رواية كاملة
المحتويات
تتهادى وفرحانة بالنصر، وجوزي مازن دخل يفرك إيديه ومبسوط إنه سوّى الخلاف بحنكته، سحبت نفسي ودخلت البلكونة بهدوء.
طلعت الموبايل وطلبت نمرة نهى.
نهى مش مجرد صاحبتي وأنتيمتي من أيام تجارة إنجليزي، نهى بتدير كاترينج ومطبخ بيتي أوردرات أكل ومناسبات في زايد، وعارفة ألاعيب الستات اللي بيشتروا ويبيعوا، والأهم من ده كله.. إنها بتفهم في الأصول بجد، مش الأصول اللي بتفصلها الحاجة وفاء على مقاس جيبها.
ألو.. نهى، إلحقيني بكرتونة من كاميرات المراقبة الصغيرة بتاعت المحل، اللي بتتوصل على الواي فاي وبتسجل صوت وصورة من غير ما تبان، وعايزاكي في نصيبة.
حكيت لنهى كل حرف حصل. نهى كانت بتسمع وهي بتفرقع لبان في ودني، ولما خلصت سمعت صوت شخرة مكتومة على الخط نعم يا روحي؟! تلتميت برطمان؟! إنتي عارفة يعني إيه تلتميت برطمان مخلل وصلصة يا وسام؟ يعني حلتين تسبيك ميرفعهمش ونش، وجالونات خل تحرق الجيوب الأنفية، وشكك وتقوير وتمليح يقعدك في السرير أسبوعين بضهرك! ودي واخدة العربون في كرشها وبتقولك عوايد العيلة والبيت وشكلنا؟ وحياة أمي ما أسيبك تتبهدلي!
أنا مش هتبهدل يا نهى، أنا هعلمهم أدب مش هينسوه طول ما هما عايشين.. بس الكاميرا تجيلي الليلة دي قبل ما الصبح يطلع.
الساعة مكنتش جابت عشرة بليل، كانت نهى باعتالي الكاميرا مع دليفري سريع. كاميرا سودة في حجم غطا إزازة المية، بتلزق في أي زاوية ومفيهاش لمبة تنور فتلفت النظر. دخلت المطبخ بهدوء، ثبتّها بين برطمانات التوابل العالية فوق دولاب المطبخ، واخدة الكادر كله الرخامة الكبيرة، الحوض، وترابيزة التجهيز، وكمان الزاوية اللي حماتي بتحب تقعد فيها عشان تفرز وتدي أوامر.
ربطت الأبلكيشن على موبايلي، والصورة كانت طالعة واضحة كأنها سينما، والصوت أنقى من ميكروفون الجامع.
تاني يوم، الساعة ستة الصبح، منبه مازن ضرب.
قام متكدر ومصدع، بس الحاجة وفاء كانت بترن عليه من تحت العمارة بالدقيقة والثانية. نزلا الاتنين في عربية مازن وطلعوا على طريق الإسماعيلية وسوق العبور، عشان يجيبوا الخير زي ما أمه كانت بتقول.
أنا استغليت نزولهم وعملت كوباية شاي بلبن، قعدت شربتها بروقان، وبعدين قومت لبست دريس خروج شيك وشنطتي في إيدي، ونزلت روحت قعدت في معمل التحاليل القريب مني. اتفقت مع دكتورة صاحبتي تديني تقرير أشعة وهمي ورباط ضاغط طبي محترم على إيدي اليمين، بحجة إني وقعت وجالي جزع جامد في المعصم يستحيل أقدر أعصر بيه ليمونة، مش أخلل تلتميت برطمان!
رجعت البيت قبلهم بنص ساعة، لفيت الرباط على إيدي، وجهزت نفسي على الكنبة بوش واحدة بتموت من الألم.
الساعة حداشر الظهر، الباب اتفتح، وسمعت صوت نهجان مازن وصوت شخاليل وأقفاص بتتحط في الصالة.
يا فتاح يا عليم.. وسام! تعالي شيلي معانا الخضار ده هيموتنا!
قومت طلعت براحة وأنا عاقدة حاجبي وبمسك إيدي اليمين بالشمال حمد الله على السلامة يا مازن.. بس أنا مش هقدر ألمس قشاية.
الحاجة وفاء كانت داخلة وراها اتنين شيالين محملين أقفاص طماطم بلح حمرا دم، وأجولة خيار بلدي رفيع، وشكك فلفل حامي أحمر وأخضر، وكراتين برطمانات إزاز فاضية بالأغطية بتاعتها لحد سقف الطرقة! الشقة في ثانية بقت شبه وكالة البلح.
حماتي وقفت في نص الصالة، وشها أصفر من الشمس، وبتنهج يعني إيه مش هتقدري تلمسي قشاية؟ هو إحنا جايين نهزر؟! إيه اللي في إيدك ده؟!
وقعت وأنا بنزل الزبالة
الصبح يا ماما، المعصم طق، والدكتور في المستشفى حلف عليا ما أحرك صباع واحد لمدة عشر أيام، واداني مسكنات، وقالي لو ضغطتي على إيدك هتحتاجي جبس وعملية وتثبيت شريحة.
مازن قعد على كرتونة برطمانات وهو ماسك دماغه يا نهار أسود.. عشر أيام؟! وإحنا شاريين بنص شقى عمري بضاعة، والناس مدية العربون ومستنية تستلم قبل رجب ما يخلص وقبل رمضان بأسبوعين!
الحاجة وفاء عنيها ولعت شرار، وبصتلي بشك وعايزة تكشف عليا، بس منظر التقرير والروشتة والرباط الطبي سد خانة الشك في زورها.
طب والعمل؟ الخضار ده لو قعد يومين برة التلاجة في حر الصالة دي هيضرب ويدود، وإحنا دافعين فيه دم قلبنا! حماتي صرخت وهي بتخبط على فخادها.
رديت بمنتهى البراءة والمسكنة ولا تزعلوا نفسكم خالص.. مش إنتي يا ماما اللي قلتي إن ستات عيلتكم طول عمرهم بيخللوا، وإنك شيلتي الليلة أربعين سنة من أيام حماتك؟ بركتنا إنتي، والخير على إيدك! ومازن حبيبك هيقف يساعدك يغسل ويعقم ويقطع، وأنا هقعد هنا على الكرسي أقولكم المقادير وسر الصنعة بالجرام عشان الطعم يطلع زي ما الزباين داقوا بالظبط!
مازن اتنطر من مكانه أنا؟! أنا أقف أقمع فلفل وأغسل طماطم؟! أنا مهندس يا وسام!
ومهندس دي تسقط قدام أصول العيلة يا روحي؟ مش إنت لسه قايلي امبارح اعمليها عشان البيت وشكلنا قدام الناس والعيش والملح؟ يلا وريني الأصول وشيل مع مامتك، ولا الأصول دي بتطلع عليا أنا بس أول ما الموضوع يبقى فيه شقى وتعب؟
الحاجة وفاء بلعت ريقها بصعوبة، لقت نفسها محشورة في زاوية ملهاش مخرج. الفلوس في جيبها وصرفتها على الخضار، والناس لو مستلموش هيفضحوها في المنطقة والنادي، ومرات ابنها إيدها ملفوفة ومفيش حجة تمسكها عليها.
يلا يا مازن.. فز ادخل المطبخ.. مفيش وقت للرغي، الخيار هيدبل.
ودخلوا المطبخ.
أنا دخلت أوضة النوم، قفلت الباب عليا بالمفتاح، رميت الرباط الضاغط من على إيدي، وفتحت الموبايل وحطيت السماعات في ودني.
الصورة على الأبلكيشن كانت تحفة فنية تستاهل أوسكار.
مازن لابس مريلة مطبخ مشجرة، واقف قدام الحوض وشه وارم من ريحة الشطة الحمرا اللي بيغسلها، وكل ثانيتين يعطس عطسة تهد الحيطة، وعينيه مدمعة وحمرا كأنه مضروب بالقلم. وأمه واقفة على الحلة الكبيرة بتسلق الطماطم عشان تقشرها، عرقانة والجلابية لازقة في ضهرها، وبتسب وتلعن في سرها من السخونية والحر.
قصفي يا مازن، متسيبش العنقود الأخضر في قرن الفلفل! هيبوظ المخلل والناس ترجعه!
يا أمي ارحميني، إيدي بتاكلني من الشطة، وظهري اتقطم من الوقفة! بقالنا خمس ساعات ومخلصناش تلتين قفص واحد من أصل عشرين!
اتكتم واشتغل وإنت ساكت! ده إحنا لو الأوردر ده باظ هندفع من جيبنا اللي ورانا واللي قدامنا.. ده أنا واخدة عربونات تلاتين ألف جنيه وصرفناهم في السوق!
كنت بسمع وبتفرج وأنا باكل تفاحة ومبسوطة بالعدالة الإلهية اللي بتتحقق لايف قدام عيني. بس على الساعة خمسة المغرب، بعد ما الاتنين هدوا شوية وبدأوا يقعدوا على كراسي المطبخ يرتاحوا من التعب، حماتي وطت صوتها وبصت ناحية باب المطبخ عشان تتأكد إن محدش سامع.
قربت من مازن، والمايك بتاع الكاميرا كان حساس جداً، لقط كل همسة.
بقولك إيه يا واد.. البت وسام دي مش سالكة، وحكاية إيدها اللي وجعاها دي مش داخلة عليا.. بس يلا، أهي مصلحة برضه.
مازن مسح عرق جبينه وقالها بقرف مصلحة إيه يا أمي وإحنا طالع دين أبونا هنا؟
الحاجة وفاء ابتسمت بضحكة صفرا، وطلعت نوتة صغيرة من جيب صدرها اسمع بس وفكر بعقلك.. إحنا السنة دي بنعمل ال 300 برطمان دول بالعافية أهو، وهنسلمهم للناس باسمي وباسمك، وهقولهم إن وسام ملمستش فيهم حاجة عشان خايبة ومبتعرفش تشيل مسؤولية. والسنة الجاية على شعبان ورمضان، أنا مظبطة اتفاق مع مدام سوسن
متابعة القراءة