارق ببرود تام، بس اسمعي الكلمتين دول عشان مش هكررهم تاني من اللحظة دي، شقتي فوق منفصلة تماماً عن شقتك هنا. أكلنا فوق، وشربنا فوق، وندى مش هتنزل من فوق غير للواجب والزيارة اللي تليق بأمي وبس. طلبات، وعزايم على الجاهز، وصواني تنزل وصواني تطلع.. الباب ده اتقفل بالضبة والمفتاح.
حماتي شهقت شهقة خلت صدرها يترفع إنت بتقاطع أمك يا طارق؟! عشان خاطرها بتبيعني؟ بقى عشان مكرونة تقولي الباب اتقفل؟!.
أنا مبقاطعكيش، إنتِ أمي وجزمتك على راسي، وأنا اللي هنزل أخدمك بنفسي في أي حاجة تحتاجيها، بس بيتي له حرمته، وكرامة مراتي من كرامتي. واللي يقبل إن عياله يتكسر خاطرهم عشان يرضي حد تاني يبقى مش راجل. ومروة أختي.. بلغيها إن من هنا ورايح، جوزها المحترم لما يعوز ياكل، ينزل يشقى ويجيبلها
متابعة القراءة