رواية كاملة

لمحة نيوز

من كان معنا ومن كان ضدنا.. الكل جاء يحمل قلباً جديداً.
وقفتُ أمام الجميع وأنا أمسك بيد نادية من جهة ويد هدى من الجهة الأخرى.. وقلت
اليوم مش عيد ميلاد أحد.. هو عيد ميلادنا جميعاً.. عيد الحقيقة التي حررتنا.. عيد العائلة التي تجمعت رغم كل شيء.
نظرت لندى وهي تضحك وتلعب مع الأطفال.. ونظرت لطارق الذي كان ينظر لي بفخر.. وشعرت بالامتلاء الذي طالما بحثت عنه ولم أجده في الأطباق اللذيذة ولا في الكلمات المجاملة.
لقد كنت أظن أن العزومة هي ما تطهيه وتقدمه للناس.. لكنني عرفت أخيراً أن العزومة الحقيقية هي ما تفتحه من قلبك.. وما تمنحه من سلام.
كانت رحلتي طويلة.. مؤلمة.. مكلفة جداً.. لكنها أوصلتني أخيراً إليّ.. إلى داليا التي لم تكن تعرفها من قبل.. القوية.. الحرة.. المحبوبة كما هي دون تكلف.
وفي المساء.. عندما هدأ الجميع.. جاءتني هدى بخطوات بطيئة.. ومدت لي علبة صغيرة
هدية متأخرة.. لابنتي.
فتحتها.. كانت خاتماً بسيطاً من الفض.. وحوله حجر صغير لامع
من جدتي لوالدتي.. ومنها لي.. والآن مني لكِ.. سامحيني.
احتضنتها ببطء.. لم يكن الحب قد عاد كما كان.. لكنه بدأ ينبت من جديد على أنقاض كل ما انهار.
خرجت للشرفة.. الهواء العليل لامس وجهي.. نظرت للسماء الصافية وكأنني أرى أبي يبتسم لي.. قلت بصوت خاڤت
وصلت.. أخيراً وصلت.
وكانت هذه نهايتي.. بدايتي الحقيقية.. حيث لا شيء يهم سوى الحب الذي يبقى بعد أن يزول كل شيء آخر.
الجزء الثامن الصدى اللي جابته الحقيقة
الأيام الأولى بعد انكشاف السر كانت زي ما يكون عالمنا اتقلب على راسه.. كل حد في العيلة كان عنده حكاية بيقولها، وكل واحد ليه رأي وموقف.. اللي كان بيقول كان لازم نعرف من زمان، واللي كان بيقول يا ريتنا فضلنا على ما كنا، واللي كان خاېف يصير مشاكل ومشاكل بين الناس.
أنا كنت مستعدة لكل ده.. بس اللي مجاش في بالي أبداً هو إن الحكاية تطلع بره حدود العيلة.
بدأ الأمر بسيط جدا.. كنت في المدرسة اللي بتدرس فيها ندى، مستنية تخلص الحصص، لقيت واحدة من الأمهات اللي كنت بعرفها بس من بعيد جت نحيتني وقالت بصوت واطي مليان فضول
أستاذة داليا.. حقيقي الكلام اللي بيتقال؟ إنك مش بنت الست هدى أصلاً؟
قلبي اتقبض.. كنت عارفة إن الكلام هينتشر، بس متوقعتش بهالسرعة
اللي وصلّكِ كده؟
الناس بتتكلم كتير.. بيقولوا إنك عرفتي أمك الحقيقية وإنها كانت مخبيّة عليكي طول العمر.. وبيقولوا حاجات تانية أكتر من كده بكتير..
سكتّت ومش عارفة أرد إيه.. مش عشان كنت خاېفة من الحقيقة، بس عشان مش عاوزة حياة الناس دي تبقى حديث الساعة في
كل مكان. ولما رجعت البيت لقيت ندى قاعدة في أوضتها وپتبكي بكتير، وبمجرد ما شافتني قالت بصوت متهدج
ماما.. زملاتي في المدرسة كلهم عرفوا.. واحدة قالتلي إن جدتي الكبيرة كانت حرامية وسرقتك من جدتي التانية.. والتانية قالتلي إنك مش عارفة مين أمك ومين أبوكِ.. ومحدش بيتكلم معايا دلوقتي!
قعدت جنبها وضممتها لقلبي وقلبت راسها على كتفيّ.. حسيت پألم في صدري ما يتوصفش.. كنت فاكرة إن الحقيقة هتحررنا، بس طلعت بتجيب معاها ألم تاني من نوع تاني
يا حبيبة قلبي.. اللي بيتكلموا مش
عارفين الحكاية كلها.. ومش لازم نعيش حياتنا عشان نرضيهم.. المهم إننا نعرف إحنا مين ونكون متأكدين من نفسنا.
بس ده صعب يا ماما.. لما الكل بيبصلك ببصّة غريبة..
أعرف.. وأنا كمان حاسّة بده.. بس الصعوبة دي مش معناها إننا غلط.. معناها إننا بنمرّ بوقت صعب وهنعدّيه مع بعض.
في نفس اليوم جالي اتصال من شريف.. صوته كان مضطرب جداً
داليا.. سمعتي اللي بيحصل؟
سمعت.. الكلام انتشر بره البيت تماماً.
هدى سمعت الكلام برضه.. وهي مقفّلة على نفسها في البيت من امبارح ومش بترد على حد.. رحت لها الباب وقفت ساعة ومش عاوزة تفتح.
قلبي اتوجع عليها رغم كل اللي عملته.. مهما كانت الأسباب، هي كبرتني وخدمتها وحبيتها طوال 38 سنة، ومش ممكن أتخلّى عنها في اللحظة دي أبداً
أنا رايحة لها دلوقتي.
الجزء التاسع بين الباب والقلب
وصلت لبيت هدى.. المكان اللي كنت أعتبره بيتي طول عمري، وباب كان بيفتح لي دايماً بكل حب، لقيتوه مقفول بكل قوة.. خبطت بخفّة في الأول، وبعدين بقوة أكتر
يا ماما.. افتحي.. أنا داليا..
مفيش رد.. بس سمعت صوت حركة من جوا.. كانت عاوزة تفتح بس مش قادرة
أنا عارفة إنك سمعاني.. ومش جاية أعاتبك ولا أحاكمك.. جاية أقولك إننا مع بعض في ده كلّه.. مهما حصل.. إحنا عيلة.
فضلت واقفة عند الباب ربع ساعة كاملة.. بتكلم بهدوء، بذكّرها بأيام زمان، بالأكل اللي كانت بتعمله، بالحكايات اللي كانت تحكيها لي وأنا صغيرة.. ولو إن بعض الحكايات كانت مش حقيقية، بس الإحساس بالدفء اللي كان بيملأ المكان ده كان حقيقي بكل تأكيد.
فجأة سمعت صوت القفل.. الباب اتفتح ببطء.. وشفتها واقفة قدامي بملابسها اللي مش مرتبة، وشعرها المتفرفت، وعيناها اللي غارقة في الحزن.. شفتها مش الأم المزيفة اللي كنت شايفاها قبل كده.. شفتها إنسانة مکسورة خاڤت طوال عمرها وخسړت كل حاجة في لحظة
كنت فاكرة إنك هتكرهيني وتسيبيني.. زي ما الكل بيعمل..
دخلت وقعدت جنبها على الكنبة اللي كنت أجلس عليها وهي تحكي لي قصص قبل النوم
أنا مش هكرهك.. بس محتاجة وقت عشان أفهم كل ده.. وأنتِ كمان محتاجة وقت.
خفت.. خفت لما نادية تيجي تاخدكِ.. خفت لما أعرف إنك هتحبيها أكتر مني.. كنت شايفة إنك كل ما تشبهيها كل ما تبعدي عني..
أنا مش هتبعد عن حد.. بس لازم أعرف أمي كمان.. مش معنى إن لي أم تانية إنكِ مش مهمة.. أنتِ اللي ربيتني.. وأنتِ اللي تعبتي عليّ.. ده مش هيتغيّر أبداً مهما حصل.
بكت هدى پصرخة طويلة كأنها بتفكّ قيد كان في قلبها من سنين.. حكتلي كل حاجة من الأول.. كيف إنها كانت تحب أبي من صغرها.. وكيف إنه تزوج نادية وهي اټجرحت.. وكيف لما ټوفي أبوها واتترك لي صغيرة، شافتها كفرصة.. كفرصة تملأ الفراغ اللي كان في قلبها.. بس الفراغ ده ما اتملاش، بل كبر وكبر معاه الخۏف والغيرة والكذب لحد ما أكل كل حاجة.
خرجت من عندها وقلبي تقيل ومخفوق في نفس الوقت.. الطريق مش هيسهل أبداً، بس أخيراً مشيتوه بصدق لأول مرة.
الجزء العاشر ندى والطريق للثقة
مع بداية الأسبوع الجديد، قررت أروح مع ندى للمدرسة بنفسي.. لازم أواجه اللي بيحصل مش أهرب منه. وصلنا لبوابة المدرسة ويدها في يدي.. كانت بتخفّف خطواتها وتبصّ حوليها پخوف
ماما.. ممكن نرجع البيت؟ مش عاوزة أدخل..
أدخلي يا حبيبتي.. واثبتي نفسكِ.. اللي بيحبكِ هيفضل يحبكِ.. واللي مش عاوزكِ خسارة فيه.
مشينا مع بعض لحد باب الفصل.. ولما دخلت وراها لقيت كل العيون علينا.. سمعت همسات خاڤتة، وشفت نظرات مختلفة.. بس ندى وقفت في نص الفصل ورفعت راسها عالية وقالت بصوتها الصغير الواضح
أمي قالتلي إن الحقيقة مش عيب.. وإن العيلة مش بس اللي ډمها مع بعض.. العيلة اللي بتساند بعض.. اللي بيحب بعض مهما حصل.. ومش هسمح لحد يجرح أي واحدة منهم!
سكت الفصل كلّه.. وبعدين شفت بنت من زملاتها قامت ومشيت نحيتها وقالت
أنا آسفة يا ندى.. كنت سمعت كلام ومش عارفة حقيقته.. تعالي نلعب مع بعض.
وبعدها اتالت الباقيات.. وحدة تانية قالت كلام حلوة، وتالتة سألتها عن جدتها نادية.. وبدأت الصورة تتغير ببطء.. مش بين يوم وليلة، لكن خطوة بخطوة.
وفي نفس الفترة، كنت بقضي وقت مع نادية كل يوم تقريباً.. كنت أروح لها بيتها، نجلس في شرفتها اللي بتشوف النيل، وتحكي لي عن أيام صغري.. كنت أشوف صوراً لي وأنا رضيعة ما كنتش أعرف بوجودها.. صور التقطتها من بعيد.. من وراء أسوار المدارس، من خلف أشجار الحدائق.. كانت تتابعني كل خطوة في حياتي بقلوبها كلها
كنت بفرح لما تنجحي.. وببكي لما أسمع إنك تعبتي.. ما كانش في يوم يمر من غير ما أفكر فيكِ..
وليه ما حاولتيش تقابليني قبل كده؟
هدى قالتلي لو قربت منكِ هقولك إنك سبتني وكرهتيني.. وكنت خاېفة تصدقيها.. كنت خاېفة أكون في نظرك الأم اللي سابت بنتها..
أنا عمري ما كرهتكِ.. حتى وأنا مش عارفة إنك أمي.. كان قلبي بيدق لما بشوفكِ من بعيد.. كنت حاسّة بقرابة غريبة.. بس ما عرفتش إيه هي.
في يوم من الأيام، نادية جابت لي صندوقاً خشبياً قديماً.. فتحته ولقيت فيه كل حاجة رسائل كتبتها لي ولم ترسلها، خيوط صغيرة كانت عاوزة تعمل منها ملابس لي، قصاصات من الجرائد من يوم ميلادي، وقلادة صغيرة عليها اسمي
كنت حافظة كل ده عشان لو جيت اليوم.. أكون جاهزة أقولك إنى كنت معاكِ في كل لحظة.
بكيت في حضنها لأول مرة.. وشعرت بدفء لم أذقّه من قبل.. دفء الأم اللي ما تُشترى بثمن.
الجزء الحادي عشر اللقاء الذي غير الجميع
بعد ما استقرّ الحال شويّة، اقترحت عليّ نادية فكرة غريبة في البداية
عاوزة ندعو هدى تتعشى معانا هنا.. في بيتي.
أنتِ متأكدة؟
أنا متأكدة.. الكراهية ما بتعيش إلا لو سمعناها.. خلينا نكسر الحواجز.
اترددت كتير.. بس في النهاية وافقت.. واتصلت بهدى وقلت لها
نادية عاوزة نتعشى معاها..
تم نسخ الرابط